تقارير

حاجز بعد حاجز.. كيف تعيد القيود الإسرائيلية تشكيل حركة الفلسطينيين في الضفة؟

Case

2026-10-05 07:54

Copy Link

رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)

لم تعد الحواجز العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد نقاط تفتيش تعترض حركة الفلسطينيين، بل تحولت، بحسب الناشط السياسي والحقوقي عمر عساف، إلى منظومة تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، من الوصول إلى العمل والمستشفيات، إلى الوصول إلى الأراضي الزراعية والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.

ويقول عساف لـ"البعد الرابع" إن الطريق الذي كان يستغرق نحو ربع ساعة قد يتحول، بفعل الإغلاقات والطرق الالتفافية، إلى رحلة تمتد لساعتين، معتبرًا أن القضية لا تتعلق فقط بتأخير المركبات، وإنما بما تفرضه هذه القيود من عزلة متزايدة بين القرى والمدن والتجمعات الفلسطينية.

ويشير إلى أن هذه الإجراءات تنعكس على مختلف جوانب الحياة، بما فيها الوصول إلى الأفراح والجنازات، وقطف الزيتون، ورعي المواشي، والوصول إلى أماكن العمل والخدمات الأساسية.

من الحاجز إلى العزل

ويرى عساف أن التعامل مع الحواجز باعتبارها إجراءً أمنيًا فقط لا يفسر أثرها الكامل على الفلسطينيين، قائلًا : " إن ما يجري، من وجهة نظره، إجراء سياسي يطال قدرة السكان على الحركة والاستقرار في مناطقهم"

ويستشهد بطريق رام الله - دير عمار، الذي يقول إن المسافة التي كانت تُقطع في نحو 15 دقيقة يمكن أن تستغرق ساعتين نتيجة الإغلاقات والالتفافات.

ويعتبر أن تكرار هذه الإجراءات يفرض على الفلسطيني إعادة تنظيم حياته وفق احتمالات فتح الطرق وإغلاقها، ويجعل الوصول إلى المدينة أو القرية المجاورة مرتبطًا بالواقع العسكري القائم على الأرض.

ولا يقتصر الأمر، بحسب عساف، على الوقت الذي تستغرقه الرحلات، بل يمتد إلى كلفة المواصلات، وتعطيل العمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، فضلًا عن تأثير القيود في العلاقات الاجتماعية بين التجمعات الفلسطينية.

"إعادة هندسة للجغرافيا"

ويضع عساف الحواجز والبوابات والإغلاقات في إطار أوسع، معتبرًا أنها تشكل، إلى جانب الطرق والبنية التحتية المرتبطة بالمستوطنات، عوامل تؤثر في شكل التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية.

ويقول إن المسألة لا تتعلق بعدد الحواجز وحده، وإنما بكيفية توزيعها، والطرق التي تغلقها أو تفرض الالتفاف حولها، والفرق بين حركة الفلسطينيين وحركة المستوطنين في المنطقة نفسها.

وبحسب قراءته، فإن استمرار القيود قد يؤدي إلى فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، بحيث تصبح القرى والمدن أكثر اعتمادًا على مسارات محدودة للحركة، في مقابل شبكة طرق أكثر سهولة تخدم المستوطنات.

ويحذر عساف من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع سكان بعض المناطق الريفية إلى الانتقال نحو المدن نتيجة صعوبة الوصول إلى الأراضي ومصادر الرزق والخدمات، معتبرًا أن ذلك قد يخلق ضغطًا تدريجيًا على الوجود الفلسطيني في المناطق "ج".

الأرض والرعي وموسم الزيتون

ولا ينفصل الحديث عن الحواجز، بالنسبة لعساف، عن الوصول إلى الأرض والموارد الطبيعية.

ويشير إلى القيود التي تواجه المزارعين والرعاة في عدد من مناطق الضفة، خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات، معتبرًا أن صعوبة الوصول إلى الأراضي أو المراعي والينابيع تضيف أعباء جديدة على السكان الذين يعتمدون عليها في معيشتهم.

وتزداد أهمية هذه القيود مع موسم قطف الزيتون، الذي يحتاج خلال فترة زمنية محددة إلى وصول المزارعين إلى أراضيهم. ويقول عساف إن منع الوصول أو تقييده يمكن أن ينعكس مباشرة على الموسم الزراعي ومصدر دخل العائلات.

كما يتحدث عن اعتداءات ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ومواشيهم، ويرى أن تزامن هذه الاعتداءات مع القيود العسكرية يزيد الضغط على التجمعات الريفية.

"المستوطنات تتصل والقرى تنفصل"

ويربط عساف بين شبكة الطرق والقيود العسكرية من جهة، والتوسع الاستيطاني من جهة أخرى، معتبرًا أن السيطرة على الحركة والوصول إلى الأرض تؤثر في قدرة الفلسطينيين على استخدام المجال الجغرافي المحيط بهم.

