2026-10-14 09:20
نابلس – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dPAL)
تواجه قرية مادما، جنوب نابلس، تصعيدًا ميدانيًا متواصلًا يتجاوز إغلاق مداخلها بالسواتر الترابية، ليطال الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون ومصادر رزق الأهالي، بالتزامن مع حلول موسم القطاف. وبين صعوبة التنقل وتعطّل وصول السكان إلى أعمالهم ومدارسهم وأراضيهم، تتحدث شهادات محلية عن تجريف مساحات زراعية واقتلاع آلاف الأشجار، إلى جانب احتجاز مزارعين ومصادرة معداتهم ومنعهم من استكمال قطاف المحصول.
ومنذ فجر الأحد، 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أُغلقت المداخل الشمالي والشرقي باتجاه بورين، والغربي المؤدي إلى عصيرة القبلية، وفق إفادات رئيس المجلس القروي في مادما، الدكتور رامي نصار، والناشط محمد نعيم فرج، المسؤول عن الرصد والتوثيق عبر صفحة "مادما نت".
ولا تقتصر تداعيات الإغلاق على عرقلة حركة المركبات، إذ اضطر الأهالي إلى استخدام طرق بديلة وعرة، فيما ازدادت الصعوبات أمام المزارعين الراغبين في الوصول إلى أراضيهم خلال موسم الزيتون، وسط مخاوف من استمرار التجريف والاعتداءات على الممتلكات الزراعية.
ثلاثة مداخل مغلقة وطرق بديلة تزيد معاناة الأهالي
قال رئيس المجلس القروي في مادما، الدكتور رامي نصار، إن إغلاق المداخل الثلاثة انعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية للسكان، من الوصول إلى أماكن العمل والتعليم، إلى تلبية الاحتياجات الأساسية والتنقل بين القرية والبلدات المجاورة.
وأوضح نصار أن إغلاق الطرق الرئيسية دفع الأهالي إلى سلوك طرق بديلة، أبرزها طريق «الوادي الشامي»، التي وصفها بالوعرة والمتهالكة، مشيرًا إلى أن المرور عبرها يشكل عبئًا على المركبات والسائقين.
واستشهد بتجربته الشخصية أثناء استخدام الطريق، موضحًا أن مركبته اصطدمت بأرضية الطريق، ما أدى إلى تضرر جزء مرتبط بحوض الزيت واضطراره إلى إصلاحه. وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند الأضرار التي تلحق بالمركبات، بل تشمل زيادة الوقت والمسافة وكلفة التنقل، خصوصًا بالنسبة إلى العمال والمعلمين والطلبة.
وبحسب نصار، فإن الوصول إلى مدينة نابلس يتطلب الالتفاف عبر عصيرة القبلية وعوريف ثم حوارة، فيما اضطر الأهالي في فترات سابقة إلى استخدام طرق أخرى باتجاه صرّة أو عورتا، تبعًا للقيود المفروضة على الطرق المحيطة بالقرية.
وأضاف أن الإغلاق أعاق وصول عدد من العاملين إلى أماكن عملهم، وفرض صعوبات إضافية على المعلمين والطلبة، مشيرًا إلى تحويل دوام الطلبة في مادما وبورين وعصيرة القبلية، يوم الإغلاق، إلى مهمات تعليمية عن بُعد، وفق المعلومات المحلية الواردة.
ويزيد إغلاق المداخل من الأعباء اليومية على الأهالي، لا سيما في الحالات الطارئة، إذ تفرض الطرق البديلة وقتًا أطول للوصول إلى الوجهات المطلوبة، فضلًا عن مخاطر المرور في مسارات وعرة لا تلائم جميع المركبات.
تجريف أراضٍ واقتلاع مئات أشجار الزيتون
وبالتوازي مع إغلاق الطرق، تتحدث شهادات محلية عن أضرار واسعة لحقت بالأراضي الزراعية في محيط مادما، شملت تجريف مساحات مزروعة واقتلاع أشجار زيتون معمّرة وأخرى حديثة الزراعة.
ووصف نصار حجم التجريف في أحد المواقع بالقول: «جرفوا الجبل كامل»، مقدّرًا عدد أشجار الزيتون التي طالتها الأضرار في ذلك الموقع بنحو 700 إلى 800 شجرة، ضمن مساحة تقارب 540 دونمًا.
