تقارير

الطور.. خمسة طوابق تهدمها الجرافات وتفتح سؤال القدس

Case

2026-10-08 08:53

Copy Link

رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4DPal)

لم تكن جرافات الاحتلال التي دخلت بلدة الطور شرقي القدس في السادس من تشرين الأول/أكتوبر تتجه إلى منزل منفرد، كانت أمام بناية سكنية من خمسة طوابق، تضم عشر شقق، يعيش فيها عشرات المقدسيين، قبل أن تتحول خلال ساعات إلى ركام. وأفادت تقارير محلية بأن نحو 75 مقدسيًا، بينهم 35 طفلًا، أُجبروا على إخلاء شققهم، فيما قالت العائلات إن البناية كانت قائمة منذ عام 2009، وإن أصحابها خاضوا على مدار سنوات إجراءات للحصول على تراخيص وتأجيل أوامر الهدم.

وبينما كان السكان يواجهون فقدان منازلهم، كانت البناية تختصر مشهدًا أوسع في القدس: أزمة سكن، وأرضًا تضيق أمام البناء الفلسطيني، وإجراءات ترخيص طويلة ومعقدة، وأوامر هدم قد تبقى لسنوات قبل أن تتحول فجأة إلى جرافات.

بالنسبة إلى زياد الحموري، مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، يقول أنه لا يمكن قراءة ما جرى في الطور باعتباره ملفًا إداريًا منفصلًا عن تاريخ المدينة منذ عام 1967؛ فالهدم، في تحليله، يأتي في نهاية سلسلة طويلة تبدأ من الأرض، وتمر بالتخطيط والترخيص، وتنتهي عند البيت الذي يصبح مهددًا بالزوال.

ويضع الحموري المشهد في إطار أوسع، قائلًا: "نحن اليوم في معركة صمود وبقاء في القدس"، معتبرًا أن معركة المدينة لم تعد تتعلق بالأرض وحدها، وإنما بالقدرة على البقاء فيها، وبمن يستطيع أن يبني ويسكن ويواصل حياته داخلها.

من 1967 بدأت الحكاية

يرى الحموري أن العودة إلى عام 1967 ضرورية لفهم أزمة البناء والترخيص الحالية؛ فبعد احتلال القدس الشرقية، فُرضت إجراءات إسرائيلية هدفت إلى إخضاع المدينة للقوانين الإسرائيلية وضمها بصورة أحادية، وهو ضم لم يعترف به المجتمع الدولي. وتتعامل الأمم المتحدة مع القدس الشرقية باعتبارها جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة.

لكن الحموري لا يتوقف عند الجانب القانوني للضم، بل يلفت في حديثه لِـ " البعد الرابع" إلى مفارقة يراها أساسية في تجربة المقدسيين: فُرضت عليهم الالتزامات، ومن بينها الضرائب، في حين لم يحصلوا، بحسب قراءته، على الحقوق والخدمات على نحو مماثل، ومن هنا يبدأ، في تقديره، فهم الفجوة التي تراكمت عبر العقود بين ما يُطلب من المقدسي وما يستطيع الحصول عليه داخل مدينته.

الأرض.. أول حلقات الضغط

بعد ذلك، ينتقل الحموري إلى ما يعتبره الحلقة الأولى والأكثر تأثيرًا في أزمة البناء: الأرض.

ويشير إلى أن نحو 87% من أراضي القدس صودرت أو أُخرجت من نطاق البناء الفلسطيني، ويقسم هذه النسبة، وفق عرضه، إلى نحو 35% صُنفت أراضي مصادرة وأقيمت عليها المستوطنات المحيطة بالقدس، و52% صُنفت أراضي خضراء أو أراضي للمصلحة العامة، ويضيف أن معظم هذه المساحات انتهى استخدامها، وفق قراءته، لمصلحة المستوطنات أو توسعها.

وفي المقابل، بقي أمام المقدسيين، بحسب الحموري، نحو 13% فقط من الأرض المخصصة للبناء، وهذا الرقم ليس مجرد نسبة على الخريطة بالنسبة إليه؛ فالمشكلة تبدأ من السؤال البسيط الذي يواجه الأسرة المقدسية عندما تحتاج إلى منزل جديد: أين ستبني؟

وتشير بيانات أممية سابقة إلى أن المساحة المخصصة لتشييد المباني في القدس الشرقية لا تتجاوز 13%، فيما يواجه الفلسطينيون قيودًا واسعة في التخطيط والحصول على تراخيص البناء.

