أخبار

أريحا.. مستوطنون يدخلون 8 منازل ضمن مخطط لتوسيع الوجود الاستيطاني

Case

2026-11-05 07:32

Copy Link

أريحا - البعد الرابع (4dPAL)

في خطوة تحمل أبعاداً استيطانية وسياسية تتجاوز مسألة الاستيلاء على عقارات، دخلت عائلات مستوطنين، مساء الأربعاء، إلى ثمانية منازل في منطقة عين الديوك التحتا، شمال غربي مدينة أريحا، بعد عملية أُبقيت سرية خلال مراحل الإعداد لها، وقادتها حركة "نحالا" الاستيطانية بدعم من مجلس بنيامين الإقليمي؛ وتثير الخطوة مخاوف فلسطينية من ترسيخ وجود استيطاني داخل النسيج الجغرافي المحيط بالمدينة، وفرض واقع جديد في منطقة قريبة من التجمعات السكنية الفلسطينية.

قتحم المستوطنون المنازل الثمانية برفقة عائلاتهم، وحطموا أبوابها قبل الدخول إليها والاستقرار داخلها، في حين لم يكن أصحاب المنازل موجودين وقت الاقتحام؛ وأكدت المصادر الأمنية الفلسطينية أن المستوطنين ظلوا داخل العقارات بعد دخولهم، بالتزامن مع انتشار قوات الاحتلال والآليات العسكرية في مدينة أريحا ومخيماتها.

ولم تكن العملية، وفق ما تكشفه التقارير الإسرائيلية، تحركًا عفويًا أو دخولًا مفاجئًا من دون ترتيبات مسبقة، بل سبقتها تحضيرات سرية قادتها جهات استيطانية، شملت تجهيز المواقع وترتيب دخول العائلات وتوفير الترتيبات الأمنية واللوجستية اللازمة لإقامتها في المنازل.

عملية سرية قادتها "نحالا" بدعم من مجلس بنيامين

وتكشف تفاصيل العملية أن حركة "نحالا" الاستيطانية تولت قيادة التحرك، بالتعاون مع مجلس بنيامين الإقليمي، الذي يشكل إحدى الهيئات الاستيطانية الناشطة في الضفة الغربية؛ وأعلنت الجهتان أن ثماني عائلات يهودية دخلت المنازل التي قالتا إنها اشترتها مسبقاً من خلال صفقات أُنجزت بسرية، وإنها باتت مستعدة للإقامة فيها بصورة دائمة.

ووفقًا لما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، جرى التحضير للعملية بعيدًا عن الأنظار، حتى لا تنكشف تفاصيلها قبل اكتمال دخول العائلات؛ كما كشفت تقارير عبرية أن رئيس مجلس بنيامين، يسرائيل غانتس، أجرى زيارة استطلاعية للمنطقة قبل أيام، مستخدماً دراجة نارية لتجنب لفت الانتباه إلى التحضيرات الجارية.

وادعت الجهات المنظمة أن عمليات الشراء تمت مقابل دفع كامل الثمن، وأنها تمتلك وثائق تثبت ملكية العقارات؛ غير أن هذه الادعاءات لا تعني أن صحة المعاملات وسلامة إجراءات نقل الملكية قد ثبتت بصورة مستقلة؛ إذ لم تُنشر في التقارير المتاحة تفاصيل كافية عن هوية البائعين، أو قيمة الصفقات، أو الوثائق التي استندت إليها الجهات الاستيطانية.

وفي المقابل، عن مصادر أمنية أن المنازل كانت خالية من أصحابها عندما دخلها المستوطنون، وأن أبوابها تعرضت للتحطيم خلال الاقتحام، وهي رواية تختلف في توصيفها عن رواية الجهات الاستيطانية التي تصف ما جرى بأنه دخول إلى عقارات جرى شراؤها.

أين تقع المنازل؟ ولماذا تكتسب المنطقة أهمية؟

تقع المنازل الثمانية في منطقة عين الديوك التحتا، ضمن نطاق قرية الديوك التحتا غرب مدينة أريحا، وهي منطقة ذات أهمية جغرافية بسبب قربها من التجمعات السكنية الفلسطينية ومن الأطراف العمرانية للمدينة.

وتكمن أهمية الموقع في أن المباني تقع ضمن المنطقة المصنفة "ج" وفق تقسيمات اتفاق أوسلو، وهي المنطقة التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية، لكنها تقع بمحاذاة مناطق "أ" التي تخضع إداريًا وأمنيًا للسلطة الفلسطينية وفق الاتفاقات.

وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فإن الموقع يقع على مسافة قريبة جدًا من أجزاء خاضعة للسيطرة الفلسطينية، الأمر الذي يمنح إقامة تجمع استيطاني فيه أهمية تتجاوز مساحة العقارات نفسها، نظرًا لما قد يترتب على ذلك من احتكاك مباشر مع السكان الفلسطينيين المحيطين.

