2026-10-11 09:43
فلسطين – البعد الرابع (4dPAL)
في تصريح يعكس المكانة التي يحتلها ملف الاستيطان في الخطاب السياسي الإسرائيلي، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن الانتخابات المقبلة ستحدد هوية إسرائيل وصورتها ومستقبل الاستيطان، واضعًا قضايا الهوية اليهودية والأمن والتوسع الاستيطاني في صلب المعركة الانتخابية.
وجاءت تصريحات سموتريتش خلال لقاء جمع شخصيات دينية وسياسية وناشطين من معسكر اليمين، في إطار تحركات تهدف إلى حشد الدعم للتيار اليميني قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. ووفق ما أورده موقع "Israel National News"، دعا سموتريتش إلى تعزيز هوية الدولة اليهودية ومواصلة ما وصفه بالإنجازات في مجالات الاستيطان والأمن والتعليم.
ولا ينفصل هذا الخطاب عن موقع سموتريتش داخل الحكومة الإسرائيلية؛ فهو لا يشغل منصب وزير المالية فحسب، بل يعد من أبرز المدافعين عن توسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، ومن السياسيين الذين يرفضون إقامة دولة فلسطينية. وقد ارتبطت مواقفه السياسية بالدفع نحو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات وتعزيز حضورها.
تكتسب تصريحات سموتريتش أهميتها من أنها تطرح الاستيطان بوصفه جزءًا من المشروع السياسي الذي يريد اليمين الإسرائيلي مواصلة تنفيذه، لا مجرد ملف فرعي ضمن ملفات الحكومة. فربط مستقبل الاستيطان بنتائج الانتخابات يضع السياسات المتعلقة بالأرض والوجود الفلسطيني في قلب النقاش حول شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة واتجاهاتها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر التنافس الانتخابي على هوية رئيس الحكومة أو تركيبة الائتلاف الحاكم، بل يمتد إلى طبيعة السياسات التي ستُعتمد في الضفة الغربية المحتلة، ومدى استمرار خطط توسيع المستوطنات، وموقع القضية الفلسطينية في أجندة الحكومة القادمة.
ويعكس خطاب سموتريتش توجهًا يسعى إلى حشد الناخبين حول قضايا الهوية القومية والدينية والأمن، مع تقديم الاستيطان بوصفه أحد المسارات التي ينبغي مواصلتها. وتظهر هذه المقاربة في مواقفه السابقة، وفي الإجراءات التي دفع باتجاهها خلال توليه منصبه، والتي تستهدف تعزيز الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
على مستوى الإجراءات العملية، برز دور سموتريتش في دفع خطط حكومية لتخصيص موارد مالية لتعزيز المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. ففي يونيو/حزيران 2026، أفادت وكالة «رويترز» بأن الحكومة الإسرائيلية أحالت خطة لتخصيص مليار شيكل، أي نحو 339.7 مليون دولار، لتعزيز المستوطنات القائمة وتوسيعها إلى المجلس الوزاري الأمني، من دون حسم التصويت النهائي آنذاك.
وتضمنت الخطة تمويل مشروعات مرتبطة بالطرق والمياه والصرف الصحي والإسكان المؤقت، وهي عناصر تسهم في تطوير البنية التحتية للمستوطنات وتعزيز قدرتها على التوسع والاستمرار. ونقلت رويترز عن حركة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن الخطة قد تسهم في ترسيخ وقائع يصعب التراجع عنها على الأرض.
وتوضح هذه الخطوات أن الحديث عن مستقبل الاستيطان لا يتعلق بالتصريحات الانتخابية وحدها، بل يتصل أيضًا بقرارات التمويل والتخطيط وتطوير البنية التحتية. فكلما توسعت المستوطنات وشبكات الطرق والخدمات المرتبطة بها، ازدادت التحديات التي تواجه أي تسوية سياسية تستند إلى إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.
على الأرض، تترافق السياسات الاستيطانية مع مخاوف فلسطينية متزايدة من فقدان الأراضي وتضييق المجال المتاح أمام التجمعات السكانية الفلسطينية. وفي تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناولت الصحيفة تصاعد عمليات الاستيلاء على الأراضي والتوسع في البؤر الاستيطانية بالضفة الغربية، إلى جانب اعتداءات وضغوط قال فلسطينيون إنها تدفع بعض المجتمعات إلى مغادرة مناطقها.
وأشار التقرير إلى أن مشاريع استيطانية، من بينها المخطط المعروف باسم "E1"، تثير مخاوف بشأن عزل القدس الشرقية عن أجزاء من الضفة الغربية، وما قد يترتب على ذلك من تعقيد فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وتتجاوز آثار هذه التطورات حدود المساحة التي تشغلها المستوطنات؛ إذ ترتبط بمسارات الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية والموارد، وبقدرة القرى والبلدات الفلسطينية على التوسع الطبيعي. كما أن إقامة طرق ومرافق تخدم المستوطنات قد تؤثر في حركة الفلسطينيين وتزيد من تجزئة المجال الجغرافي في الضفة الغربية.
