
2026-09-08 17:52
الدراما جزء أصيل من المشهد الثقافي الكوني، وهي مراَة الواقع تعكس ثقافات الشعوب ومفاهيمها وتلامس احتياجاتها وآمالها وتعبر عمّا يعتملها من مكنونات.
والدراما تنقسم إلى جملة من المدارس، وهي أيضا متعددة المذاهب والقوالب والأنماط شأنها شأن سائر الفنون التعبيرية المختلفة، ولطالما عبَّرت الدراما باختلاف أنواعها عن ثقافات الشعوب، وحضاراتهم، وتقاليدهم وكل ما يتصل بهم إرثاً وفلوكلوراً وتاريخاً؛ لأنها تأصيل حقيقي موروثهم ومنجزاتهم كافة على مر التاريخ، وكل أمّة تفخر بتاريخها وبمنجزاتها الإنسانية، خاصة إذا ما امتلك القائمون عليها أدوات الفعل الدرامي وأحسنوا الأداء؛ لأن الدراما باتت في عصرنا الحالي صناعة تعتمد الحِرفية بأعلى المستويات والمعايير.
ومن سِمات الدراما أنها خطاب سريع التأثير يتفاعل مع العقل والمشاعر ويحدث الاستجابة المطلوبة لدى المتلقي، وبالتالي يعيد صياغة الوعي والمفاهيم خاصة إذا كان مُتقن الصنعة نصاً وأداءً، وإذا ما توفرت أدوات التميز والابداع كافة، وهناك أعمال درامية طغت بتأثيرها على خطاب السياسه وعلى كافة مشتقات الادب والفنون المختلفة.
وهنا اسمحوا لي أن أتحدث عن الدراما المصرية ومفاعيلها على المستويين العربي والعالمي، وقد أحدثت تغيُّراً جوهرياً في بعض المفاهيم والأفكار وقدَّمت للعالم صورة حقيقية عن مصر شعبا وإرثا حضاريا وتاريخا ناصعا من الإنجاز والتميز في حقول المعرفة والعلوم الانسانية كافة، ببعدها القومي والعروبي والديني والإنساني والحضاري؛ لأن شعب مصر يستحق بروز تاريخه المشرق عطاءً على مر التاريخ، وقد فعلت الدراما ذلك تماما من خلال جملة اعمال خلَّدت هذه المنجزات في وعينا الجمعي وهي أعمال ستبقى خالدة ما دامت الحياة.
الدراما المصرية ربما تعثرت لسبب أو لآخر لكنها سرعان ما نهضت من جديد لتواصل دورها الحضاري والإنساني، فهي التي أعادت الاعتبار لخطابنا ومقولتنا من خلال أعمال دينية وتاريخية واجتماعية ووطنية لم يسبقنا أحد إلى تناولها بما انتهت إليه عمقاً ومتناً وشكلاً، فكانت لوحات فنية رائعة الجمال عميقة اللغة والمقاصد وهذا سبب خلودها في الوعي والذاكرة...
الدراما المصرية مدرسة ثقافية مختلفة عن دونها من المدارس، وهي التي لامست مشاعر كل العرب دون استثناء ما مكَّنهم من فهم لهجتنا واستساغتها بل وعشقها، وهي النافذة التي أطل من خلالها العالم أجمع على الإنسان المصري موروثاً ثقافيا وهوية وتاريخا وسلوكا، وعلى مصر جغرافيا وتنوع بيئي وحضاري وتاريخ حافل وفصول ومواسم خير وعطاء، وكيف أسهم المصريون في تطور المجتمع الإنساني ورفعته، وهم الذين بَرَعوا في مختلف الحقول والمجالات وكانوا جزءا من هذا الإنجاز الإنساني منذ سبعة آلاف عام وحتى يومنا الحاضر...
نعم، الدراما فعلت ذلك بكل يسر وسهولة؛ لأنها فعل إنساني قائم على الصدق والعفويه والإبداع والحرفية العالية والتراكم والخبرة والتميز.
آن الأوان لنعيد للدراما دورها ومكانتها المستحقة ونوفر لها الممكنات كافة لضمان خطاب درامي يحدث التأثير المطلوب بما ينسجم مع مصر دورا وحضورا ومكانة وتاريخا...