كما أشار الإعلام الإسرائيلي إلى أن بعض المنازل تقع بالقرب من الموقع الأثري المعروف باسم "قصور الحشمونيين"، وهو ما يضيف بعدًا جغرافيًا ورمزيًا إلى التحرك الاستيطاني في المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن وجود المنازل في المنطقة "ج" لا يجعلها خارج النطاق الجغرافي والاجتماعي لأريحا؛ فالمنطقة جزء من محيط المدينة، وسكانها مرتبطون بها من حيث السكن والخدمات والأراضي الزراعية.

خلاف حول دور الجيش الإسرائيلي في تأمين العملية

ومن أبرز التفاصيل التي ظهرت بعد دخول المستوطنين، التباين في الروايات بشأن دور الجيش الإسرائيلي في العملية.

ففي حين أعلن مجلس بنيامين أن القوات الإسرائيلية رافقت العائلات ووفرت الحماية لدخولها إلى المنازل، نقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن الجيش الإسرائيلي قوله إن دخول عشرات المستوطنين إلى العقارات بهدف إقامة بؤرة استيطانية لم يجر بالتنسيق المسبق معه، ولم يحصل على إذن عسكري.

وأضاف الجيش، وفق التقرير، أن الجهات المختصة تفحص عملية الاستحواذ على العقارات والتبعات الأمنية الناجمة عنها.

ويكشف هذا التباين عن وجود خلاف معلن بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية التي رافقت العملية، لكنه لا يلغي أن المستوطنين تمكنوا من دخول المنازل والبقاء فيها، في وقت شهدت فيه المنطقة انتشاراً للقوات الإسرائيلية.

اعتداءات وإصابات خلال دخول المستوطنين

ولم تقتصر تداعيات العملية على دخول العائلات إلى المنازل، إذ تحدثت تقارير فلسطينية وإسرائيلية عن اعتداءات وقعت في محيط المنطقة بالتزامن مع التحرك الاستيطاني.

مستوطنين اعتدوا بالضرب على ناشطين، وأشارت إلى نقل الهلال الأحمر الفلسطيني مصابًا فلسطينيًا ومتضامن أجنبي إلى المستشفى عقب تعرضهما للاعتداء في الديوك.

كما نقلت تقارير عن منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية أن نحو ثلاثين مستوطنًا وصلوا إلى المنطقة، وكان بعضهم مسلحاً، وأن اعتداءات طالت ناشطين إسرائيليين، فيما تحدثت المنظمة عن إطلاق النار على فلسطيني وإصابته في ساقه.

وتشير هذه المعطيات إلى أن دخول العائلات لم يكن مجرد انتقال سكني هادئ، بل رافقته أجواء من التوتر والاعتداءات، وسط مخاوف من تحول المنطقة إلى بؤرة احتكاك متكررة بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين.

"نفكك اتفاقيات أوسلو".. تصريحات تكشف البعد السياسي

أما الجانب الأكثر دلالة في العملية، فيظهر في تصريحات قادة الجهات الاستيطانية التي أشرفت عليها، والتي ربطت دخول العائلات إلى المنازل بمساعٍ لتغيير الواقع السياسي والجغرافي الذي نشأ عقب اتفاقيات أوسلو.

فقد أعلن رئيس مجلس بنيامين الإقليمي، يسرائيل غانتس، أن الخطوة تمثل بداية تغيير للواقع الذي أفرزته الاتفاقيات، مستخدمًا عبارة "نفكك اتفاقيات أوسلو بالأفعال، بيتًا بعد بيت، وعائلة بعد عائلة".

وهذه التصريحات تمنح العملية بعدًا سياسيًا واضحًا؛ إذ لا يقدم القائمون عليها دخول العائلات باعتباره مجرد استثمار عقاري أو انتقالًا إلى منازل جديدة، بل يربطونه صراحة بإعادة بناء الوجود الاستيطاني في محيط أريحا، وتغيير ترتيبات السيطرة التي أُقرت خلال تسعينيات القرن الماضي.

كما تحدثت رئيسة حركة "نحالا"، دانييلا فايس، عن أهمية الخطوة ضمن مشروع الحركة الرامي إلى تجديد الوجود الاستيطاني داخل المدن الفلسطينية الكبرى، معتبرة دخول العائلات إلى المنازل فصلاً جديداً في مساعي الحركة.

وتكشف هذه التصريحات أن أريحا ليست مجرد موقع جغرافي اختير لإقامة مجموعة من العائلات، بل تمثل بالنسبة إلى قادة المشروع الاستيطاني رمزًا سياسيًأ مرتبطًا باتفاقيات أوسلو وبالتحولات التي شهدتها المدينة منذ عام 1994.

أريحا واتفاقيات أوسلو.. لماذا تحمل الخطوة هذه الرمزية؟

تحتل أريحا مكانة خاصة في تاريخ اتفاقيات أوسلو، باعتبارها إحدى أولى المناطق التي انتقلت إلى الإدارة الفلسطينية في إطار الترتيبات التي أعقبت الاتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

ومن هنا، فإن إعادة إدخال عائلات استيطانية إلى محيط المدينة تحمل دلالات سياسية تتجاوز عدد المنازل أو طبيعة الصفقات العقارية المعلنة.