وأشار إلى أن أعمال التجريف استمرت خلال ساعات الليل حتى وقت متأخر، ما ألحق أضرارًا بالأرض والأشجار الموجودة فيها، وفق إفادته.
وبحسب الأرقام التي أوردها رئيس المجلس القروي، تبلغ المساحة الإجمالية لمادما نحو 3,400 دونم، منها قرابة 1,500 دونم مزروعة أو أقل، الأمر الذي يجعل الخسائر الزراعية ذات انعكاسات مباشرة على أصحاب الأراضي والعائلات التي تعتمد على الزراعة مصدرًا للدخل.
ولا تقتصر خسارة أشجار الزيتون على قيمة الأشجار نفسها أو محصول موسم واحد، إذ تحتاج الأشجار المعمّرة إلى سنوات طويلة من الرعاية والإنتاج، ويؤدي اقتلاعها إلى فقدان مورد زراعي يصعب تعويضه في وقت قصير.
كما أفادت المعلومات المحلية باقتلاع ست أشجار زيتون معمّرة يزيد عمرها على مئة عام، تعود ملكيتها إلى أحد أبناء القرية، وذلك في واقعة سبقت إغلاق المداخل. وتحدثت الشهادات كذلك عن أضرار طالت أشجارًا وأراضي زراعية بمحاذاة الطريق الواصل بين مادما وعصيرة القبلية.
تقديرات محلية تتحدث عن آلاف الأشجار المتضررة
قدّر الناشط محمد نعيم فرج، المسؤول عن الرصد والتوثيق عبر صفحة "مادما نت"، إجمالي خسائر أشجار الزيتون بنحو 6,000 شجرة، استنادًا إلى ما قال إنه رصد ميداني لوقائع متعددة في محيط القرية.
وأوضح فرج أن الجبل الشمالي وحده فقد، وفق تقديره، نحو 5,000 شجرة، كما أشار إلى واقعة أخرى حدثت قبل أربعة أو خمسة أيام من المقابلة، قال إنها طالت ما بين 100 و150 شجرة، قبل أن يتمكن أصحابها من قطاف محصولها.
وفي المقابل، أشار فرج إلى أن سجلات المجلس القروي تتضمن تقديرًا يصل إلى نحو 12 ألف شجرة متضررة أو مفقودة خلال فترة تقارب شهرًا.
وتختلف هذه الأرقام في نطاقها الزمني والمكاني، وقد تتداخل بعض الوقائع ضمن التقديرات الإجمالية؛ لذلك، لا يمكن التعامل معها بوصفها حصيلة نهائية موحدة قبل مطابقتها مع سجلات المجلس القروي وتحديد مواقع الأضرار والفترات التي شملتها.
وتتضمن البيانات التي جمعها المجلس معلومات عن الأراضي المتضررة ومساحاتها ومواقعها وأنواع الأشجار وأعمارها، بما في ذلك أشجار زيتون تتراوح أعمار عدد منها بين 40 و100 عام، إلى جانب أشجار اللوز والتين والعنب.
وتشكل هذه البيانات أساسًا مهمًا لتوثيق الأضرار ومتابعتها، خصوصًا عند مقارنتها بالصور والمقاطع المصورة والشهادات الميدانية، بما يساعد على تحديد حجم الخسائر بصورة أكثر دقة.
موسم الزيتون تحت الضغط ومخاوف من منع المزارعين
تتزامن الأضرار الزراعية مع موسم قطاف الزيتون، الذي يمثل مصدر دخل أساسيًا لعدد من العائلات الفلسطينية، ما يزيد مخاوف المزارعين في مادما من فقدان المحصول أو تعذر الوصول إلى الأراضي في الوقت المناسب.
ووصف فرج واقع القرية بأنه يشبه «جزيرة محاصرة من كل الجهات»، في إشارة إلى القيود التي قال إنها طالت حركة السكان والطرق الزراعية التي اعتاد المزارعون استخدامها للوصول إلى حقولهم.
