تقارير

حين يصبح القرار الإداري سؤالًا عن مستقبل الأرض

Case

2026-09-22 11:06

Copy Link

رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)

قد لا يبدأ التحول الكبير في الضفة الغربية بقرار يحمل عنوانًا واضحًا أو إعلانًا سياسيًا مباشرًا، بل قد يتسلل عبر إجراءات تبدو إدارية في ظاهرها: صلاحية تنتقل من جهة إلى أخرى، قرار جديد في التخطيط، تغيير في آليات إدارة الأراضي، أو توسع في اختصاص مؤسسة بعينها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه مع تراكم هذه الإجراءات هو: متى يتجاوز التغيير حدود الإدارة ليبدأ بإنتاج واقع جديد على الأرض؟

هذا السؤال كان محور مقابلة خاصة أجرتها "البعد الرابع" مع الدكتور رائد أبو بدوية، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، لقراءة التحولات المتعلقة بالإدارة المدنية والأراضي والتخطيط في الضفة الغربية من زاوية القانون الدولي، بعيدًا عن الاكتفاء بقراءة كل قرار بمعزل عن السياق الذي جاء فيه.

منذ البداية، يميز أبو بدوية بين ممارسة القوة القائمة بالاحتلال لصلاحياتها في إدارة الإقليم المحتل، وبين بناء منظومة سلطة ذات طابع دائم على الأرض.

ويستند هذا التمييز إلى طبيعة قانون الاحتلال نفسه، الذي يقوم على افتراض مؤقتية الاحتلال وعدم انتقال السيادة إلى القوة القائمة به. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 أن الاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال، وأن ممارسة السيطرة الفعلية على الإقليم لا تمنحها حق اكتساب السيادة عليه.

من يملك القرار.. ومن يملك أثره؟

بالنسبة لأبو بدوية، لا يكفي النظر إلى الجهة التي وقعت القرار لمعرفة دلالته القانونية، فنقل صلاحية إدارية من مؤسسة إلى أخرى، بحد ذاته، لا يعني أن الضم تحقق، ولا يشكل منفردًا دليلًا قاطعًا على وجوده.

لكن الصورة تصبح مختلفة عندما تأتي هذه الخطوات ضمن مسار أوسع يعيد توزيع السلطة على الأرض، ويمنح جهات معينة صلاحيات واسعة في التخطيط وتخصيص الأراضي وإدارة الموارد، بصورة يمكن أن تؤثر في مستقبل الإقليم على المدى الطويل.

وهنا ينتقل السؤال من: "من وقّع القرار؟" إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا أصبح بإمكان هذه الجهة أن تفعل بعد القرار؟ هل ما تزال الصلاحية مرتبطة بإدارة شؤون السكان في إطار الاحتلال؟ أم أنها تمتد إلى إعادة تشكيل الأرض نفسها وتحديد استخداماتها ومستقبلها؟

ويرى أبو بدوية أن هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية كلما اقتربت الصلاحيات من قضايا الأرض والتخطيط والموارد والاستيطان، لأنها تمس جوهر القدرة على التأثير في مستقبل الإقليم.

وقد ربطت محكمة العدل الدولية في رأيها لعام 2024 بين عدد من السياسات والممارسات الإسرائيلية وبين ترسيخ السيطرة على أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة، مشيرة إلى عوامل من بينها توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها، واستغلال الموارد، وتطبيق القانون الإسرائيلي بصورة واسعة في أجزاء من الضفة الغربية.

تغيير الجهة لا يغيّر الوضع القانوني للأرض

من النقاط الأساسية التي يلفت إليها أبو بدوية أن انتقال بعض الصلاحيات من مؤسسات عسكرية إلى جهات مدنية أو حكومية إسرائيلية لا يعني تلقائيًا انتهاء الاحتلال أو انتقال السيادة.

فالوضع القانوني للإقليم، وفق هذا المنظور، لا يتحدد باسم المؤسسة التي تمارس السلطة، وإنما بواقع السيطرة الفعلية وطبيعة هذه الممارسة، وبالتالي، فإن وجود جهة مدنية إسرائيلية في موقع اتخاذ القرار لا يمنحها، بمجرد ذلك، سيادة على الضفة الغربية.