فالمشروع الاستيطاني، وفق تصريحات القائمين عليه، يستهدف إعادة تثبيت الوجود اليهودي في مناطق يرون أنها خرجت من نطاق السيطرة الإسرائيلية المباشرة بموجب الاتفاقيات، وهو ما يجعل الخطوة جزءًا من توجه معلن لتغيير الواقع القائم.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في عين الديوك التحتا عن التحركات الاستيطانية الأخرى التي تستهدف الوجود الفلسطيني في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، سواء عبر إقامة البؤر الاستيطانية، أو السيطرة على الأراضي، أو التضييق على السكان، أو فرض قيود على وصولهم إلى ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

مخاوف من تكرار نموذج الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية

وأثارت الخطوة مخاوف لدى جهات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية من أن يؤدي تثبيت وجود استيطاني داخل محيط أريحا إلى نشوء واقع مشابه لما تشهده بعض أحياء مدينة الخليل، حيث يؤدي وجود المستوطنين داخل التجمعات الفلسطينية إلى زيادة الاحتكاك، وفرض إجراءات عسكرية وقيود على حركة السكان، بذريعة حماية التجمعات الاستيطانية.

وحذرت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية من تداعيات إقامة بؤرة استيطانية داخل مدينة أريحا أو في محيطها العمراني، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى خلق بؤرة توتر جديدة، ويفرض أعباء أمنية إضافية، ويزيد من القيود المفروضة على الفلسطينيين.

وتنبع هذه المخاوف من طبيعة الموقع؛ فكلما اقترب الوجود الاستيطاني من المنازل الفلسطينية والطرق والأراضي الزراعية، ازدادت احتمالات الاحتكاك اليومي، وارتفعت الحاجة إلى إجراءات عسكرية لتأمين المستوطنين، وهو ما قد ينعكس مباشرة على حياة السكان الفلسطينيين.

الديوك التحتا.. اعتداءات سابقة وسكان أمام تحديات متزايدة

ولا تأتي هذه التطورات في منطقة لم تشهد توترات من قبل، إذ تحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن تعرض الديوك التحتا خلال الأشهر الماضية لاعتداءات متكررة من المستوطنين، شملت اقتحام المنازل، والتعدي على الممتلكات، ومحاولات السيطرة على الأراضي.

كما أشارت منظمة "السلام الآن" إلى اعتداءات سابقة شهدتها المنطقة، بينها عمليات هدم لمنازل ومبانٍ فلسطينية، وتقييد الوصول إلى بعض الطرق والممتلكات.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة عند قراءة ما حدث في المنازل الثمانية؛ إذ إن دخول العائلات الاستيطانية إلى عقارات تقع في منطقة تشهد أصلاً نزاعات على البناء والأراضي يثير تساؤلات بشأن مستقبل السكان الفلسطينيين، وإمكانية الحفاظ على وصولهم إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية من دون قيود إضافية.

ما الذي تعنيه الخطوة لمستقبل أريحا؟

إن دخول المستوطنين إلى المنازل الثمانية في عين الديوك التحتا يفتح ملفاً يتجاوز الواقعة المباشرة، ويتصل بمستقبل التوسع الاستيطاني في محيط أريحا، وطبيعة العلاقة بين التجمعات الاستيطانية الجديدة والقرى والأحياء الفلسطينية المجاورة.

فإذا استقر المستوطنون في هذه المنازل، فإن المنطقة قد تشهد تحولًا في طبيعة الوجود السكاني والأمني، خصوصاً إذا رافق ذلك إنشاء بنية تحتية أو إجراءات حماية عسكرية أو قيود على حركة الفلسطينيين.

كما أن تصريحات قادة "نحالا" ومجلس بنيامين بشأن تفكيك اتفاقيات أوسلو تكشف أن الخطوة تُطرح ضمن رؤية سياسية أوسع، تهدف إلى تغيير الوقائع التي نشأت بعد الاتفاقيات، وليس فقط إلى امتلاك عقارات في موقع محدد.

وفي المقابل، يبقى الحسم في الوضع القانوني للعقارات والصفقات المعلنة مرتبطاً بالوثائق وإجراءات نقل الملكية والتحقق من صحتها، وهي تفاصيل لم تتضح بصورة مستقلة في التقارير المتاحة حتى الآن.

وبين ادعاءات الشراء التي تطرحها الجهات الاستيطانية، ورواية المصادر الفلسطينية عن اقتحام المنازل وتحطيم أبوابها، تبرز حقيقة ميدانية أساسية تتمثل في دخول عائلات مستوطنين إلى ثمانية منازل في عين الديوك التحتا، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود العقارات نفسها. فأريحا التي ارتبط اسمها ببدايات تطبيق اتفاقيات أوسلو تجد نفسها أمام تحرك استيطاني جديد، يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل محيطها العمراني، وحقوق سكانها في منازلهم وأراضيهم، وحدود التوسع الاستيطاني في المنطقة.