وأضاف أن إغلاق بعض الطرق الزراعية أو عرقلة المرور فيها دفع أصحاب الأراضي إلى سلوك مسارات أطول، قد تمر بالقرب من مواقع وجود المستوطنين، الأمر الذي يزيد مخاوفهم من المضايقات أو منعهم من مواصلة العمل.
وأشار فرج إلى أن الوقائع التي رصدها خلال أشهر أيار/مايو وحزيران/يونيو وتموز/يوليو 2026 شملت قطع أشجار زيتون في الأراضي المحاذية للشارع الالتفافي، قبل أن تمتد الأضرار، وفق إفادته، إلى مناطق في الجبل الشمالي.
وتحدث عن وصول آليات إلى المنطقة وعملها خلال ساعات الليل في عمليات تجريف واقتلاع قال إنها غيّرت معالم مساحات زراعية كانت مزروعة بأشجار الزيتون.
كما أشار إلى أضرار طالت أشجارًا صغيرة زُرعت حديثًا، تعرض بعضها للتكسير والتخريب، لافتًا إلى أن أجزاء من الجبل الشمالي لم يتبقَّ فيها، بحسب تقديره، سوى أعداد محدودة من أشجار الزيتون في بعض المواقع.
احتجاز مزارعين ومصادرة معدات القطاف
ومن بين الوقائع التي أوردها فرج، حالة المزارع معزوز نصار، وهو معلم متقاعد يزيد عمره على 60 عامًا، قال إنه كان يقطف الزيتون برفقة أبنائه عندما جرى احتجازهم ونقلهم إلى نقطة عسكرية قريبة.
وبحسب رواية فرج، قُيّدت أيدي نصار وأبنائه خلف ظهورهم، وتعرضوا للضرب، واستمر احتجازهم أكثر من 12 ساعة. وأضاف أن أدوات القطاف والمفارش التي كانت بحوزتهم أُخذت منهم، مشيرًا إلى وجود مقطع مصور قال إن صفحة "مادما نت" نشرته لتوثيق الواقعة.
وتحدث الناشط عن حالات أخرى قال إن معدات يستخدمها المزارعون في جمع الزيتون صودرت خلالها، بما في ذلك أدوات تعمل بالبطارية، مشيرًا إلى أن بعض المعدات لم يُعَد إلى أصحابها، ما أضاف خسائر مالية إلى الأعباء التي يواجهها المزارعون خلال الموسم.
وتبقى تفاصيل هذه الوقائع منسوبة إلى إفادات فرج، فيما يتطلب التحقق المستقل منها مراجعة التسجيلات الأصلية والاستماع إلى شهادات الأشخاص المعنيين، وتحديد توقيت كل حادثة وظروفها.
أضرار في الأراضي والسلاسل الحجرية قرب المدخل الغربي
وفي سياق متصل، أفاد فرج بأنه وثّق وجود جرافة مدنية يستخدمها مستوطنون قرب المدخل الغربي المؤدي إلى عصيرة القبلية، بالتزامن مع وجود قوات عسكرية في المنطقة.
وقال إن الأضرار شملت اقتلاع أربع أشجار زيتون كبيرة وتدمير أجزاء من السلاسل الحجرية المحيطة بالأرض، كما تحدث عن استخدام جرارات زراعية في منطقة الوادي الشامي، وعن منع بعض أصحاب الأراضي من المرور أو تعرضهم للمضايقات أثناء محاولتهم الوصول إلى حقولهم.
وتعكس هذه الإفادات، وفق رواية الناشط، تداخل القيود المفروضة على الحركة مع الأضرار التي يقول الأهالي إنها طالت الأراضي الزراعية ومكوناتها، في وقت يواجه فيه أصحاب الأراضي صعوبة متزايدة في الوصول إلى ممتلكاتهم ومتابعة ما يجري فيها.
توسع استيطاني ومخاوف على شبكات المياه والكهرباء
إلى جانب إغلاق المداخل والأضرار الزراعية، أشار فرج إلى ما وصفه بتوسع بؤرة استيطانية في محيط مادما منذ نيسان/أبريل 2026، في منطقة تقع بين مادما ونابلس، قرب بلدة تل وأسفل منطقة حاجز المربعة، وفق تحديده للموقع.
وأعرب عن مخاوف الأهالي من انعكاسات هذا التوسع على الأراضي الزراعية المحيطة، ولا سيما المناطق الشمالية التي تحدث عن تعرضها للتجريف واقتلاع الأشجار.
