2026-09-28 15:57
رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4DPal)
قبل 26 عامًا، كان دخول أرييل شارون إلى باحات المسجد الأقصى في 28 أيلول/سبتمبر 2000 حدثًا استثنائيًا فجّر في اليوم التالي مواجهات واسعة في القدس، سرعان ما امتدت إلى مختلف الأراضي الفلسطينية، لتبدأ مرحلة عُرفت لاحقًا باسم «انتفاضة الأقصى».
لكن المشهد في المسجد اليوم لم يعد مطابقًا لما كان عليه في ذلك الوقت؛ فالاقتحامات تكررت، والقيود على الوصول إلى المسجد أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، فيما تصاعد حضور الطقوس اليهودية والمشاركة السياسية الإسرائيلية داخل المكان، بالتوازي مع استمرار الجدل حول طبيعة «الوضع القائم» وإمكانية تغييره.
فإذا كان السؤال قبل 26 عامًا هو: ماذا سيحدث إذا اقتُحم الأقصى؟ فإن سؤال اليوم، وفق قراءة الكاتب والمحلل السياسي والخبير في الشأن المقدسي فخري أبو ذياب، بات يتجه أكثر نحو: من يستطيع الوصول إلى المسجد؟ ومن يستطيع دخوله والصلاة فيه؟
في مقابلة خاصة مع "البعد الرابع"، يستعيد أبو ذياب مسار التحولات التي شهدها المسجد منذ انتفاضة الأقصى، متوقفًا عند اقتحام شارون، وأحداث البوابات الإلكترونية عام 2017، وتصاعد الاقتحامات والطقوس خلال السنوات الأخيرة، وصولًا إلى ما يصفه بانتقال تدريجي من "الاقتحام" إلى "فرض الحضور".
يقول أبو ذياب: " إن المعادلة قبل 26 عامًا كانت مختلفة؛ إذ كانت الحكومة الإسرائيلية، بحسب تقديره، تضع في حساباتها ردود الفعل المتوقعة في القدس والأراضي الفلسطينية، إلى جانب المواقف العربية والإسلامية، قبل اتخاذ خطوات مرتبطة بالمسجد الأقصى".
ويرى أن شارون كان يحمل موقفًا أيديولوجيًا واضحًا تجاه المكان، إلا أن ترجمة هذه الرؤية إلى إجراءات سياسية وميدانية لم تكن قد وصلت إلى المستوى الذي شهدته السنوات اللاحقة، من حيث الحديث عن السيادة أو المشاركة في إدارة المكان أو السماح بممارسات دينية يهودية داخله.
وبحسب أبو ذياب، فإن الفارق بين تلك المرحلة والمرحلة الحالية لا يرتبط فقط بتكرار الاقتحام، وإنما بتغير دلالته؛ فما كان يُنظر إليه كحدث استثنائي بات، مع تكراره، جزءًا من مشهد متواصل.
ويرى أبو ذياب أن أحد أبرز الفوارق بين المرحلتين يتمثل في طبيعة رد الفعل الشعبي والسياسي في القدس، معتبرًا أن الشارع المقدسي كان يمتلك في مراحل سابقة قدرة أكبر على التأثير في حسابات الجانب الإسرائيلي.
ويشير كذلك إلى الدور الذي كانت تؤديه دائرة الأوقاف الإسلامية والوصاية الأردنية في إدارة شؤون المسجد، معتبرًا أن مساحة الحركة المتاحة للأوقاف كانت أوسع مقارنة بما يصفه بالوضع الحالي، ومن وجهة نظره، أسهمت هذه المعادلة في إبقاء الأقصى ضمن مساحة شديدة الحساسية، بحيث كانت أي محاولة لتغيير واقع المسجد تحمل احتمالات أوسع للتصعيد.
ولا يحصر أبو ذياب التحولات في الإجراءات الميدانية، بل يربطها بما يصفه بمرحلة طويلة من العمل على تغيير طريقة النظر إلى الوجود اليهودي داخل المسجد.
