
2026-09-20 16:17
الأغوار الشمالية - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)
لم يكن إغلاق حاجزي تياسير وعين شبلي في الأغوار الشمالية، صباح الأحد، مجرد عائق أمام حركة المرور، إذ أدى إلى توقف 104 معلمين ومعلمات كانوا في طريقهم إلى مدارسهم، وانعكس ذلك على انتظام الدراسة في ست مدارس حكومية وروضة أطفال تضم نحو 1100 طالب وطالبة.
وبينما بدا الإجراء في ظاهره مرتبطًا بحركة المرور، امتد أثره سريعًا إلى العملية التعليمية، ليطرح سؤالًا يتجاوز الحاجزين: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى المدرسة مرتبطًا بإمكانية عبور حاجز؟ وأين تنتهي القيود على الحركة ويبدأ أثرها المباشر على حق الطلاب في الوصول إلى تعليم منتظم؟
في قراءة مدير عام مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية عمر رحال، يرى أن التعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد قيد على حركة الموظفين لا يعكس آثارها الفعلية.
فحين يؤدي منع المعلمين من الوصول إلى مدارسهم إلى تعطيل الحصص أو إرباك الدوام، ينتقل الأثر مباشرة إلى العملية التعليمية، التي لا يقتصر انتظامها على وجود المدرسة والمنهاج، بل يتطلب أيضًا قدرة المعلمين والطلاب على الوصول إليها بصورة منتظمة.
**ويضع رحال في حديثه لِـ " البعد الرابع" **الواقعة ضمن الإطار القانوني الدولي الذي يحكم حماية التعليم في سياقات الاحتلال؛ إذ تنص المادة 50 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن على القوة القائمة بالاحتلال، بالتعاون مع السلطات الوطنية والمحلية، تسهيل العمل السليم للمؤسسات المخصصة لرعاية الأطفال وتعليمهم.
ومن هذا المنظور، فإن وصف الإجراء بأنه “أمني” لا يحسم وحده مدى مشروعيته القانونية، إذ تبقى طبيعة القيد وضرورته ومدته وآثاره على المدنيين والخدمات الأساسية عناصر رئيسية عند تقييمه.
لا تتوقف المشكلة عند المعلم الذي لم يتمكن من الوصول إلى مكان عمله؛ فتعذر وصول المعلمين يؤدي إلى تعطيل حصص، ويدفع الطلاب إلى الانتظار أو فقدان جزء من يومهم الدراسي، فيما تجد المدارس نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب دوامها وفق ظروف لم تكن جزءًا من خطتها التعليمية.
وهكذا يصبح الطريق المؤدي إلى المدرسة جزءًا من المعادلة التعليمية نفسها؛ فكلما تكررت القيود التي تمنع العاملين في التعليم أو الطلاب من الوصول، اتسع أثرها من حركة الأفراد إلى انتظام الدراسة.
الرقم المباشر في حادثة الأحد هو 104 معلمين ومعلمات لم يتمكنوا من الوصول إلى مدارسهم، لكن حجم التأثير يتجاوز هذا العدد.
فالمدارس الحكومية الست وروضة الأطفال التي تأثر دوامها تضم نحو 1100 طالب وطالبة، ما يجعل الواقعة مرتبطة بانتظام العملية التعليمية لمئات الأطفال، وليس بحركة الموظفين وحدها.
وهنا تتغير صورة الحاجز؛ فلم يعد مجرد نقطة تعيق مرور موظف، بل أصبح عاملًا يمكن أن يحدد ما إذا كان الصف سيبدأ في موعده، وما إذا كان المعلم سيكون حاضرًا، وما إذا كانت المدرسة ستتمكن من تنفيذ يومها الدراسي كما هو مخطط له.
تأتي الواقعة في سياق أوسع من القيود التي تؤثر في الوصول إلى التعليم في الضفة الغربية.
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، وثقت مجموعة التعليم خلال النصف الأول من عام 2026، 224 حادثة مرتبطة بالتعليم أثرت في 152 مدرسة، وطالت بصورة مباشرة 20,450 طالبًا و859 من العاملين في التعليم، وكان 122 من هذه الحوادث مرتبطًا بقيود على الوصول.
كما أفاد "أوتشا" بأن 84 مدرسة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، كانت حتى سبتمبر/أيلول 2026 خاضعة لأوامر هدم أو وقف عمل معلقة، بما يؤثر في 12,855 طالبًا و1076 معلمًا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الوصول إلى المدرسة أصبح في عدد من المناطق جزءًا من التحدي الذي يواجه العملية التعليمية، إلى جانب العمليات العسكرية وأوامر الهدم والقيود المفروضة على الحركة.
إلى جانب أثر الإغلاق على التعليم، تبرز مسألة أخرى تتعلق بالأساس الذي استند إليه منع المعلمين من الوصول إلى مدارسهم.
ويقول المدير التنفيذي لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، عصام العاروري لِـ "البعد الرابع" ، إنه لم يطلع على أمر مكتوب يمنع المعلمين من الوصول إلى مدارسهم، وبالتالي لا يستطيع تأكيد وجود أمر من هذا النوع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في تحديد طبيعة الإجراء؛ فمعرفة الجهة التي أصدرته، وسببه، ومدته، ونطاقه، وما إذا كان يستند إلى أمر مكتوب، كلها عناصر ضرورية لفهم الأساس الذي قام عليه وإمكانية الاعتراض عليه.
وبحسب العاروري، فإن القيود التي تُفرض تحت عنوان “الموانع الأمنية” تحتاج إلى فحص أساسها ومدى ارتباطها بالسبب المعلن، خصوصًا عندما تمتد آثارها إلى خدمات أساسية مثل التعليم.