ويقول إن الطرق التي تربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية تمنح المستوطنين قدرة أكبر على الحركة، بينما يواجه الفلسطينيون طرقًا مغلقة أو بوابات وحواجز تجبرهم على سلوك مسارات أطول.

ويرى أن النتيجة المحتملة لذلك هي تكريس تجمعات فلسطينية منفصلة عن بعضها، في مقابل تعزيز التواصل بين المستوطنات.

ويستخدم عساف تعبير "الجيوب المنفصلة" لوصف ما يخشى أن تتحول إليه بعض المناطق الفلسطينية، بحيث يبقى السكان في قراهم ومدنهم، لكن تصبح إمكانية الوصول إلى التجمعات المجاورة أو الأراضي الزراعية أكثر صعوبة.

الضغط على المناطق "ج"

ويولي عساف أهمية خاصة للمناطق المصنفة "ج"، حيث تتداخل القيود على الحركة مع قضايا الأرض والرعي والاستيطان.

ويقول إن صعوبة الوصول إلى الأراضي والمراعي والموارد، إلى جانب اعتداءات المستوطنين، تضع السكان أمام ضغوط متراكمة قد تؤثر في قدرتهم على البقاء في مناطقهم.

ويشير في هذا السياق إلى مناطق وقرى في محيط رام الله، إضافة إلى مناطق أخرى في الضفة، معتبرًا أن ما يجري لا يمكن قراءته من خلال حاجز منفرد أو إجراء واحد، وإنما من خلال تراكم الإجراءات على مدار الوقت.

الطريق إلى المستشفى والعمل

ولا يتوقف أثر القيود عند النشاط الزراعي، إذ يرى عساف أن الحركة اليومية إلى أماكن العمل والخدمات الصحية والتعليمية أصبحت جزءًا من المعادلة نفسها.

فإغلاق طريق أو فرض مسار التفافي يمكن أن يحول رحلة قصيرة إلى مسار طويل، فيما يبقى احتمال الإغلاق المفاجئ حاضرًا أمام الفلسطيني الذي يخطط ليومه.

ويقول إن هذا الواقع يفرض حالة من عدم اليقين على السكان، خصوصًا المرضى والعمال والطلبة، ويجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية مرتبطًا بالوضع الميداني عند الحواجز والبوابات.

حين يصبح الحاجز جزءًا من الحياة

ويحذر عساف من أن الخطر لا يكمن فقط في الإغلاق نفسه، وإنما في اعتياد الناس عليه.

فمع مرور الوقت، قد يتحول الانتظار على الحاجز والبحث عن طرق بديلة والتخطيط وفق احتمالات الإغلاق إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية، بما يخفف، في رأيه، من الإحساس بمدى تأثير هذه القيود على المجتمع.

ويرى أن استمرار هذا الواقع يمكن أن يؤثر في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين القرى والمدن، بعدما كانت الحركة بينها جزءًا طبيعيًا من الحياة الفلسطينية.

ما وراء الأرقام

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى وجود مئات من عوائق الحركة في الضفة الغربية، تشمل الحواجز ونقاط التفتيش والبوابات والسواتر وغيرها من العوائق التي تؤثر في حركة الفلسطينيين والوصول إلى الأراضي والخدمات.

وبذلك، فإن النقاش حول الحواجز لا يتعلق فقط بعددها، وإنما بتأثيرها المتراكم على الحياة اليومية، وعلى قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والأرض.

وبالنسبة لعساف، فإن هذه الإجراءات يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بالأرض والاستيطان وشكل التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

بين الحاجز والجغرافيا

ويعتبر عساف أن استمرار القيود على الحركة، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني والطرق المرتبطة به، يطرح سؤالًا يتجاوز وظيفة الحاجز المباشرة: كيف ستبدو خريطة الضفة الغربية إذا استمرت هذه الإجراءات؟

وفي قراءته، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالوصول من مدينة إلى أخرى، وإنما بقدرة التجمعات الفلسطينية على الحفاظ على اتصالها بالأرض وببعضها بعضًا.

فكل طريق يُغلق، وكل بوابة تُنصب، وكل مسار التفافي يُفرض، يضيف طبقة جديدة إلى واقع الحركة في الضفة، فيما تتراكم آثار هذه القيود على العمل والزراعة والخدمات والعلاقات الاجتماعية.

وهكذا، لا يعود الحاجز مجرد نقطة على الطريق، بل يصبح جزءًا من واقع جغرافي واجتماعي يعاد تشكيله تدريجيًا؛ واقع يطرح سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل الحركة الفلسطينية، وحدود قدرة القرى والمدن على البقاء متصلة في ظل منظومة متزايدة من القيود والإغلاقات.