ويقول إن ما يسميه "هندسة الوعي" استهدف، وفق قراءته، المقدسيين والفلسطينيين أولًا، قبل أن يمتد إلى المجال العربي والإسلامي، وصولًا إلى محاولة جعل الوجود اليهودي في المسجد، سواء للزيارة أو الصلاة، أكثر قبولًا في الوعي العام.
ويضع أبو ذياب طاتفاقيات أبراهام" والتحولات الإقليمية في هذا السياق، معتبرًا أن بعض الخطابات التي رافقتها قدمت المسجد باعتباره مكانًا يمكن أن يكون مفتوحًا لأتباع الديانات المختلفة.
وهذه قراءة سياسية يطرحها أبو ذياب لتفسير التحولات المحيطة بالمسجد، ولا تعني بالضرورة أن جميع الأطراف أو الجهات المرتبطة بالاتفاقيات تتبنى هذا الطرح.
يشدد أبو ذياب على أن فهم ما يجري داخل الأقصى لا ينفصل، بحسب رؤيته، عن التغيرات التي شهدتها القدس ومحيط المسجد، بما في ذلك المشاريع العمرانية والسياحية والحفريات والأنفاق.
ويرى أن هذه التحولات، إلى جانب زيادة الحضور اليهودي داخل المسجد، تسهم في إعادة تشكيل المشهد المحيط به، معتبرًا أن تراجع مستوى الاهتمام العربي والإسلامي بالقدس مقارنة بمراحل سابقة انعكس، من وجهة نظره، على حجم الضغط السياسي والشعبي المصاحب للتطورات داخل المسجد.
ويشير أبو ذياب إلى صعود الجماعات اليهودية المرتبطة بما يعرف بـ"جبل الهيكل"، معتبرًا أن حضورها لم يعد منفصلًا عن المستوى السياسي الإسرائيلي كما كان في مراحل سابقة.
ويستشهد في ذلك بمشاركة مسؤولين ووزراء إسرائيليين في زيارات واقتحامات للمسجد، وهي ظاهرة وثقتها تقارير حديثة، من بينها زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمجمع في آب/أغسطس 2025، حيث قال إنه صلى في المكان، في خطوة أثارت جدلًا حول الوضع القائم. وفي المقابل، قالت حكومة بنيامين نتنياهو آنذاك إن سياستها تجاه الوضع القائم لم تتغير.
ويرى أبو ذياب أن دخول مسؤول سياسي إلى المسجد يحمل دلالة تتجاوز مجرد الزيارة، لأنه يربط الحضور داخل المكان مباشرة بالمستوى السياسي وبالنقاش الإسرائيلي حول مستقبله.
في قلب قراءته للتحولات، يضع أبو ذياب مفهوم "التكرار"؛ ففي السابق، كما يقول، كان الاقتحام حدثًا محددًا: مجموعة تدخل ثم تغادر، وتبدأ بعد ذلك مواجهة حول ما جرى. أما مع تكرار الدخول والطقوس وازدياد أعداد المشاركين والحضور السياسي، فقد أصبح الفعل المتكرر، بحسب تقديره، أكثر اعتيادًا في المشهد.
ويربط ذلك بتصاعد النقاش حول "التقسيم الزماني والمكاني" للمسجد، بما في ذلك تخصيص أجزاء منه لممارسات دينية يهودية، وهو ملف بقي حاضرًا في الخطاب السياسي والميداني الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
ويستعيد أبو ذياب محطة عام 2017، عندما ركبت السلطات الإسرائيلية بوابات إلكترونية عند مداخل المسجد عقب عملية أسفرت عن مقتل شرطيين إسرائيليين، لتندلع احتجاجات واعتصامات واسعة عند أبواب البلدة القديمة، ولا سيما باب الأسباط، قبل إزالة البوابات لاحقًا.
