
2026-05-30 10:51
-انتخابات حماس الحالية ليست مجرد تغيير قيادات، بل اختبار لقدرة الحركة على البقاء وإعادة بناء نفسها بعد خسائر السابع من أكتوبر.
-التنافس داخل الحركة يتمحور بين نهجين: نهج المقاومة والتحالف مع إيران والجناح العسكري. ونهج براغماتي يدعو للانفتاح العربي والدبلوماسي وتقليل الارتهان لمحور إقليمي واحد.
-الأزمة الأساسية داخل حماس تتعلق بالعلاقة بين السياسي والعسكري، وبالسؤال حول من يملك القرار الاستراتيجي الحقيقي داخل الحركة.
-السابع من أكتوبر كشف خللا عميقا في آليات صنع القرار، وأعاد الجدل حول كلفة العمل العسكري وحدود تأثيره على مستقبل الحركة.
-تجربة حكم غزة خلقت تناقضا بين هوية حماس كحركة مقاومة ومتطلبات الحكم والإدارة، ما أدى إلى أزمة بنيوية في تعريف دور الحركة.
-الانقسامات الداخلية تعمقت بفعل تعدد التحالفات الإقليمية بين محور إيران ومحور الانفتاح العربي، إضافة إلى التباين بين قيادة الداخل والخارج.
-مستقبل حماس أصبح مرتبطا بقدرتها على إعادة تعريف هويتها ودورها، وتحقيق توازن بين المقاومة والعمل السياسي دون الوقوع في التفكك أو فقدان الشرعية.
تتجه الأنظار إلى تسمية حماس رئيس مكتبها السياسي باعتبارها محطة مهمة لفهم ملامح توجهاتها المستقبلية ورصد خطواتها المحتملة. ولا تنحصر أهمية هذه الانتخابات في كونها استحقاقا دوريا لإعادة تشكيل النخبة القيادية للحركة، بعد أن اغتالت إسرائيل أبرز قياداتها التقليدي (العسكرية والسياسية) منذ السابع من أكتوبر، بل تغدو اختبارا حقيقيا لقدرة الحركة على تجاوز التهديدات البنيوية والوجودية التي تواجهها، فضلا عن الحفاظ على تماسكها الداخلي وترميم هيكلها القيادي وضبط آليات صنع القرار فيها.
تعكس هذه الانتخابات إشكالية أعمق، لا تقف عند إنتاج نخب قيادية جديدة، بقدر ما تمسّ قدرة الحركة على الاستمرار كفاعل سياسي في ظل تنامي الجدل حول تحديد وظيفتها وأهدافها ومصادر شرعيتها من جهة، وقدرتها على ضبط ديناميكيات صنع القرار داخل الحركة -خصوصا بين جناحيها السياسي والعسكري- من جهة أخرى. وبهذا المعنى، لا يمكن اختزال الانتخابات في التنافس على المواقع القيادية، بل تمثل مؤشرا على أزمة مركّبة تتعلق بقدرة الحركة على التوفيق بين تياراتها وطابعها السياسي والعسكري، في سياق إقليمي ومحلي ضاغط، وما يستلزمه ذلك من إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية وإعادة تعريف أدوارها.
رافق هذه الانتخابات نقاشات معمّقة، امتدت عبر المنصات الإعلامية التقليدية والفضاءات الرقمية، كما حضرت بقوة داخل أوساط النخب القيادية في الحركة، حول طبيعة القيادة الأنسب للمرحلة المقبلة. يُجسّد هذا النقاش، في جوهره، حالة الاصطفاف والتوتر الكامن بين أجنحة الحركة، بما يتجاوز حدود الخلافات الشخصية أو التنافسات النخبوية، ليعبّر عن تباين في المرجعيات الفكرية والأدوات العملية وأنماط التحالفات الإقليمية.