13%.. ثم تبدأ معركة الترخيص

حتى هذه النسبة المحدودة من الأرض لا تعني، كما يوضح الحموري، أن البناء متاح ببساطة.

فهناك إجراءات التخطيط، والوثائق، وطلبات الترخيص، والمتطلبات المالية والقانونية التي تجعل الطريق إلى الحصول على رخصة طويلًا ومعقدًا، ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من مباني القدس قائم منذ فترات سابقة، بما فيها فترة الحكم الأردني، وبالتالي فإن المدينة تحمل أصلًا نسيجًا عمرانيًا قديمًا لا يمكن أن يستوعب النمو السكاني المستمر من دون توسع وبناء جديد.

لكن العائلات المقدسية لا تتوقف عن النمو، الأبناء يكبرون، ويتزوجون، وتحتاج الأسرة إلى غرف وشقق إضافية، فيما تبقى الأرض المتاحة للبناء محدودة، ويبقى الحصول على الرخصة، بحسب الحموري، مسارًا قد يمتد أكثر من عشر سنوات ويحتاج إلى مبالغ مالية "خيالية" تفوق قدرة كثير من المقدسيين.

وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى القيود الشديدة التي يواجهها الفلسطينيون في القدس الشرقية في مجال التخطيط والحصول على تراخيص البناء، فيما تخوض أسر فلسطينية مسارات قانونية طويلة في محاولة للحصول على تراخيص أو الطعن في أوامر الهدم.

وهنا يرى الحموري أن المعادلة تصبح أكثر قسوة: العائلة لا تستطيع الانتظار سنوات طويلة حتى تحصل على منزل، وفي الوقت نفسه لا تستطيع بسهولة العثور على أرض بديلة تستطيع البناء عليها.

وعندما تضيق الخيارات، يضطر بعض المقدسيين، وفق تحليله، إلى البناء والمخاطرة.

من المخاطرة إلى أمر الهدم

هذه النقطة تحديدًا تقود إلى البناية التي هُدمت في الطور.

فالسلطات الإسرائيلية تقول إن الهدم جاء بدعوى البناء دون ترخيص، بينما أفادت العائلات بأن أصحاب البناية خاضوا لسنوات إجراءات للحصول على تراخيص وتأجيل أوامر الهدم، قبل أن تُستكمل الإجراءات التي انتهت إلى تنفيذ الهدم.

لكن الحموري يقرأ الأمر من زاوية مختلفة: إذا كان الطريق إلى الترخيص يستغرق سنوات طويلة ويتطلب مبالغ تفوق قدرة العائلات، فماذا يبقى أمام الأسرة التي تحتاج إلى السكن؟

هنا لا يعود البناء بالنسبة إليه مجرد مخالفة على ورق، بل يصبح نتيجة لمسار عمراني وسياسي طويل، ثم يأتي الهدم ليغلق الدائرة، وتظهر خطورة هذا المسار في حجم البناية التي أزيلت، لم يكن الحديث عن غرفة أو إضافة صغيرة إلى منزل قائم؛ كانت خمسة طوابق وعشر شقق، يعيش فيها عشرات المقدسيين. أي أن قرارًا واحدًا لم يطاول صاحب عقار فحسب، بل مسّ عددًا من الأسر في وقت واحد.

"هدم جماعي" في الطور

لهذا يصف الحموري ما جرى في الطور بأنه هدم جماعي.

فكل شقة من الشقق العشر كانت بيتًا مستقلًا، وكل طابق كان جزءًا من حياة أسرية كاملة. ومع سقوط المبنى، لم تخسر عائلة واحدة منزلها، بل وجدت عدة عائلات نفسها أمام أزمة سكن في اللحظة ذاتها.

وتفيد التقارير بأن نحو 75 مقدسيًا، بينهم 35 طفلًا، أُجبروا على إخلاء شققهم، من دون منحهم وقتًا كافيًا لإخراج كامل مقتنياتهم.

وفي أعقاب الهدم، ظهرت مشاهد للسكان وهم يحاولون استعادة مقتنياتهم من بين الركام؛ لكن خلف الركام، كما يلفت الحموري، توجد قضية أكبر من المبنى نفسه.

فإذا كانت عدة أسر قد فقدت مساكنها في عملية واحدة، فماذا يعني ذلك في مدينة تعاني أصلًا من ضيق مساحة البناء وارتفاع كلفة السكن؟

أوامر الهدم.. تهديد لا ينتهي عند الجرافة

لا يتعامل الحموري مع بناية الطور باعتبارها حالة منفردة.

فهو يتحدث عن وجود آلاف أوامر الهدم التي يقول إنها صدرت ويمكن أن تنفذ بحق مقدسيين في أي وقت، وهذه الأوامر، في تصوره، تجعل خطر الهدم حاضرًا حتى عندما لا تكون الجرافة في المكان؛ فالأسرة التي تعيش في منزل مهدد لا تعرف متى يمكن أن يتحول القرار القضائي إلى عملية هدم فعلية، ولا تستطيع أن تتعامل مع المنزل باعتباره مستقبلًا مستقرًا لأبنائها.

ويشير الحموري إلى أن بناية الطور نفسها واحدة من الأمثلة التي انتقلت فيها القضية من الأوراق إلى التنفيذ، وبذلك يصبح أمر الهدم، في نظره، أكثر من قرار إداري؛ إنه تهديد مستمر لاستقرار الأسرة ومكانها في المدينة.

سلوان.. ملف آخر ينتظر

وإذا كان الطور قد قدم المشهد الأخير، فإن الحموري يلفت إلى سلوان باعتبارها من أكثر المناطق التي تحمل ملفات مشابهة، قربها من أسوار البلدة القديمة والمسجد الأقصى جعلها، بحسب وصفه، في قلب ضغوط متعددة تتعلق بالمنازل والأراضي والهدم والاستيلاء على العقارات.

ويشير إلى أن ما يجري هناك لا يقتصر على هدم منزل، بل يشمل، وفق عرضه، محاولات للاستيلاء على البيوت والأراضي، بما يجعل المنطقة واحدة من أكثر البؤر حساسية في الصراع على الوجود داخل القدس.

وقد وثقت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة استمرار مخاطر الإخلاء والهدم في القدس الشرقية، بما في ذلك سلوان، إلى جانب نزاعات قضائية وإجراءات تمس منازل فلسطينية في المدينة؛ لكن الحموري يرى أن قراءة سلوان بمعزل عن الطور، أو الطور بمعزل عن بقية القدس، تعني فقدان الصورة الأكبر.

القدس التي تغيرت من الداخل

بعد الحديث عن البناء والهدم، ينتقل الحموري إلى الجغرافيا نفسها.

فهو يرى أن ما يسميه "التهويد" في القدس لم يقتصر على تغيير أسماء أو إقامة مبانٍ جديدة، وإنما طال الأرض ومعالم المدينة وطريقة اتصال أجزائها ببعضها، ويقدر، وفق قراءته، أن السيطرة الإسرائيلية على أراضي القدس وصلت إلى نحو 95 أو 96%، مع تغييرات واسعة في معالم الأرض وتقطيع أجزاء المدينة.

وهنا يلفت إلى نتيجة يعتبرها شديدة الخطورة: صعوبة خلق تواصل فلسطيني متكامل داخل القدس الشرقية نفسها، حتى بين الأجزاء المتقاربة جغرافيًا، المسافة قد تكون قصيرة، لكن الطريق ليس بالضرورة متصلًا.

مستوطنة في أول الشارع.. وأخرى في وسطه.. وثالثة في نهايته

يستعيد الحموري مثالًا من محيط البلدة القديمة ليشرح كيف تغيرت الجغرافيا داخل المدينة.

فقد يبدأ الشارع من منطقة عربية، ثم تظهر مستوطنة في بدايته، وأخرى في منتصفه، وثالثة في نهايته؛ والنتيجة، بحسب وصفه، أن الربط العربي داخل المدينة يصبح أكثر صعوبة، ليست المشكلة إذن أن الأحياء الفلسطينية اختفت من الخريطة، وإنما أنها لم تعد، في بعض المناطق، متصلة كما كانت من قبل.