ويرى أبو ذياب أن تلك الأحداث شكلت نموذجًا على قدرة الاحتجاج الشعبي في القدس على تحويل إجراء أمني إلى قضية سياسية ودينية واسعة، معتبرًا أن السنوات التالية أظهرت تراجعًا نسبيًا في قدرة الشارع على إحداث النتيجة نفسها أمام الإجراءات المتكررة.
ويتوقف أبو ذياب كذلك عند مسألة إغلاق المسجد، معتبرًا أن الإغلاق لم يعد مجرد إجراء لساعات أو أيام، وإنما أصبح، في بعض الحالات، يمتد لفترات أطول.
وتؤكد تقارير أممية حديثة أن المسجد الأقصى أُغلق لمدة 40 يومًا في عام 2026 قبل إعادة فتحه في نيسان/أبريل، في سياق قيود واسعة على الوصول إلى المسجد والمناطق المحيطة به.
ويرى أبو ذياب أن طول فترات الإغلاق يغيّر طبيعة المعركة نفسها؛ فبدل أن يكون السؤال منصبًا فقط على كيفية منع الاقتحام، يصبح الوصول إلى المسجد والصلاة فيه قضية قائمة بذاتها.
ويتوقف أبو ذياب عند الأعياد اليهودية، التي تشهد عادةً زيادة في أعداد الزائرين اليهود والطقوس داخل باحات المسجد، بالتزامن مع إجراءات وقيود على وصول الفلسطينيين.
ويرى أن تكرار هذه المشاهد يجعلها، بمرور الوقت، أكثر حضورًا في الحياة اليومية للمسجد، فيما تتراجع، وفق تقديره، الحاجة إلى اختبار رد فعل الشارع قبل اتخاذ خطوات جديدة.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في الجدل الإسرائيلي حول الصلاة اليهودية داخل المجمع؛ ففي حين تؤكد الحكومة الإسرائيلية رسميًا استمرار الوضع القائم الذي يسمح لليهود بالزيارة دون الصلاة، شهدت السنوات الأخيرة تصريحات وممارسات لمسؤولين إسرائيليين أثارت خلافًا حول مدى الالتزام بهذه القاعدة.
في خلاصة قراءته، يرى أبو ذياب أن الصراع حول الأقصى لم يعد يدور فقط حول السماح بالاقتحام أو منعه، وإنما حول تفاصيل الوصول نفسها: من يدخل، ومن يُمنع، ومن يستطيع الصلاة، ومن يُبعد، ومتى تُفتح أبواب المسجد ومتى تُغلق.
ويعتبر أن تراكم هذه الإجراءات يحولها من قرارات منفصلة إلى واقع متدرج، بحيث يصبح كل إجراء جديد جزءًا من مشهد أكثر اتساعًا.
ويختصر أبو ذياب السنوات الـ26 الماضية بالقول إن الفلسطينيين كانوا يخوضون، في مراحل سابقة، معركة لمنع تغيير الوضع القائم ومنع الاقتحامات، بينما أصبح جزء أساسي من المعركة اليوم مرتبطًا بالوصول إلى المسجد نفسه.
أن يصل المصلّي إلى الأقصى، وأن يدخل إليه، وأن يصلي فيه، وألا يُبعد عنه أو يجد أبوابه مغلقة أمامه.
ويجمل أبو ذياب قراءته لهذه المرحلة بعبارة تختصر التحول الذي يراه في طبيعة الصراع: "في السابق كان الاحتلال يخشى الاقتحام، واليوم نحن نخشى الوصول"
وبعد 26 عامًا على انتفاضة الأقصى، لا يبدو السؤال المتعلق بالمسجد الأقصى محصورًا في عدد الاقتحامات أو طبيعة الطقوس وحدها، بل يمتد إلى مسألة أوسع تتعلق بمن يستطيع الوصول إلى المكان، وكيف تُدار حركة المصلين والزائرين داخله، وما إذا كانت الإجراءات المتراكمة ستبقي الوضع القائم كما هو أم تدفع باتجاه واقع مختلف.
