
2026-06-26 16:09
يأتي كتاب "المصلحة الوطنية العليا بين الوطنية والحزبية" للباحث الفلسطيني معتصم الكيلاني، ليسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الحياة السياسية الفلسطينية، وهي العلاقة بين المصلحة الوطنية الجامعة والاعتبارات الحزبية، وما يترتب على هذا التداخل من آثار على القرار السياسي والوحدة الوطنية.
ومعتصم الكيلاني، ابن بلدة سيريس بمحافظة جنين، باحث مختص في الشأن السياسي الفلسطيني، ويحمل درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسية، وقد انعكس تكوينه الأكاديمي وخبرته البحثية في المنهج العلمي الذي اتبعه في هذا العمل.
يقع الكتاب في 205 صفحات من القطع المتوسط، متضمنًا المراجع والملاحق، ويتوزع على خمسة فصول مترابطة؛ يبدأ بالمقدمة، ثم ينتقل إلى مفهوم المصلحة الوطنية: النشأة والتطور، ويعرض بعد ذلك تطور الحركة الوطنية الفلسطينية من منظور تاريخي، ثم يناقش المصلحة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني، قبل أن يختتم بفصل مخصص لدراسة مفهوم المصلحة الوطنية لدى التنظيمات الفلسطينية المختلفة.
ولا يكتفي المؤلف بتقديم تعريفات نظرية للمصلحة الوطنية، بل يحاول تأصيلها في السياق الفلسطيني، رابطًا بينها وبين الثقافة السياسية، والتنشئة الوطنية، والأهداف العليا للشعب الفلسطيني. كما يستعرض المحطات التاريخية المفصلية التي أسهمت في تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني، بدءًا من بدايات الحركة الوطنية، مرورًا بمنظمة التحرير الفلسطينية واتفاق أوسلو، وصولًا إلى انتخابات عام 2006 وأحداث الانقسام عام 2007.
ومن أبرز نقاط القوة في الكتاب تخصيصه مساحة لتحليل رؤية القوى والتنظيمات الفلسطينية المختلفة لمفهوم المصلحة الوطنية، بما في ذلك حركة فتح، وحركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، وحزب المبادرة الوطنية. ويمنح هذا العرض القارئ فرصة لفهم أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه المكونات، ومدى انعكاسها على فرص تحقيق الوحدة الوطنية.
كما يتميز الكتاب بلغة علمية رصينة وأسلوب تحليلي هادئ، بعيدًا عن الخطاب الانفعالي، إذ يسعى إلى معالجة الإشكاليات من منظور أكاديمي يعتمد على التسلسل التاريخي والمنطق السياسي، مع الاستناد إلى عدد كبير من المراجع والمصادر.
ومن وجهة نظري كقارئ، فإن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في توثيقه لمفهوم المصلحة الوطنية، بل في طرحه أسئلة جادة حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني وكيفية بناء مرجعية سياسية تتقدم فيها المصلحة العامة على الاعتبارات الفصائلية. وهو يقدم مادة ثرية للباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني وصناع القرار والطلبة في العلوم السياسية.
لذلك أوصي بقراءة هذا الكتاب لكل من يسعى إلى فهم أعمق لطبيعة الخلافات السياسية الفلسطينية وجذورها الفكرية والتاريخية، ولمن يؤمن بأن الحوار العلمي الرصين يمكن أن يسهم في ترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية. ويستحق الكتاب الإشادة لما يبذله مؤلفه من جهد في تناول موضوع بالغ الحساسية بروح بحثية متوازنة، تجمع بين التحليل الأكاديمي والحرص على المصلحة الوطنية العليا، مما يجعله إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية.