مرارة الخذلان في سيرة وليد دقة "بائع التذاكر"


Case

2026-06-20 10:09

Copy Link

"أنا أحببت وليد دقة، لأنه مات، فلا يأتي منه شرّ ألبتة، أصبح فعلاً ماضياً منجزاً على هيأة شهيد أو قدّيس". هذه كانت إحدى مراسلاتي التي كتبتها عبر الواتس أب على هامش مناقشة كتاب وليد دقة الجديد "بائع التذاكر". وأما مناسبة هذه الجملة "غير المهذبة" ما مارسه ويمارسه معي شخصياً بعض الأسرى قبل التحرير وبعده من قلة تهذيب واحترام، بعد أن كتب أحدهم ضدي كلاماً سيئاً، وآخر يبعث لي رسالة تهديد إثر مقال كتبته ولم يعجبه ما جاء فيه، وآخر يسترق النظر، وينتظر أن أشكره بعد أن كتبت عنه، فيزودني أحد أقربائه برقمه الواتس أب، اعتقادا منه أنني سأسارع للاتصال به. لا أدري كيف يفكر هؤلاء، لا أعتقد أنهم أغبياء، لكنهم يظنونني ساذجاً إلى هذه الدرجة.

هذا موضوع لن يُفتح على آخره الآن، ربما في المستقبل سيتحدث آخرون عما يسكتون عنه، من أمراض الحركة الأسيرة، وما أكثرها! وهي بالمناسبة طبيعية، فهم بشر وإن كانوا مناضلين، ومن يقرأ اليوم عن "مناضلي الجزائر" في كتابات الطاهر وطار وواسيني الأعرج، وأحلام مستغانمي وسعيد خطيبي وآخرين كثر، وما يتكشف من أمراض الذاتية والانتهازية والقتل على الشبهة لن يفاجأ بما سيكتشفه في المستقبل عن أمراضنا الوطنية الكثيرة أيضاً التي بدأت تباشيرها في الكتابة ليس عند وليد دقة فقط، وإنما عند آخرين غيره سبقوه، خرجت كتاباتهم من رحم السجون.

لكم أن تتخيلوا هذا كله، لذلك منذ مدة طويلة لم أكتب عن الأسرى أو أدبهم، وإن كتبت تنظيرا عاما حول "أدب الحرية" ومهتم جدا بصياغة هذا المصطلح وترسيخه في المفكرة الثقافية، أما أعيان الأسرى ومؤلفاتهم، فلا، وتوقفت عن مراجعة مخطوطاتهم وتحريرها، فكثير من هؤلاء قد خيبوا الأمل هم أيضاً. لم يخيبوا أملي وحدي إنما خيبوا أمل الكثيرين ممن كانوا لهم أصدقاء ومناصرين وهم خلف القضبان، فإذا ما تحرروا نسوا وتجبروا وتكبروا.

لذلك أنا أحببت وليد دقة، لأنني لم أكتب عنه وهو حيّ، وربما لم يسمع بي، ولم يقرأ لي أيام رفاهية السجن "النسبية"، ولا أدري أوقعت كتبي الداخلة إلى السجون ضمن مبادرة حسن عبادي "لكل أسير كتاب" بين يديه أم لا، إلا أنني قرأت كتبه "سر السيف" و"سر الزيت" أغلب الظن بعد رحيله، ولم أكتب عنهما كتابة مستقلة، وإن ذكرته في إبداعات الأسرى، كونه الوحيد- حسب ما أعلم- من كتب للأطفال من الأسرى، ووثقت شيئا من النشاطات حول كتبه في تقارير صحفية نشرت- فيما بعد- في كتاب "تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة".

وليد دقة أصبح فعلاً ماضياً تاماً وليس فعلا ماضيا مستمراً كما وصف نفسه في هذه السيرة، هذه الفكرة من الاستقرار العلائقي مع الكتّاب، طرحتها سابقاً، وأرى الآن وجاهتها وأنا أهمّ بالكتابة عن وليد دقة وكتابه الجديد الصادر بعد عامين من استشهاده في السابع من نيسان عام 2024، فكل حيّ غير مضمون أن ينقلب عليك لأتفه الأسباب، وقد فعلها من غير الأسرى كثير من الكتّاب والكاتبات؛ غير مأسوف على رحيلهم عني على أية حال.