لكن أهمية هذه الخطوة تظهر عندما ننظر إلى نوع الصلاحيات التي انتقلت إليها وطبيعة القرارات التي أصبحت قادرة على اتخاذها؛ فإذا كانت الصلاحيات تتعلق بإدارة احتياجات يومية محددة، فإن تقييمها يختلف عن صلاحيات تمتد إلى التخطيط الإقليمي وتخصيص الأراضي وتحديد استخداماتها أو تنظيم التوسع العمراني والاستيطاني.

وفي رأيها الاستشاري لعام 2024، تناولت محكمة العدل الدولية مسألة ممارسة وظائف حكومية إسرائيلية وتطبيق القانون الإسرائيلي في أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وربطت هذه الممارسات بمسار أوسع يتعلق بترسيخ السيطرة على الأرض.

الأرض تكشف أثر القرار

لهذا السبب، يرى أبو بدوية أن أفضل مكان لقياس أثر التحولات الإدارية ليس نص القرار وحده، وإنما الأرض التي يطبق عليها، فالصلاحية المتعلقة بخدمة يومية ليست كالصلاحية التي تحدد أين يمكن البناء، وما هي الأراضي التي يمكن تخصيصها، وكيف توضع خرائط التخطيط، ومن يملك حق الوصول إلى الموارد، وما الذي يمكن أن يقام على الأرض.

كلما اقترب القرار من هذه المجالات، أصبح من الضروري، وفق أبو بدوية، وضعه ضمن سياقه الأوسع، وهنا تصبح مجموعة الأسئلة أكثر تحديدًا: من يتخذ القرار؟ من يستطيع الاعتراض عليه؟ من يملك القدرة على تنفيذه؟ ومن يملك القدرة على إيقافه أو تعديله؟

وبمعنى آخر، لا يتعلق الأمر فقط بالسلطة القانونية المكتوبة، وإنما بالقدرة الفعلية على ممارسة هذه السلطة.

حين تبقى الصلاحية فلسطينية على الورق

وينتقل هذا النقاش مباشرة إلى المؤسسات الفلسطينية؛ فوجود صلاحية قانونية على الورق لا يعني بالضرورة وجود قدرة فعلية على ممارستها، بحسب أبو بدوية.

وإذا كانت مؤسسة فلسطينية تملك، من الناحية الشكلية، اختصاصًا في التخطيط أو التنظيم أو إدارة الأراضي، لكنها لا تستطيع اتخاذ القرار النهائي أو تنفيذه دون موافقة خارجية، فإن السؤال يصبح متعلقًا بمن يملك السلطة الفعلية.

ويفرق أبو بدوية بين القيود المحددة التي قد تفرضها ترتيبات الاحتلال أو الاتفاقات، وبين مسار أوسع يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على التأثير في القرارات المتعلقة بالأرض والموارد والتجمعات السكانية.

ومن هنا، يرتبط النقاش، في تحليله، بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

 وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن السياسات والممارسات التي بحثتها في رأيها لعام 2024 أثرت في ممارسة الشعب الفلسطيني لهذا الحق، ولا سيما من خلال تجزئة الإقليم وإضعاف سلامته الإقليمية والحد من الوصول إلى الموارد وإعاقة التطور الاقتصادي والاجتماعي.

هل كل تغيير إداري يعني ضمًا؟

هنا يضع أبو بدوية حدًا مهمًا أمام التعميم، فليس كل قرار إداري، ولا كل نقل للصلاحيات، ولا كل تدخل في التخطيط، يعني تلقائيًا أن الضم قد تحقق.

الضم، وفق المعايير التي تناولتها محكمة العدل الدولية، يرتبط بالسعي إلى ممارسة سيطرة دائمة على الإقليم ودمجه، بصورة مباشرة أو تدريجية، ضمن إقليم الدولة القائمة بالاحتلال. وقد أشارت المحكمة إلى أن مظاهر السيطرة الدائمة يمكن أن تظهر بطرق مختلفة، وأن تقييمها يحتاج إلى النظر في مجموعة السياسات والممارسات وآثارها على الأرض.