لا يخفى أن التنافس على رئاسة الحركة اختزل في شخصيتين مركزيتين: خليل الحيّة المقرب من إيران، ويحتفظ بعلاقات مع الجناح العسكري والقيادة الميدانية، وله امتداداته ونفوذه في القطاع، ويشغل رئاسة الحركة في قطاع غزة منذ 2024. وخالد مشعل، الذي ينظر إليه بالأكثر براغماتية بين رجالات حماس، والأكثر انفتاحا على العمق العربي، وينحاز إلى توسيع هامش الحركة في الدبلوماسية الإقليمية وإعادة تقديم حماس كفاعل سياسي قابل للتواصل مع العواصم العربية والدولية دون التخلي العلني عن خيار المقاومة، وقاد في عام 2017 عملية تهذيب منطلقات حماس السياسية قبل مغادرته المنصب الذي شغله منذ عام 1996.
يجسد هذا التنافس طبيعة التجاذب بين مقاربتين استراتيجيتين ومتمايزتين داخل الحركة. تنطلق الأولى من مركزية خيار المقاومة بوصفه ركيزة لا تقبل المساومة في صون عناصر القوة ومواجهة الاحتلال. يرى أصحابها أن أي تراجع جوهري عنها أو إعادة تموضع حادة في منظومة التحالفات من شأنه أن يُضعف الحركة ويُجرّدها من مبررات وجودها ومصادر شرعيتها. في المقابل، تتبنى المقاربة الثانية منطقا “براغماتيا”، يرى أصحابها أن حماس بعد السابع من أكتوبر تواجه تهديدا وجوديا بات من الضروري التكيّف مع الظروف الجديدة للحفاظ على وجود الحركة واستمراريتها. يراهن أصحاب هذه المقاربة على توسيع شبكة العلاقات العربية والدولية وتخفيف الارتهان لمحور إقليمي بعينه، بما يُتيح إعادة إدماج الحركة في البيئة السياسية الإقليمية.
غير أن كلتا المقاربتين تتحركان ضمن أفق ضيق تحكمه ضغوط إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والإداري والأمني في القطاع وإنهاء نفوذ حماس العسكري فيه، الأمر الذي يجعل قدرة أي قيادة جديدة على إحداث اختراق في فرص الحركة محدودة للغاية.
في هذا السياق، تجد الحركة نفسها أمام لحظة انكشاف لأزمة أعمق تتصل بمستقبلها وهويتها ووظيفتها السياسية ومصير جناحها العسكري؛ وهي قضايا تستدعي مراجعة جذرية وقرارات ذات أثر استراتيجي يتجاوز مجرد تبديل الوجوه القيادية. إذ تصطدم المقاربة البراغماتية بمخاوف تتعلق بفقدان الحركة لهويتها، بينما يواجه خيار التشبث بالعمل العسكري تحديات متزايدة في ظل تعقيدات الواقع المحلي والإقليمي والدولي. ما يعزز السجال بين ضرورات الحفاظ على عناصر القوة ومتطلبات التكيّف السياسي، دون أن يملك أي من الخيارين هامشا واسعا للمناورة وإعادة صياغة المشهد.
الخلاف بين المقاربتين لا يقتصر على الأدوات، بقدر ما يعبر عن تباين أعمق في تصورات النخبة القيادية في حماس لهوية الحركة ووظيفتها المستقبلية؛ بين من يتمسك بأولوية الحفاظ على هويتها، معتبرا أي انزياح عن ذلك تآكلا للهوية وإخلالا بالثقة الشعبية، وبين من يدفع نحو إعادة صياغة تموضعها السياسي، وإعادة تفسير بعض ثوابتها انسجاما مع متطلبات المرحلة، بما يمنحها هامشا أوسع من المرونة التكتيكية في التعامل مع التوازنات الإقليمية والدولية المتغيرة.