وهذا بالنسبة للحموري تحول بالغ الأهمية؛ لأن المدينة ليست فقط بيوتًا منفردة، بل شبكة من الأحياء والشوارع والأسواق والعلاقات الاجتماعية، عندما تتقطع هذه الشبكة، يتغير شكل المدينة حتى لو بقي السكان في أماكنهم.

ومن هنا يربط الحموري بين الأرض والسكن والجغرافيا: الأرض التي خرجت من يد الفلسطيني، والمبنى الذي يصبح مهددًا بالهدم، والحي الذي يصعب الوصول إليه، كلها حلقات في واقع واحد كما يراه.

"معركة ديموغرافية"

في هذه النقطة تحديدًا، يضع الحموري خلاصة حديثه: "المعركة اللي موجودة بالقدس هي معركة ديموغرافية بكل ما للكلمة من معنى"، فبالنسبة إليه، القضية لا تتعلق فقط بمن يملك الأرض، وإنما بمن يستطيع الاستمرار في العيش عليها، والهدم، بحسب قراءته، واحد من الأدوات الأساسية في الضغط على المقدسيين.

ليس لأن كل عملية هدم تؤدي بالضرورة وحدها إلى خروج الأسرة من القدس، وإنما لأن تكرار الهدم، وضيق مساحة البناء، وصعوبة الترخيص، وارتفاع كلفة السكن، كلها تضغط على الأسرة في الاتجاه نفسه.

ويختصر الحموري هذه الفكرة بالقول إن الهدم تحت عنوان "البناء دون ترخيص" يأتي في ظل ظروف لا تترك، بحسب تقديره، أمام كثير من الناس خيارات واقعية سهلة للبناء المرخص.

فإذا كانت الرخصة تحتاج إلى أكثر من عشر سنوات، وتكاليفها مرتفعة جدًا، بينما الأسرة تنمو خلال هذه السنوات، فإن الحاجة إلى السكن تسبق قدرة النظام التخطيطي على الاستجابة لها، وهنا يصبح الخطر، كما يحذر، ديموغرافيًا.

البيت الذي سقط.. والسؤال الذي بقي

في الطور، سقطت بناية من خمسة طوابق.

لكن سقوطها لم ينهِ المشكلة، عشرات الأشخاص الذين كانوا يعيشون فيها يحتاجون إلى مساكن جديدة، وأسر أخرى في المدينة تواجه ملفات بناء وترخيص وأوامر هدم، وهنا تعود قصة البناية إلى بدايتها: الأرض.

فالحموري يرى أن ما جرى منذ عام 1967 لم يكن مجرد تغيير في الإدارة والقوانين، وإنما إعادة تشكيل للأرض، ثم لنطاق البناء، ثم لشروط السكن، ثم للقدرة على البقاء، ومن هذه الزاوية، يصبح الهدم في الطور آخر حلقة في سلسلة أطول بكثير من يوم واحد، بدأت بمصادرة الأرض، ثم تضييق مساحة البناء، ثم تعقيد الترخيص، ثم اضطرار بعض الأسر إلى البناء والمخاطرة، ثم إصدار أوامر الهدم، وأخيرًا وصول الجرافات.

الطور ليس نهاية القصة

لا يرى الحموري أن ما حدث في الطور يمثل نهاية ملف، بل مثالًا مكثفًا على أزمة أوسع.

فالبناية التي كانت تضم عشر شقق أصبحت ركامًا، لكن وراءها بقيت أسر تبحث عن مكان، وملفات هدم أخرى، ومدينة يقول الحموري إن مساحتها الجغرافية وتواصل أحيائها تغيّرا بصورة عميقة، ولهذا لا يفصل مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية بين هدم منزل واحد وبين مستقبل المدينة كلها.

فبالنسبة إليه، معركة القدس ليست فقط على ما يُبنى وما يُهدم، وإنما على من يستطيع أن يبقى، ومن يستطيع أن يسكن، ومن يستطيع أن يربي أبناءه داخل المدينة دون أن يتحول بيته إلى ملف في انتظار الجرافة؛ في الطور، هُدمت خمسة طوابق وسقطت عشرة بيوت في بناية واحدة. لكن ما بقي تحت الركام أكبر من الإسمنت: سؤال القدس نفسها، ومن يملك القدرة على أن يبني فيها، ومن يملك حق أن يبقى.