ولهذا، فإن قراءة أي خطوة إدارية تحتاج إلى ثلاثة مستويات على الأقل: طبيعة الصلاحية، وطريقة ممارستها، وموقعها ضمن المسار العام للسيطرة على الأرض.

فالقرار المنفرد قد يكون محدود الأثر، لكن تكرار القرارات وتراكمها قد ينتج واقعًا مختلفًا.

كيف يقرأ الصحفي قرارًا إداريًا؟

في الجانب الأكثر ارتباطًا بالعمل الصحفي، يقدم أبو بدوية طريقة لقراءة هذه القرارات بعيدًا عن الاكتفاء بعناوينها.

أولًا، يجب معرفة مصدر الصلاحية: هل تستند إلى أمر عسكري أو ترتيبات مؤقتة، أم إلى تشريع أو قرار صادر عن مؤسسات الدولة القائمة بالاحتلال باعتبارها صاحبة اختصاص أصيل؟

ثانيًا، يجب تحديد مضمون الصلاحية: هل تتعلق بإدارة شأن يومي محدود، أم بالأرض والتخطيط والموارد ومستقبل الإقليم؟

ثالثًا، يجب البحث عما تبقى للمؤسسات الفلسطينية من قدرة فعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه.

رابعًا، يجب النظر إلى قابلية الإجراء للتراجع، وما إذا كان ينشئ واقعًا ماديًا أو مؤسسيًا يصعب عكسه.

وأخيرًا، يجب وضع القرار ضمن سلسلة الإجراءات السابقة واللاحقة، لأن دلالته قد لا تظهر من خلال نصه وحده.

وهنا تكمن أهمية العمل الصحفي؛ فالوثيقة لا تُقرأ بمعزل عن الخريطة، والخريطة لا تُقرأ بمعزل عن الواقع الميداني.

القرار.. والخريطة.. وما بينهما

يمكن لقرار إداري واحد أن يبدو تقنيًا، لكن أثره يظهر عندما يتغير شكل الأرض، قد يتعلق الأمر بمساحة مفتوحة، أو مخطط هيكلي، أو طريق، أو تخصيص أرض، أو مشروع استيطاني، أو قرار هدم.

وعندما تتكرر هذه الإجراءات، يصبح من الضروري طرح سؤال آخر: هل تؤدي مجتمعة إلى تغيير طبيعة الإقليم أو تجزئته أو تقليص قدرة سكانه ومؤسساته على تقرير مستقبله؟

محكمة العدل الدولية أشارت في رأيها إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية أدت إلى تغييرات في الطابع المادي والوضع القانوني والتركيب الديموغرافي والسلامة الإقليمية للأرض الفلسطينية المحتلة، واعتبرت أن هذه التغييرات أظهرت اتجاهًا نحو وجود إسرائيلي دائم وغير قابل للعكس.

وهذا لا يعني، في المقابل، أن كل واقعة ميدانية يمكن وصفها منفردة بأنها ضم، وإنما أن تراكم الوقائع هو ما يسمح بقراءة الاتجاه الأوسع.

من يستطيع أن يقول "لا"؟

ربما يلخص هذا السؤال جوهر المقاربة التي يطرحها أبو بدوية، فالسلطة لا تقاس فقط بمن يملك توقيع القرار، وإنما بمن يستطيع تنفيذه، ومن يملك القدرة على تعديله أو إيقافه.

ولهذا، فإن التحقيق الصحفي في أي تغيير يتعلق بالأرض لا ينبغي أن يتوقف عند نص القرار.

بل يجب أن يتتبع الجهة التي أصدرت القرار، والجهة التي تنفذه، والمؤسسات التي تستطيع الاعتراض عليه، والآليات التي يمكن من خلالها مراجعته، ثم يقارن ذلك بما يحدث فعليًا على الأرض.