والآن، دعكم من ذلك كله، ولنذهب سوياً إلى وليد وأفكاره في منجزه الأخير؛ فأين تكمن أهمية الكتاب؟ لا أدري بالضبط، فلست قادراً على تحديد بؤرة خاصة لتكون هي الأهمية البؤرية للكتاب. على الرغم من أنه ممتع في سرده، ولذيذ في لغته، وطريف في تصويراته، ولافت في حس الفكاهة والسخرية المرة فيه، إلا أن معاناة وليد في الأسر والتنقل من سجن إلى آخر وفي المرض والاستشهاد، وقبل ذلك في معاناة الحمل بالنطفة المحررة، لم يكن وحيداً فيها، فكثيرون سبقوه، وأكثر لحقوا به، ولا حتى معاناة أمه، أو زوجته سناء سلامة، كل ذلك وغيره يشبهه الآخرون فيه، ولا فضل لسجين على آخر في هذا ولا حتى في المحكومية، فغيره كثيرون يفوقونه حُكماً، وبلاء.

هل تكمن أهمية الكتاب في فضحه أوسلو وتعريتها تعرية كاملة، تعرية الـمُخرَج السياسي، والعقلية المتحكمة فيه والمآل المحزن؟ أيضا لم يكن الوحيد من فعل ذلك، كتب الكثيرون مثلما كتب، وربما أكثر، بل على العكس حاول وليد أحياناً أن يعذر السلطويين أتباع أوسلو، مهندسي كارثتها، مع أنهم ليسوا معذورين، فهؤلاء الساكنون في رام الله ويحكمون الشعب حكمَ ظلٍّ للاحتلال أسوأ مما قال، وتخريبهم للقضية الفلسطينة أعظم مما تحدث به، والواقع- كما ورد في غير هذا الموضوع- لا يحتاج إلى قراءة كتب، إنما تكفي معايشة الواقع نفسه الضاغط بثقله على أنفاس المواطنين يومياً، ويعيد إنتاج نفسه بسوء أكبر كل يوم، حتى اتسع الخرق على الراقع، وأصبح من المستحيل الإصلاح، ولا ينفع معهم إلا الخلع من جذورهم والتخلص من شرورهم المستفحل في كل مفاصل حياتنا.

لعلّ أكثر ما يستحق الالتفات في كتاب وليد دقة "بائع التذاكر" ذلك الحديث الذي نثره حول صراع اللغة العربية والعبرية في نفسه، وفي تجربته، فهذا موضوع نادراً ما تحدث عنه السجناء السياسيون الفلسطينيون، لقد فرق دقة بين مسألتين مهمتين- وإن جاءتا ضمنيتين- وهما اعتبار اللغة العبرية سلاحاً، لا "غنيمة حرب"، مع أنه يرى أن اعتبار اللغة سلاحا "يسطحها، ويفقدها عمقها وشموليتها بصفتها أداة تواصل وتذوق وفهم وإدراك لذاتك ولعدوك"، ويشبهها تشبيها ظريفاً فيقول عن العبرية أنها "كانت بالنسبة لي زوجة الأب، بينما العربية أمي"، ويرى أن لغته العربية لغة أنهكها الاستعمار الصهيوني العبري كما أنهك الاستعمار الفرنسي اللغة العربية في المغرب، ويعتبر أن "أسوأ أشكال الاحتلال هو احتلال العقول، والعقول لا تقتحم بالدبابات والمجنزرات، وإنما باللغة، واللغة العبرية التي تأتي إلى عالمي كطفل، لم تأت بفجاجة واقتحام سافر لعقلي، وإنما بنعومة الممرضة والطاقم الطبي الذي أشرف عليّ في [الـ]مستشفى (....) لمدة عام ونصف".

وبذلك يكون من الطبيعي أن يصرح في موقع آخر أنه وجد صعوبة في التحدث بالعربية وهو ما زال حديث السجن، وسهولة مطلقة بالحديث بالعبرية التي تشربها وهو بعد في طفولته المبكرة، فكان يفكر بالعبرية قبل أن يتحدث بالعربية، ما دفعه إلى أن يأخذ نفسه ببرنامج صارم بقراءة كل ما يقع بين يديه باللغة العربية كي تتحسن لغته.