تعيد حماس إنتاج الجدل ذاته حول الرؤى والاستراتيجيات القادرة على إنقاذ الحركة. فمعضلة حماس لا تدور حول التخلي عن السلاح أو الاحتفاظ به، بقدر ما تتمحور حول إدارة العلاقة بين السياسي والعسكري داخل الحركة، وبالتالي الكيفية التي يدار بها خيار المقاومة، وحدود الارتباط بالتحالفات الإقليمية، وآليات التوفيق بين مقتضيات العمل العسكري ومتطلبات الانفتاح السياسي والدبلوماسي. ومن ثم، فإن جوهر المقاربتين يُترجم التباين بين النخب القيادية حول تعريف الأولويات، والتصورات لمستقبل الحركة ودورها. وبين هذين الاتجاهين تتشكل معادلة دقيقة: فالإفراط في البراغماتية قد يُفهم كتخل عن مشروع الحركة التحرري، بينما التشدد الأيديولوجي قد يفاقم العزلة ويضاعف الكلفة الاستراتيجية.
ليس بالضرورة أن تفضي الانتخابات إلى سيادة أي من النهجين على الآخر، والأرجح أن يبقى لكليهما نفوذا ضاغطا أو معطِّلا يعيق أي منهما امتلاك القرار النهائي، ما يجعل القرار الجماعي عرضة للتأجيل أو التردد. إلا أن مجريات الانتخابات تكشف، وفقا لتقرير صحيفة الشرق الأوسط صدر في 21 مايو 2026، عن بروز تيار ناشئ لا يجد في أيّ من النهجين ما يعبّر عن رؤيته. ويستدل على ذلك من خلال تعذر الحركة حسم انتخاب رئيس المكتب السياسي في الجولة الأولى، واضطرارها إلى إرجاء الحسم إلى جولة ثانية نظرا لارتفاع نسبة الأوراق البيضاء، وهو حدث لم يُسجَّل مثيل له في دورات سابقة في تاريخ انتخابات الحركة. وينطوي ذلك على دلالات تؤشر إلى حالة من عدم الرضا تجاه كلا المرشحَين، ويرقى إلى مستوى الاحتجاج الصامت على التوجهات العامة للحركة في ملفات بعينها، فضلا عمّا قد تحمله من رغبة في فتح المجال أمام قيادات شابة تُجدّد في الخطاب والممارسة.
أزمة العلاقة بين السياسي والعسكري
أعادت أحداث السابع من أكتوبر طرح أسئلة جوهرية تتعلق بحدود التكامل بين الجناحين السياسي والعسكري، وبالمرجعية التي تحكم القرار الاستراتيجي. ثمة تيار نقدي تبلور داخل حماس ذهب إلى توصيف هذا الفعل العسكري الاستثنائي في تاريخ الحركة باعتباره مغامرة غير محسوبة، واندفاعا غير منضبط أضعف منطق المقاومة وأثقل الحركة بأعباء قد تحدّ من فاعليتها لسنوات، بما يستدعي إعادة بناء طويلة المدى لما انهدم بفعل تلك التجربة. في المقابل، يطرح المدافعون عن خيار المقاومة مقاربة مغايرة: يرفضون اختزال الحركة في تجربة سياسية ضيّقت من فضاء هويتها وأفقدتها منطلقاتها الأصلية، ويعتقدون أن السابع من أكتوبر أعاد تصويب بوصلة الحركة نحو جوهرها كحركة إسلامية مقاومة.