ومن هنا تصبح الوثائق جزءًا أساسيًا من القصة: الأوامر العسكرية، والقرارات الإدارية، والتشريعات، وخرائط التخطيط، وقرارات المؤسسات الفلسطينية، والوثائق الدولية، إلى جانب التطورات الميدانية.

المساءلة تبدأ من تحديد المسؤولية

ولا يضع أبو بدوية كل أشكال المسؤولية في إطار واحد.

فهناك مسؤولية دولية للدول عن الأفعال المخالفة للقانون الدولي، وهناك التزامات تقع على الدول الأخرى في ما يتعلق بعدم الاعتراف بأوضاع غير مشروعة أو المساهمة في استمرارها، بينما تختلف المسؤولية الجنائية الفردية عن هذه المسارات، لأنها تتعلق بأشخاص محددين وبأفعال محددة تتوافر فيها عناصر جريمة تدخل ضمن الاختصاص الجنائي الدولي.

وبالتالي، فإن تغيير صلاحية إدارية أو بنية مؤسسية لا يشكل بحد ذاته جريمة جنائية؛ المسألة الجنائية تحتاج إلى إثبات مختلف: ما الفعل الذي وقع؟ من اتخذه أو أمر به أو ساهم فيه؟ وما علاقته بعناصر الجريمة؟

وهذا التفريق، بحسب أبو بدوية، ضروري للحفاظ على الدقة القانونية وعدم تحويل كل مخالفة أو إجراء غير مشروع إلى اتهام جنائي.

المشكلة ليست في غياب القواعد

وفي نهاية المقابلة، يعود أبو بدوية إلى سؤال أوسع: إذا كانت قواعد القانون الدولي موجودة، فأين تكمن المشكلة؟

بالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة بالضرورة في غياب القاعدة القانونية المتعلقة بالاحتلال أو الضم أو تقرير المصير، وإنما في مدى تحويل هذه القواعد إلى نتائج عملية وآليات مساءلة.

وقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها لعام 2024 إلى أن استمرار إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك، ضمن أمور أخرى، بالضم وبالسعي إلى ممارسة سيطرة دائمة وبإعاقة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما حددت التزامات تقع على إسرائيل وعلى الدول الأخرى في التعامل مع هذا الوضع.

لكن بين صدور الرأي وبين تغير الوقائع على الأرض، تبقى هناك مسألة التنفيذ والمتابعة والمساءلة؛ ولهذا، تصبح عملية التوثيق مهمة بحد ذاتها، ليس فقط لتسجيل ما حدث، وإنما لفهم كيف انتقل القرار من الورق إلى الأرض، وكيف تراكمت الإجراءات لتنتج واقعًا جديدًا.

من يدير الضفة اليوم.. ومن يرسم مستقبلها؟

في نهاية المطاف، لا تبدأ قصة السيطرة على الأرض بالضرورة من إعلان واضح.

قد تبدأ بتغيير في صلاحية، ثم بقرار تخطيط، ثم بإجراء يتعلق بالأرض، ثم بواقع ميداني يجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة؛ ولهذا، فإن السؤال الصحفي لا ينبغي أن يتوقف عند: «من أصدر القرار؟».

السؤال الأوسع هو: ماذا غيّر القرار؟ ومن أصبح يملك القدرة على اتخاذ القرار بعده؟ وما الذي بقي للمؤسسات الفلسطينية؟ وكيف انعكس ذلك على الأرض؟

فحين تتراكم القرارات، تصبح قراءة كل قرار منفرد غير كافية؛ وهنا، كما يوضح د. رائد أبو بدوية في حديثه لـ«البعد الرابع»، لا يكفي أن نعرف من يدير الضفة الغربية اليوم، بل يجب أن نراقب من يملك، خطوة بعد أخرى، القدرة على رسم مستقبل الأرض.

لأن التحولات الكبرى قد لا تبدأ بإعلان سياسي كبير، أحيانًا تبدأ بقرار إداري صغير، ثم تتراكم القرارات، وعندها فقط، يظهر السؤال الحقيقي: من يملك الأرض، ومن يملك القرار بشأن مستقبلها؟