وعلى صعيد آخر، لقد جر عليه إتقانه العبرية الشبهة وهو في سوريا، ودخل في التباس الهوية، من عربي فلسطيني مناضل إلى ربما أنه "يهودي متضامن" يدافع عن الحق الفلسطيني في التحرر، ولأجل توضيح هذا الالتباس الهوياتي اللغوي يستعير دوف وخلدون من عالم غسان كنفاني، لتصبح إجادته العبرية ليستفيد "من هذا الهامش الذي توفّره اللغة حتى تحولها إلى أداة نضال"، لقد وصلت عبرية وليد دقة إلى الحد الذي كان يمتحن فيها اليهود في المفاهيم الدينية التوراتية، إنه كان يزعجهم بعبريته القوية، ومن هنا يعود ويقرر أنها "سلاح" أفاده كثيراً في تقديم الالتماسات والتعامل مع الضباط.

إن لغة وليد دقة في هذا الكتاب كانت أيضاً لافتة في أنه جعل من المشاهد السردية الكثيرة طبقات من المعنى، بحيث لا تكتفي بالمعرفة السطحية بما يقوله المشهد بل يسحبك دون أن تدري نحو معاني أخرى، فيضفي على هذه اللغة البعد الرمزي أو السيميائي، فترى فيها نمطاً من السرد المحمل بالإشارات السياسية التي تتجاوز الواقعة المعينة، وعلى ذلك أمثلة كثيرة، وهي مبثوثة في جسد النص كله، ولأضرب لذلك مثالاً، يقول: "أكدا لي أن الأجيال الشابة في حيفا ويافا واللد والرملة، أظهروا أنهم ينتمون إلى "خالد"، بعد أن دفنوا فيهم الحنين إلى "خلدون"، "خالد الذي يجيد إلى جانب العربية والعبرية لغات أخرى. "خالد" الذي تخرج من جامعاتهم، وبالرغم منها، لم يتأسرل، فهو يعتز بعروبته شامخاً متحدياً أكثر بكثير من أولئك الذين يجيدون العربية وخانوا العروبة". لا يمكن للقارئ أن يتعامل مع هذا المقطع على أنه سرد خاوٍ من الدلالة السياسية التي تتجاوز حدود الحادثة الخاصة أو الرؤية الشخصية للحدث، ولذلك هو وصف لحالة عامة، وجدت في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال في هذه المدن الكبرى، وتتعزز سيميائية هذا المشهد في أنه لم يختر من المدن إلا المدن العربية التي كما حافظت على أسمائها العربية الفلسطينية فقد أنتجت جيلاً من الشباب لم يذب في "الأسرلة"، بل صار مناضلاً، ومقاوماً، وامتداداً لخالد ابن "سعيد س" وصفية في رواية "عائد إلى حيفا"، فلم يكن خالدا واحدا بل كانوا جيلا كاملاً، وهو يشير إلى من شارك في هبة عام 2021، كما ينطبق ذلك على كل المقاومين الذين شاركوا في النضال الفلسطيني من أبناء هذه المدن والقرى وكانوا أسرى بالعشرات.

ولم يكن خالد هو الوحيد في حمل إشارته السياسية بل إنه يفعل الشيء نفسه وهو يتحدث عن أمه فريدة، ويبني بناء محكما سردية تقوم على سيميائية الاسم، مبتدئاً بالمعنى اللغوي الذي استقاه من المعجم، ثم عززه بالسلوك الواقعي لهذه الأم العظيمة التي صارت "علامة فارقة" تدل على نضال الأم والمرأة الفلسطينية بشكل عام. إن وليد لم يؤسطر أمه، بل رسخ عملها الواقعي، فبين تعبها ومرضها ومعاناتها، وعملها، وتربيتها لأبنائها، وقوة شخصيتها، ومغامرتها، لذلك لم يحتكر عملها لها وحدها، بل رأى فيها نضال كثير من الفلسطينيات، خاصة زوجات الأسرى وأمهاتهم.