هنا يبرز سؤال ظلّ مؤجلا داخل بنية الحركة: هل السياسي هو صاحب الرؤية الاستراتيجية، والمقاومة أداة من أدواتها، تخضع لحسابات المصلحة وتقديرات الكلفة والعائد؟ أم أن العسكري هو صاحب السطوة في القرار، بحيث يغدو السياسي وظيفة تكميلية، يظهر أو ينكفئ وفق متطلبات عقيدة العمل العسكري؟ بين هاتين المقاربتين عاشت الحركة معضلة التوفيق بين الأداتين، دون أن تحسم بصورة مؤسسية واضحة أسبقية إحداهما في صناعة القرار. فجاء السابع من أكتوبر ليكشف حجم الهوة بينهما، لا من حيث التباين النظري فحسب، بل من حيث انعكاس ذلك على إدارة النتائج والتداعيات. فقد كشفت العملية، بما حملته من تحوّل نوعي في مسار الصراع، عن اختلالات داخلية في آليات صناعة القرار وميزان التأثير بين السياسي والعسكري. لم يعد السؤال متعلقا فقط بكلفة القرار أو فعاليته الميدانية، بل بطبيعة البنية التي أنتجته: من يقدّر التوقيت؟ من يحدد الأهداف؟ ومن يتحمل إدارة النتائج حين تتجاوز القدرة على الاحتواء؟
بهذا المعنى، يتعاظم الجدل حول كيفية تحقيق التوازن بين انضباط الفعل المقاوم وإخضاعه لحسابات الكلفة والجدوى العملية، وبين إعادة انتاج الهوية التاريخية والمرجعية الفكرية التي منحت حماس شرعيتها وخصوصيتها. هذا النقاش يكشف عن اصطدام مستمرة بين منطق “البراغماتية”، الذي ينظر إلى المقاومة من زاوية عقلانية وفاعلية استراتيجية، ومنطق الهوية، الذي يتمسك بجوهر الحركة كحركة مقاومة ترى في الفعل المقاوم وسيلة لإعادة إنتاج ذاتها وتجديد شرعيتها.
ثمة من يحاجج بأن هذا التضارب لم يطف إلى السطح بصورة جلية إلا بعد انخراط حماس المتزايد في العمل السياسي وتولّي مهام الحكم في قطاع غزة، حينها بدأت إشكالية العلاقة بين السياسي والعسكري تتجلى بوضوح في بنية القرار الاستراتيجي وآليات إنتاجه. ففي سياق الانتقال من الفعل المقاوم إلى فاعل سياسي يدير سلطة، برزت تحديات لم تكن حماس تواجهها حينما كانت تمارس المعارضة السياسية والعسكرية، فجدت نفسها أمام ضرورات واقعية دفعتها إلى التصرف بوصفها فاعلا سياسيا مضطرا للتكيف مع التزامات الحكم، وتعقيدات البيئة الإقليمية، وضغوط النظام الدولي. ومن هنا تشكل توتر مستمر بين منطق الهوية ومنطق المصلحة، وبين مركزية الأيديولوجيا ومتطلبات البقاء السياسي والتنظيمي، الأمر الذي انعكس على طبيعة القرار داخل الحركة، وعلى حدود التوافق بين أجنحتها المختلفة بشأن أولويات الفعل السياسي والعسكري.
إحدى المقاربات التفسيرية لمسببات السابع من أكتوبر تطرح المسألة من زاوية أعمق: اصطدام الواقع الوظيفي لحماس (كسلطة حاكمة في غزة) مع هويتها (كحركة تحرر وطني تلتزم بالعمل العسكري). فحماس، بوصفها سلطة حاكمة، مطالبة بالتزامات إدارية وخدماتية وأمنية ترتبط بإدارة مجتمع وتوفير مقومات الحياة له، وفي الوقت ذاته، ترى نفسها حركة تحرر وطني تستمد شرعيتها من استمرار الفعل المقاوم. هذا التضاد بين الوظيفة (الحكم) والهوية (المقاومة) خلق تعقيدات بنيوية في صناعة القرار داخل الحركة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة تتعلق بأولوية الرؤية السياسية وحدود الفعل العسكري، وبمدى التكامل المؤسسي بين المستويين: هل الأولوية لمتطلبات الحكم واستدامة المجتمع، أم لمقتضيات الفعل المقاوم بوصفه تعبيرا عن الهوية الأصلية؟ فقد أظهرت تلك اللحظة فجوة واضحة في ميزان القوة بين أصحاب القرار السياسي وأصحاب القرار العسكري، وكشفت عن اختلال في التكامل الوظيفي بين الجناحين.
