أخبار

شتاء غزة.. خطر يهدد مئات الآلاف

Case

2026-11-05 08:22

Copy Link

خانيونس – قطاع غزة _ البعد الرابع (4dPAL)

مع اقتراب موسم الأمطار، لا تبدو المخاوف في قطاع غزة مرتبطة بانخفاض درجات الحرارة أو قسوة الطقس فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تهديد مباشر لحياة مئات الآلاف من النازحين، الذين يواجهون شتاءً جديدًا وسط خيام مهترئة ومبانٍ متصدعة وبنية تحتية مدمرة، في وقت تتراجع فيه قدرة الجهات المختصة على التعامل مع تداعيات المنخفضات الجوية بسبب النقص الحاد في المعدات والآليات.

وفي هذا السياق، حذّر رئيس بلدية خانيونس من أن حلول فصل الشتاء تنذر بكارثة إنسانية واسعة في القطاع، مطالبًا بإدخال الآليات الثقيلة ومعدات الطوارئ بصورة عاجلة، لتمكين الطواقم البلدية من التعامل مع تجمعات مياه الأمطار وفتح الطرق وإزالة الركام وتنفيذ التدخلات الضرورية لحماية السكان والنازحين.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل واقع ميداني بالغ التعقيد، إذ لم تعد الخيام التي تؤوي العائلات النازحة قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية أمام الأمطار والرياح، خصوصًا تلك المقامة في المناطق المنخفضة ومجاري السيول وعلى امتداد الشاطئ، حيث ترتفع احتمالات غمرها بالمياه أو تعرضها للتلف مع اشتداد المنخفضات الجوية.

وتتضاعف المخاطر مع اضطرار عائلات إلى الإقامة داخل مبانٍ متضررة ومتصدعة، في ظل غياب البدائل السكنية الآمنة، الأمر الذي يجعل الأمطار تهديدًا إضافيًا لحياة السكان، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يواجهون ظروفًا معيشية وصحية صعبة أصلًا.

أرقام تكشف حجم الخطر

وتعكس المؤشرات التي أعلنتها لجنة طوارئ الشتاء في قطاع غزة حجم الاستعدادات المطلوبة لمواجهة الموسم الحالي؛ إذ حذرت اللجنة، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، من وجود نحو 7800 خيمة في مواقع شديدة الخطورة تستدعي نقلها إلى أماكن أكثر أمانًا، إلى جانب نحو 200 ألف خيمة مهترئة تؤوي مئات الآلاف من النازحين، ونحو 2000 مبنى متصدع مهدد بالانهيار.

أما على مستوى الاستجابة الميدانية، فقد أشارت اللجنة إلى تدمير نحو 70% من المعدات التشغيلية الأساسية للبلديات، وقرابة 90% من معدات الدفاع المدني المخصصة لعمليات الإنقاذ، فيما لا يتوفر في القطاع سوى خمسة صهاريج لشفط المياه بحالة متهالكة، و24 مضخة متنقلة صغيرة، وهي إمكانات محدودة أمام حجم الاحتياجات المتوقعة.

ويعني هذا النقص أن التعامل مع أي منخفض جوي واسع قد يصبح أكثر صعوبة، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى شبكات تصريف فاعلة، أو التي تضررت طرقها وشوارعها بفعل الدمار، ما يهدد بتحول تجمعات مياه الأمطار إلى بؤر خطر تحاصر خيام النازحين وتعيق وصول فرق الإنقاذ والإغاثة.

الآليات الثقيلة.. احتياج يتجاوز إزالة الركام

ولا تقتصر أهمية إدخال المعدات الثقيلة على أعمال إزالة الأنقاض، بل تمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة الحد الأدنى من القدرة على إدارة الأزمات خلال فصل الشتاء؛ فالجرافات والشاحنات ومركبات شفط المياه والمضخات ضرورية لفتح مجاري تصريف الأمطار، وإزالة السواتر الترابية والركام من الطرق، وإنشاء حواجز تحمي أماكن النزوح من تدفق المياه.

كما تحتاج الطواقم إلى الوقود وقطع الغيار والزيوت ومستلزمات السلامة، حتى تتمكن من تشغيل المعدات المتاحة والاستجابة للبلاغات الميدانية، في وقت تتحدث فيه الجهات المختصة عن قيود تعرقل إدخال هذه الاحتياجات، وتحد من قدرتها على تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل والاستعداد المبكر.

وفي هذا الإطار، طالبت لجنة طوارئ الشتاء بتوفير نحو ثلاثة ملايين لتر من السولار شهريًا لتشغيل المضخات والآليات والمولدات، إلى جانب إدخال الخيام المقاومة للمياه والعوازل ومستلزمات الإيواء الطارئ، وتأمين موازنة تشغيلية طارئة بقيمة 37 مليون دولار لصيانة الشبكات وتغطية احتياجات طواقم الطوارئ.

شتاء فوق أنقاض البنية التحتية

وتكمن خطورة الموسم الحالي في أن قطاع غزة يستقبل الشتاء دون استعادة مقومات الحياة الأساسية؛ فشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار تعرضت لأضرار واسعة، والطرق والمرافق العامة لم تُؤهل بما يسمح باستيعاب كميات الأمطار، بينما لا تزال أعداد كبيرة من العائلات تعيش في أماكن تفتقر إلى الحماية من الظروف الجوية.

وبذلك، تتداخل مخاطر الأمطار مع أزمات النزوح والسكن والصحة، إذ يمكن أن يؤدي تسرب المياه إلى الخيام وتجمعها حول أماكن الإقامة إلى تفاقم الأوضاع الصحية، فضلًا عن صعوبة الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، في وقت تحتاج فيه العائلات إلى تدخلات إغاثية عاجلة بدلًا من مواجهة فصل جديد من المعاناة بإمكانات محدودة.

ومع استمرار هذه الظروف، تتجه المطالب نحو تحرك دولي يضمن إدخال الآليات الثقيلة ومعدات الطوارئ والوقود ومواد الإيواء دون تأخير، إلى جانب توفير أماكن سكن مؤقتة آمنة وتسريع إصلاح البنية التحتية المتضررة.

فالمشكلة في غزة لا تتعلق بقدوم الشتاء وحده، بل بقدومه على واقع لم يتعافَ من آثار الدمار والنزوح، وبقدرات ميدانية لا تتناسب مع حجم المخاطر. وبين خيام مهددة بالغرق ومبانٍ معرضة للانهيار ومعدات إنقاذ محدودة، تبدو الاستجابة العاجلة ضرورة لحماية الأرواح، قبل أن تتحول الأمطار إلى أزمة إنسانية جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها القطاع.