ومن هنا، فإن ربط مستقبل الاستيطان بنتائج الانتخابات الإسرائيلية يكتسب أهمية مباشرة بالنسبة للفلسطينيين، لأن السياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة قد تنعكس على استخدام الأراضي، وحركة السكان، ومستقبل التجمعات الفلسطينية، وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية.
مع اقتراب موعد الانتخابات، لا تقتصر المنافسة على المعسكر الذي سيقود الحكومة، بل تشمل أيضًا الخلافات بشأن السياسات التي اتبعتها حكومة بنيامين نتنياهو، ودور الوزراء اليمينيين في ملفات الاستيطان والأمن والعلاقة مع الفلسطينيين.
ووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" نشر في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعهدت قوى معارضة بقيادة غادي آيزنكوت بالتراجع عن بعض سياسات الحكومة الحالية، بما في ذلك الحد من نفوذ بعض الوزراء اليمينيين، والتعامل مع البؤر الاستيطانية غير القانونية وفق القانون الإسرائيلي، واستعادة قدر من التعاون مع السلطة الفلسطينية. غير أن التقرير أشار أيضًا إلى حدود التغيير المتوقع، في ظل استمرار التوافق بين أطراف سياسية إسرائيلية عديدة على مواقف متشددة بشأن القضية الفلسطينية.
ويعني ذلك أن نتائج الانتخابات قد تؤثر في مستوى الدعم الحكومي للتوسع الاستيطاني، وفي آليات إدارته وتمويله، لكنها لا تكفي وحدها للحسم بشأن اتجاه السياسة الإسرائيلية في السنوات المقبلة. فهذه السياسة تتأثر كذلك بتركيبة الائتلاف، وتوازن القوى داخل الكنيست، ومواقف الأحزاب المشاركة في الحكومة، والضغوط الدولية، والتطورات الأمنية والسياسية.
وفي المقابل، يسعى سموتريتش إلى تقديم الانتخابات بوصفها فرصة لمواصلة مشروعه السياسي، محذرًا من أن وصول خصومه إلى الحكم قد يغير اتجاهات الدولة. ويكشف هذا الخطاب عن محاولة لتحويل الاستيطان من قضية خلافية إلى محور تعبئة انتخابية لدى قطاعات من معسكر اليمين.
تجري هذه التطورات في ظل خلاف دولي بشأن شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتعد الأمم المتحدة والغالبية الساحقة من المواقف الدولية المستوطنات مخالفة للقانون الدولي، فيما ترفض الحكومات الإسرائيلية هذا التوصيف أو تنازع في تفسيره وتطبيقه.
وتشير رويترز إلى أن المستوطنات تُعد، وفق الموقف الفلسطيني ومواقف دولية واسعة، من أبرز العقبات أمام التوصل إلى سلام، لأنها تستحوذ على أراضٍ في الضفة الغربية يُفترض أن تشكل جزءًا من الدولة الفلسطينية المستقبلية.
ويضع استمرار التوسع الاستيطاني الحكومة الإسرائيلية المقبلة أمام اختبار يتعلق بالعلاقة مع المجتمع الدولي، خصوصًا في ظل الانتقادات المتصلة بتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للأراضي المحتلة. كما يثير تساؤلات بشأن مدى استعداد أي حكومة مستقبلية لاتخاذ خطوات تحد من التوسع أو تعيد النظر في بعض الإجراءات القائمة.
تُظهر تصريحات سموتريتش أن الاستيطان سيكون أحد الملفات التي يسعى معسكر اليمين إلى حشد التأييد حولها في الانتخابات المقبلة. لكن تحديد أثر الانتخابات على هذا الملف يتطلب النظر إلى النتائج الفعلية، وتركيبة الحكومة التي ستتشكل، والقرارات التي ستصدر عنها، لا إلى الخطاب الانتخابي وحده.
وبالنسبة للفلسطينيين، تتمثل المسألة الأساسية في التداعيات الميدانية لأي استمرار في التوسع الاستيطاني، وما قد يفرضه من قيود إضافية على الأرض والحركة والتواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية. كما يرتبط مستقبل هذا الملف بقدرة الأطراف الدولية على تحويل مواقفها المعلنة بشأن الاستيطان إلى ضغوط وإجراءات مؤثرة.
وبينما يطرح سموتريتش الانتخابات باعتبارها محطة لتحديد هوية إسرائيل ومستقبل الاستيطان، فإن نتائجها ستكشف اتجاهات السياسة الإسرائيلية المقبلة، ومدى استمرار الإجراءات التي تعزز الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، أو حدوث تغييرات في أولويات الحكومة وآليات عملها.
وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل الاستيطان لا يتوقف على نتيجة انتخابية واحدة فحسب، بل يتشكل عبر قرارات سياسية وتشريعية ومالية متتابعة، فيما تبقى تداعيات تلك القرارات على الأرض الفلسطينية العامل الأبرز في تحديد آثارها على حياة الفلسطينيين وإمكانات التسوية السياسية.
