
2025-07-24 14:14
كنت طفلة صغيرة أنظر إلى الطبق أمامي بعينين مترددتين، كنت أحيانا أرفض الطعام أو أتذمر منه فكانت أمي تنظر إلي بحنانها وتضحك وتقول: "ما في حدا بموت من الجوع".
كلماتها كانت تحمل طمأنينة غريبة، وكأنها قانون كوني لا يقبل الجدل كنت أؤمن بها؛ لأن أمي لا تخطئ.
أمي، الحكيمة التي كانت نصائحها بمثابة بوصلة ترشدنا في الحياة، لم تكن تخطئ في تقديرها، ولا في حكمتها، ولا في كلامها. لكن اليوم، أجد نفسي أقف أمام هذه المقولة، أمام هذا اليقين الذي زرعته أمي في قلبي وأقول بألم: "يا أمي لقد أخطأنا جميعًا".
نعم يا أمي، لقد أخطأتِ وأخطأتُ أنا، وأخطأ العالم بأسره… مقولتك التي كانت تزرع الأمل في نفوسنا، تلك التي كنت تكررينها لتعلمينا الصبر والرضا، تبين أنها ليست صحيحة دائمًا.
شعبي في غزة، يا أمي، يتألم ويموت من الجوع… هل رأيتِ ماذا حصل؟ هل رأيتِ الأطفال الذين يسقطون مغشيًا عليهم في الشوارع بحثًا عن لقمة تسد جوعهم؟ هل رأيت الأمهات اللواتي يصرخن في مراكز النزوح لإنقاذ أبنائهن من "الموت البطيء"؟
هل سمعتِ عن الرضيع يحيى فادي النجار الذي قضى بسبب سوء التغذية الحاد، والعشرات منهم قد فارقوا الحياة جوعا؟
كنت تقولين إن الجوع مجرد شعور يمكن تحمله، لكن في غزة، يا أمي، الجوع ليس مجرد شعور إنه سلاح قاتل ينهش أجساد الأطفال والنساء وكبار السن أكثر من مليوني إنسان محاصرين، إن القطاع بأكمله على في يعيش مجاعة.
يا أمي، كنت تعتقدين أن العالم لن يترك أحدًا يموت جوعًا لكن العالم يصمت.
الناس في غزة يتهاوون في الشوارع ينتظرون المساعدات تحت وابل القنابل، وكثيرون منهم يستشهدون أثناء بحثهم عن لقيمات.. إن حالات الإغماء من الجوع أصبحت مشهدا يوميًأ.
يا أمي، كيف أشرح لكِ أن الجوع في غزة ليس مجرد غياب الطعام؟!! انهيار النظام الصحي، وشح المياه النظيفة وغياب الكهرباء والدواء، إنهم أطفال يعانون من الهزال والنحافة الشديدة، وأمهات يشاهدن أبناءهن يذبلون أمام أعينهن.
إنه شعب يُجر إلى الموت جوعًا تحت حصار سياسي وإنساني.
يقول مدير منظمة الصحة العالمية إن هذه "مجاعة جماعية من صنع الإنسان"، ليست كارثة طبيعية، بل نتيجة أفعال متعمدة، نحن نعلم من هم وجهان لعملة واحدة.
كنتِ تخبرينني أن الصبر يجعلنا أقوى لكن كيف يصبر شعبي، يا أمي، وهو محروم من أبسط مقومات الحياة؟ كيف يصبرون وهم يرون أطفالهم يموتون ببطء؟ أمل، إحدى نساء غزة قالت: "الجوع هو الشعور الأقذر في الكون الموت بالقصف أرحم".
وأنا أقول لكِ اليوم، يا أمي، إننا أخطأنا جميعًا حين ظننا أن الجوع لا يقتل في غزة، الجوع يقتل، يقتل الأمل، يقتل الحياة، يقتل الإنسانية.
يا أمي، أريد أن أخبر العالم باسمك وباسم كل أم فلسطينية أننا بحاجة إلى صوت يهز الضمائر أريد أن أصرخ: "كفى ظلمًا!"
أريد أن أقول إن شعبي في غزة ليس مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل هم أرواح تتألم وأحلام تُسحق، وقلوب تنتظر الفرج.
يا أمي، في غزة اليوم الموت جوعًا حقيقة. فلنعمل معًا، يا أمي، شعبي في غزة يستحق الحياة، يستحق الطعام، يستحق الأمل… يغنى أحمد قعبور :
قالت لي أمي عُد باكرًا...
لكني لم أعد يا أمي ...