لا يمكن الاكتفاء بوصف هذا الصدام دون تفكيكه في إطار مفاهيمي أوسع يتصل بإشكالية أزمة الهوية لدى الحركات التي تمارس الحكم والمقاومة. فهذه الأزمة لا تُختزل في تضارب المصالح أو اختلاف التقديرات، بل تنبع أساسا من غموض المرجعية التي تُحدد سلّم الأولويات عند التعارض. إذ إن انتقال الحركة من موقع المعارضة إلى موقع السلطة يفرض عليها التزامات متزايدة ويضعها أمام دوائر مساءلة متعددة، بحيث يغدو القرار الاستراتيجي محكوما باعتبارات اجتماعية واقتصادية وأمنية تتجاوز اعتبارات الفعل العسكري وحده. وفي المقابل، فإن استمرار تعريف الذات بوصفها حركة تحرر يفرض إيقاعا مختلفا يقوم على المبادرة والمواجهة وإنتاج رمزية الفعل المقاوم. وبين هاتين الوظيفتين يتشكّل توتر بنيوي يتفاقم في سياقات الصراع المفتوح والمستمر فينتج عن ذلك مأزقا يهدد قدرة الحركة على الاستمرار بأي منهما.
أثبتت التجربة أن محاولة الجمع بين السلطة والفعل المقاوم تنتهي إلى إخضاع أحدهما للآخر، بما يؤدي إلى ترويضه أو تآكله. كما إن الهوة بين القرار السياسي والقرار العسكري تفقد حركات التحرر القدرة على حفظ الانسجام بين مكوناتها وقد يسهم في تفككها واندثارها إن لم تستطع إعادة إنتاج نفسها وهويتها. هذا المأزق ليس نظرياً، بل تؤكده التجربة التاريخية لحركة فتح، التي أفضى اندماجها في بنية السلطة إلى ذوبان التنظيم في مؤسسات الحكم وفقدانه لهويته الأصلية كحركة تحرر وطني. في حين أن تجربة حماس أفضت إلى إخضاع الحكم لسلطة الفعل العسكري والذي أدى في النهاية إلى فقدان الحكم وفقدان السيطرة على القطاع. ومن ثمّ، فإن إشكالية حماس اليوم ليست مجرد أزمة ظرفية، بل هي انعكاس أعمق لتهديد يعرض هويتها للتراجع والانكفاء، وقد تجد نفسها أمام معادلة صعبة للحفاظ عليها.
تقدم عدد من حركات التحرر دروسا في أن حسم العلاقة بين السياسي والعسكري عبر أطر مؤسسية واضحة –تضمن خضوع الأداة العسكرية لرؤية سياسية جامعة، مع الحفاظ على احترافيتها– كان شرطا للانتقال إلى منطق الإدارة الاستراتيجية للصراع؛ إذ تقدم تجربة المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، مثالا واضحا على إخضاع الأدوات العسكرية للقرار السياسي المركزي مما سمح له بتحقيق مكاسب سياسية فيما بعد. وأن عكس ذلك، أدى إلى انشقاقات تجسدها أمثله من نضال الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA الذي انقسم إلى أجنحة مختلفة نتيجة إخفاقه في إيجاد مرجعية موحدة تجمع بين منطق السياسية ومنطق العمل العسكري وحسم الأولويات والشرعيات ومصادرها.
تعدد المعادلات والمرجعيات
لم تكن ثنائية السياسي والعسكري قد بلغت مستوى التباين الذي شهدته لاحقا، لاسيما حين تحوّلت إلى سلطة أمر واقع في قطاع غزة. مع انتقال الحركة من موقع المعارضة إلى موقع الحكم أصبحت الاعتبارات الأيديولوجية وحدها غير كافية لضبط إيقاع القرار في ظل تعقيدات الإدارة السياسية وضغوط البيئة الإقليمية. ومع تصاعد حالة الاستقطاب الإقليمي، برزت داخل الحركة أنماط متباينة من التموضع الخارجي، عكست بدورها اختلافا في أولويات كل من الجناحين السياسي والعسكري.