على أية حال، فإن سرد وليد دقة حافل بمثل هذه السيميائيات سواء في الأسماء أو الأماكن وحتى سيميائية الأحداث نفسها، فحادثة إعدام محصول البطيخ أو إبادته، ليست حادثة عابرة في التاريخ الشخصي لوليد، ولا حتى في التاريخ الجماعي للشعب الفلسطيني، وعلى ذلك قس أحداثاً كثيرة، يخرجها وليد بدهائه السردي من كونها حادثة شخصية إلى كونها حادثة عامة تؤشر إلى تاريخ الشعب جميعه ومعاناته، ومن هنا ربما يمكن للمرء أن يفهم معنى العنوان الفرعي لهذه السيرة "رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية"، وهو عنوان وضعه وليد نفسه، وليس محرر الكتاب، وإن حاول أن يشرح [المحرر] انحياز وليد لمفاصل وليس فصولا، وعلى الرغم من تفسيراته الخاصة إلا أن لفظ المفاصل، جعل وليد لا يكتب سيرة ذاتية متتابعة وتقليدية إنما يمفصل حياته، ويختار منها محطات معينة يراها تتسق مع ما يسكن عقله من "سيميائية" تحكم السرد كله، وتعطي لهذا السرد حياته وتخدم أهدافه، فلم يكن الهدف السرد من أجل السرد، وإنما لتحقيق ما هو أهم من السرد نفسه وهو إشارته إلى أن "رياحين الشباب" في سجون الاحتلال التي قد ذبلت أو ماتت، ويصنع من خلال هذا العنوان مفارقة حادة ما بين الرياحين المعروفة برقتها وجماليتها وبين الصخر المنسوب للدولة العبرية الحامل لمعنى القسوة وانعدام الجمال، وفي ذكره للغة في توصيف هذه الدولة يتبين كم تتحكم في عقليته القضية اللغوية، وتسيّر دفة السرد كله، كأن اللغة أداة التخاطب أصبحت قوة سلطوية ذات أثر استعماري، وقد بينت ذلك أعلاه.

ولذلك تراه يقول كلاما موجعاً بعد سنوات الأسر الطويلة التي أكلت ربيع شبابه وريحانة عمره، وخشيته من أن يُنسى، وليتخلص من المعنى الذاتي إلى المعنى العام قال: "الأسير حينما ينساه الناس، يصبح سجنه بلا معنى، وعندما ينساه الأهل يفقد معنى الحياة، وعندما يفقد كلام أمه يفقد هويته".

هكذا يكتب وليد دقة ليذكرنا جميعاً أن الأسرى يجب ألا ينسوا، فإن نسيتهم منظمة التحرير وتخلت عنهم، وخاصة أسرى "أبناء العشيقة" السرية، أبناء فلسطين المحتلة عام 1948، يجب ألا ينساهم أقاربهم وشعبهم. إن وليد في هذه النقطة يشعر بالخذلان الشديد، ويرى أن "كل مشروع أوسلو قائم على هذا النكران للأبوة، فبعد أن كنا جزءا من النضال الوطني الفلسطيني،... تركنا على قارعة الطريق نواجه مصيرنا بمفردنا"، إن ما أحزن وليد ومعه الكثير من الأسرى أن منظمة التحرير تخلت عنهم عند عقد الاتفاقيات، كما تخلت عن الأرض، بل إن المنظمة لم تتبنَ قضية مليون ونصف فلسطيني في الداخل المحتل، "من سيمثلهم ويمثل قضاياهم؟" بعد أن فعلت أوسلو مفاعيلها الكارثية فينا، لقد تركوا الشعب كله في الضفة والقدس والداخل المحتل في الحقيقة نهباً لسياسات الاحتلال العنصرية، فاتفاقيات أوسلو كما يرى وليد قد فصلت الشعب الفلسطيني ومزقته، بعد أن رضيت بفصل الجغرافيا وتصنيفها.

وعلى الرغم من علمه بكل ذلك، إلا أن وليد دقة لم يطرح حلا للخروج من عنق الزجاجة التاريخي الذي وضعنا فيه هؤلاء السياسيون الذي لم يحسنوا النضال، كما لم يحسنوا التفاوض، ولكن، هل على كاتب السيرة أن يضع حلولاً لمأساة بهذا الحجم؟ ربما ليس مطلوباً منه ذلك، ويبقى المعوّل علينا نحن القراء والسياسيين والمفكرين والمثقفين والفاعلين الاجتماعيين أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لنا أن نتخلص من كل هذه الكوارث التي هندس الحديث عنها وليد دقة بسيرته الذاتية، وأخرجها بليغة بلغة عربية فصيحة عنوانها الاستشهاد قبل أن يكون العنوان "بائع التذاكر".

>