لا تنفصل المدارس في الأغوار الشمالية عن طبيعة التجمعات التي تخدمها؛ فوجود مدرسة قريبة يعني بالنسبة إلى الأسر تقليل مسافة التنقل وتأمين وصول الأطفال إلى التعليم في مناطق بعيدة عن المراكز السكانية الرئيسية.
وفي هذا السياق، يربط العاروري تعطيل الوصول إلى المدارس بالظروف الأوسع التي تعيشها التجمعات في الأغوار، حيث تتداخل القيود على الحركة مع الوصول إلى الخدمات ومصادر المياه والأراضي والعمل.
ويشير إلى أن المنطقة شهدت، بحسب ما رصده المركز، سلسلة من الإجراءات والقيود شملت قطع خطوط مياه واتصالات، ومداهمات، ومصادرة ممتلكات، والاعتداء على الثروة الحيوانية، إلى جانب إجراءات أخرى يضعها ضمن سياق أوسع من الضغوط على السكان.
ولا يعني ذلك، بحد ذاته، أن كل إجراء يطال الحركة أو الخدمات يثبت وجود هدف واحد وراءه، لكن تراكم القيود يمكن أن يجعل الحفاظ على الحياة اليومية، بما فيها تعليم الأطفال، أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي تعيش في هذه المناطق.
حضور المعلم شرط أساسي لاستمرار العملية التعليمية، ولذلك فإن منعه من الوصول لا ينتهي عند الشخص الذي لم يتمكن من عبور الحاجز، بل ينتقل أثره إلى الصف ثم الطالب والأسرة.
وقد يبدو فقدان حصة واحدة أثرًا محدودًا، لكن تكرار التأخير أو المنع يمكن أن يراكم خسائر تعليمية أكبر، خصوصًا في المدارس التي تعتمد على عدد محدود من المعلمين ولا تملك بدائل كافية لتعويض الغياب.
وهذا ما يجعل مسألة الوصول مختلفة عن مجرد مشكلة مواصلات؛ فحين يصبح الطريق المؤدي إلى المدرسة غير مضمون، يصبح انتظام التعليم نفسه عرضة للتعطيل.
يتجاوز أثر الإغلاق حدود اليوم الدراسي عندما تتكرر القيود في المناطق التي تعتمد الأسر فيها على المدارس المحلية لتوفير التعليم لأطفالها.
ويشير العاروري إلى أن سكان هذه المناطق، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، عملوا على إنشاء مدارس في تجمعات بعيدة لتوفير التعليم للأطفال القاطنين فيها، لكن تعطيل هذه المدارس أو منع العاملين فيها من الوصول إليها يضعف إحدى الخدمات الأساسية التي تساعد الأسر على الاستمرار في مناطقها.
ويستعيد في هذا السياق حالات اضطرت فيها بعض الأسر إلى توزيع أفرادها بين مناطق قريبة من المدارس وأخرى قريبة من الأراضي الزراعية، خصوصًا خلال المواسم الزراعية، للحفاظ في الوقت نفسه على تعليم الأطفال والعمل في الأرض.
لكن تضييق إمكانية الوصول إلى المدرسة يضيف عبئًا جديدًا إلى هذه المعادلة، خصوصًا عندما تتراكم القيود على الحركة والخدمات الأساسية.
يرى المدير التنفيذي لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان أن أي تحرك قانوني جدي يبدأ من توثيق الواقعة بصورة دقيقة، بما يشمل أسماء المعلمين الذين مُنعوا من الوصول، والمدارس المتضررة، وعدد الطلاب، والحصص أو الأيام الدراسية التي تعطلت، إلى جانب أي أوامر مكتوبة أو صور أو تسجيلات توضح طبيعة القيود.
وبحسب العاروري، فإن مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان مستعد، وفق ما أفاد به، لتبني الملف ومحاولة متابعته قانونيًا، خصوصًا مع بداية العام الدراسي.
أما مدير عام مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية عمر رحال، فيضع إلى جانب المسار القانوني أهمية تحويل الواقعة إلى ملف مؤسسي يوثق أثر القيود على الحق في التعليم، ورفعها إلى الجهات الدولية والآليات ذات الصلة بحقوق الطفل والتعليم، إلى جانب الجهات الإنسانية والقانونية المختصة.
بدأت الحادثة صباح الأحد عند حاجزي تياسير وعين شبلي، لكنها لم تتوقف عندهما، فقد تعذر على 104 معلمين ومعلمات الوصول إلى مدارسهم، وتأثر انتظام الدراسة في ست مدارس حكومية وروضة أطفال تضم نحو 1100 طالب وطالبة.
المعطى المباشر واضح، لكن أثره يمتد إلى سؤال أوسع: كم حصة تضيع عندما يتعذر وصول المعلم؟ وكم يتسع الأثر عندما تتكرر هذه القيود؟ ومتى يتحول العائق أمام وصول المعلم إلى عائق أمام حق الطالب نفسه في التعليم؟
في الأغوار، حيث ترتبط المسافات والخدمات والطرق بتفاصيل الحياة اليومية، لا ينتهي أثر الحاجز عند نقطة التفتيش، فحين يُمنع المعلم من الوصول، قد تتوقف خلفه حصة، ويتعطل دوام مدرسة، ويجد الطالب نفسه خارج صفه.
وهنا تصبح القضية أكبر من طريق أُغلق صباحًا؛ إنها تتعلق بقدرة المدرسة على الاستمرار، وبحق الطالب في الوصول إلى مقعده الدراسي دون أن يتحول الطريق إليه إلى حاجز آخر.
