
2026-09-04 15:18
في كل صباح تقريباً، وقبل أن نغادر السرير، تمتد أيدينا إلى الهاتف. نعرف الوقت منه، نقرأ الأخبار، نرد على الرسائل، نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ونشاهد أول مقطع فيديو يظهر أمامنا. صار هذا الفعل تلقائياً إلى درجة أننا لم نعد نتوقف لنسأل أنفسنا ماذا يحدث فعلاً خلف هذه الشاشة الصغيرة.
نقول إننا نستخدم التكنولوجيا، وهذا صحيح، لكنه ليس كل الحقيقة، ففي اللحظة التي نفتح فيها تطبيقاً أو نبحث عن معلومة أو نشاهد مقطعاً، تبدأ منظومة كاملة بالعمل في الخلفية: بيانات تنتقل عبر شبكات، وخوادم تعالج المعلومات، وبرمجيات تحلل سلوكنا. نحن نرى النتيجة النهائية فقط — صورة أو خبراً أو فيديو — أما الرحلة التي سبقت وصوله إلينا فتبقى غائبة عنا تماماً.
قبل سنوات، كان المشهد الإعلامي أبسط بكثير؛ مجموعة محدودة من القنوات والصحف، وكان المحرر أو مدير القناة هو من يحدد ما يصل إلى الجمهور ومتى. أما اليوم فقد أصبح أمام كل واحد منا عالم كامل من المعلومات، إذ تصل ملايين الأخبار ومليارات الصور ومقاطع الفيديو إلى الشبكة في كل لحظة. وهنا تنشأ مشكلة جديدة: من الذي يقرر ماذا سنرى وسط هذا الكم الهائل من البيانات؟
الإجابة ليست دائماً الإنسان وإن كان هو في البداية من صنع كل هذا، فالخوارزميات أصبحت جزءاً أساسياً من هذه العملية، تتعلم من سلوكنا: ماذا شاهدنا، وماذا تجاوزنا، وكم بقينا أمام محتوى معين، ثم تستخدم هذه الإشارات لتقديم محتوى جديد يناسب ما تتوقعه منا.
في الماضي كنا نبحث عن الأخبار. اليوم، كثير من الأخبار هي التي تبحث عنا....
ولا يقتصر هذا التحول على الإعلام، بل يمتد إلى التسوق والإعلانات والتعليم والترفيه، وحتى إلى طريقة تواصلنا مع الآخرين، والمشكلة تبدأ فعلياً عندما نستخدم أدوات لا نفهمها، ونتركها تتخذ قرارات تؤثر في حياتنا دون أن نسأل كيف وصلت إلى هذه القرارات.
وهذا تحديداً ما نريد أن نتوقف عنده في «ما وراء التقنية».
لن يكون هدفنا ملاحقة كل هاتف جديد، أو الغرق في مصطلحات تقنية معقدة على من لا يعمل في هذا المجال. هدفنا أن ننظر إلى التكنولوجيا من الجهة الأخرى: كيف تنتقل الصورة والصوت والمعلومة، وكيف تعمل الشبكات التي أصبحت جزءاً من حياتنا إلى درجة أننا لا نشعر بوجودها إلا حين تتوقف، وكيف غيّرت التكنولوجيا طريقة عمل الإعلام.
هذه ليست أسئلة مستقبلية بعيدة؛ بعضها يحدث الآن، أمام أعيننا، وربما داخل الهاتف الذي نضعه بجانبنا كل ليلة.
لذلك سنحاول في كل أسبوع أن نبتعد خطوة واحدة عن الشاشة، وأن ننظر إلى ما وراءها، قد نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، أو الاتصالات، أو شبكات الإنترنت، أو الإعلام والبث، أو الصوت والصورة، أو الأمن الرقمي، أو أي تقنية بدأت تؤثر في حياتنا دون أن ننتبه لها، سنحاول أن نفهمها أولاً، ثم نسأل السؤال الأهم: ماذا تعني لنا؟
لأن التكنولوجيا ليست فقط ما نراه أمامنا. وأحياناً، أهم ما فيها هو الشيء الذي لا نراه.
وهذا هو ما وراء التقنية.