لم يعد سلوك تيارات الحركة منفصلا عن امتداداتها الخارجية، بل بات يعكس بدرجة كبيرة طبيعة هذه الارتباطات وتناقضاتها. فشكلت التحالفات الإقليمية عاملا إضافيا أسهم في تعميق الفجوة بين مستويي القرار السياسي والعسكري داخل حركة حماس. ففي حين اتجه تيار داخل حماس إلى تبنّي مقاربة قائمة على ضرورة إعادة قراءة مواقف الحركة السياسية، وتنويع التحالفات وتعزيز الانفتاح الدبلوماسي، من خلال توثيق العلاقات مع قوى إقليمية مثل تركيا وقطر، وفتح قنوات تواصل مع أطراف عربية أخرى كالأردن والسعودية ومصر، مال تيار آخر إلى ترسيخ ارتباطه بمحور إقليمي مغاير ونقيض تقوده إيران وتندرج ضمنه قوى مثل حزب الله ونظام الأسد في سوريا، انطلاقا من اعتبارات ترتبط بأولوية الفعل المقاوم ومتطلبات الدعم العسكري.
لعبت ثنائية الداخل والخارج في حركة حماس دورا مهما في تعميق هذه الفجوة، فبينما استمد الخارج قوته من نفوذه المالي والسياسي والدبلوماسي، استمد الداخل ثقله من الشرعية الشعبية والميدانية المرتبطة بالمقاومة اليومية وإدارة الواقع تحت الحصار والاحتلال. هذا التباين في مصادر القوة جعل عملية اتخاذ القرار محكومة بتوتر دائم بين قيادتين تعيشان في ظرفين مختلفتين، وأبقت عملية اتخاذ القرار محكومة بين منطقين مختلفين ومتعارضين أحيانا في تقدير الاستلزام الظرفي والاستراتيجي: منطق الهوية المقاومة التي تميل إلى التصعيد العسكري، ومنطق البراغماتية السياسية الذي يسعى إلى الانفتاح وتحقيق الاختراقات الدبلوماسية.
هذه الازدواجية خلقت فجوة في تحديد الأولويات والرؤى والخيارات الاستراتيجية وفي تقدير الموقف والمصالح. وقد ظهرت تجلياتها في محطات متعددة، أبرزها التباين حول إصدار وثيقة السياسات العامة، أو التوافق على ملف المصالحة مع حركة فتح، وصولا إلى النقاش حول جدوى عملية السابع من أكتوبر وتداعياتها. ومع أن الخارج ظل تاريخيا صاحب الثقل الأكبر في القيادة والتمويل، إلا أن حكم حماس لقطاع غزة منح القيادة الداخلية وزنا متزايدا جعلها صانعا أساسيا للقرار الميداني والعسكري. هذا التباين جعل العلاقة بينهما علاقة تنافسية منها تكاملية، وهو ما عزز حالة اللانسجام في صناعة القرار.
وفي المحصلة، أفضت هذه الديناميات إلى ما يمكن توصيفه بـ«ازدواجية المرجعيات الاستراتيجية»، حيث بات كل مكوّن داخل الحركة يميل إلى مواءمة خياراته مع حسابات حلفائه الخارجيين، الأمر الذي ضيّق من هامش التوافق الداخلي، وعزّز من حالة التنافس الضمني للسيطرة على القرار. وهكذا، تحوّل تنوّع التحالفات—بدل أن يكون مصدر قوة ومرونة—إلى عامل إرباك بنيوي، أسهم في تعميق الفجوة بين القرارين السياسي والعسكري، وفي إعادة تشكيل أولويات الحركة على نحو يُترجم توازنات الخارج بقدر ما يعكس اعتبارات المصلحة الكلية.