كما أفاد بوقوع أضرار في خطوط مياه وكهرباء تابعة للمجلس القروي في محيط البؤرة، وهي تفاصيل تحتاج إلى مطابقة مع سجلات المجلس والمواد المصورة المتاحة لتحديد مواقع الأضرار وحجمها.
وتبقى طبيعة العلاقة بين هذه الوقائع ووجود المستوطنين والقوات العسكرية بحاجة إلى التحقق من كل حادثة على حدة، بدلًا من استخلاص علاقة مباشرة من مجرد تزامن الوجود في المنطقة.
التوثيق الميداني في مواجهة مخاوف المضايقة والاعتقال
في مواجهة هذه التطورات، يعمل المجلس القروي على جمع بيانات عن الأراضي والأشجار المتضررة، فيما يوثّق الأهالي ما يشاهدونه على الأرض، وتنشر صفحة "مادما نت"، التي يديرها فرج، صورًا ومقاطع مصورة مرتبطة بما يجري في القرية.
لكن فرج قال إن عمليات التوثيق لا تخلو من المخاطر، مشيرًا إلى مخاوف من تعرض من يصوّر للتهديد أو مصادرة هاتفه أو الاعتقال. وأضاف أن بعض الأشخاص يخففون من كلامهم أو يغيرون سلوكهم عندما يدركون أنهم تحت التصوير، في حين لا يمنع وجود الكاميرا جميع الوقائع التي يتحدث عنها الأهالي.
وأوضح أن المواد المصورة تُرسل، إلى جانب نشرها، إلى المجلس القروي ومنظومة الإنذار المبكر التي يشارك فيها الأهالي، في محاولة لحفظ الوقائع وإيصالها إلى الجهات المعنية.
وبذلك، لا يقتصر التوثيق على نقل المشهد إلى الجمهور، بل يشمل جمع مواد يمكن الرجوع إليها عند متابعة الأضرار والتحقق من تفاصيلها، خصوصًا في ظل اختلاف التقديرات بشأن أعداد الأشجار المتضررة والمساحات التي طالها التجريف.
من جهته، دعا نصار المؤسسات الإعلامية والحقوقية إلى توسيع اهتمامها بما تواجهه مادما، مشيرًا إلى وجود صور ومقاطع مصورة توثق جوانب مما جرى. وتتقاطع دعوة المجلس مع مطالبة فرج بحضور ميداني أوسع، حتى لا يبقى عبء نقل الوقائع على السكان والناشطين وحدهم.
مادما بين إغلاق الطرق وخسارة الأرض
تتداخل في مادما تداعيات إغلاق المداخل مع خسائر الأراضي الزراعية وموسم الزيتون؛ فالعامل يواجه طريقًا أطول للوصول إلى عمله، والطالب يتأثر انتظام تعليمه، فيما يحاول المزارع بلوغ أرضه في ظل مخاوف على أشجاره ومحصوله ومعداته.
ولا تتوقف خسارة الأشجار التي اقتُلعت أو تضررت عند موسم واحد، بل تمتد إلى سنوات من الإنتاج والرعاية ومصدر رزق كان يمكن أن يستمر، في حين تزيد القيود على الحركة صعوبة الوصول إلى الأراضي ومتابعة ما يجري فيها.
وبينما يجمع المجلس القروي البيانات ويواصل الأهالي توثيق ما يشاهدونه، تبقى الحاجة قائمة إلى متابعة ميدانية تتحقق من مواقع التجريف وأعداد الأشجار والأضرار التي طالت الأراضي وشبكات الخدمات، إلى جانب اهتمام إعلامي وحقوقي ينقل شهادات السكان إلى الجهات المعنية.
فالسواتر الترابية التي تغلق مداخل مادما لا تعيق حركة المركبات فحسب، بل تمتد آثارها إلى العمل والتعليم والزراعة وقدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم. وفي قرية يحاول أبناؤها حفظ ما يجري بالصورة والشهادة، يصبح التوثيق خطوة أساسية لتحويل الأضرار المبلغ عنها إلى وقائع واضحة قابلة للتحقق والمتابعة والمساءلة.