أزمة الدور المستقبلي
إن فهم أزمة حماس لا يكفي توصيف التوترات بصراع على النفوذ بين تيارات الحركة، بل يجب تفكيكها ضمن إطار أوسع يتعلق بأزمة الدور المستقبلي للحركة. فحماس تواجه مأزقا مزدوجا يتمثل في تضاؤل قدرتها على أداء وظيفة السلطة في قطاع غزة في ظل فقدانها السيطرة عليه، وفي الوقت ذاته تتعقّد ظروف استمرارها كحركة تحرر وطني تمارس العمل العسكري. فسلطة حماس في غزة تقلصت إن لم يكن قد انتهت، ولم يعد من الحكمة أن تبحث على أدوار إدارية تعيد إنتاج عبء إدارة حياة السكان وما يرافقه من التزامات ثقيلة. وفي المقابل، يغدو الانخراط في العمل العسكري أكثر إشكالية في ظل قطاعٍ تعرّض لدمار واسع، وتراجع ملحوظ في استعداد الحاضنة الشعبية لتحمل مزيد من التضحيات. وعليه، تبدو محاولة الاستمرار في أيّ من هذين الدورين أقرب إلى معادلة مستنفدة، لا يبدو أن حماس تمتلك فيها هامشا كافيا للاستمرار في أداء أيّ منها. لذلك، تجد حماس نفسها اليوم أمام سؤال مصيري يتعلّق بمستقبلها، إذ لم تعد الظروف الموضوعية أو الذاتية تسمح لها العمل وفق نهجها السابق، ومستقبلها مرهون بقدرتها على استكشاف مساحات عمل بديلة تقل فيها الكلفة السياسية والاجتماعية، سواء عليها أو على المجتمع.
تميل انتخابات حماس لأداء وظيفة إجرائية لملء الفراغ القيادي في مناصب الحركة، لكنها لا تكفل مراجعة نقدية جذرية للمسار السابق، ولا تضمن ردم الفجوة بين السياسي والعسكري. فهي تكشف عن صراع ضمني حول المستقبل أكثر من كونها تنافسا على المواقع. ومع تصاعد الضغوط الميدانية والإقليمية، تجد الحركة نفسها أمام اختبار لقدرتها على الحفاظ على تماسكها كفاعل سياسي، أو الانزلاق نحو اختلال بنيوي يعيد رسم ملامحها ودورها المستقبلي. وفي ظل تباين تصورات النخب حول مستقبلها، تبدو الانتخابات أقرب إلى اختبار لموازين القوى الداخلية منها إلى محطة لصياغة رؤية شاملة في بيئة عالية المخاطر، حيث ترتفع الكلفة السياسية والإنسانية لأي مسار تسلكه.
منذ السابع من أكتوبر، دخلت الحركة في أزمة مركبة تتمحور حول ثلاثة أسئلة: البقاء في ظل بيئة دولية ضاغطة، الشرعية الداخلية في ظل تبعات العمل العسكري، والهوية بين المقاومة والسياسة. والإجابة لا تُختزل في تغيير القيادات أو تعديل الخطاب، بل تتطلب قراءة دقيقة للتحولات البنيوية، وإعادة بناء توازن نخبوّي داخلي، وتحول تنظيمي يضمن التكيف دون التفكك. وفي غياب التوازن بين المبدأ والمصلحة، ستظل الحركة أسيرة توتر دائم بين خطابها المؤسس ومتطلبات الواقع. فالسجال بين منطق الهوية والبراغماتية لم يعد مجرد اختلاف في تقدير الأولويات، بل أصبح سؤالا جوهريا حول المرجعية الاستراتيجية وحدود المبادرة. والخطر أن تُفرز الانتخابات قيادة سياسية عاجزة عن ضبط الميدان، فتتعدد الرسائل وتتذبذب القرارات وتبرز مراكز قرار موازية خارج الهيكل الرسمي، ما يعمّق أزمتها بدل أن يفتح لها أفقا لتجاوزها.
(نشرت هذه المادة على موقع - معهد السياسة والمجتمع)