
2026-05-31 08:42
على امتداد عقود الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، جرى التعامل مع مشروع الاستيطان بوصفه الأداة الأساسية لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي والسياسي الفلسطيني. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحول أكثر عمقا وخطورة؛ إذ لم يعد الهدف مقتصرا على توسيع المستوطنات أو مصادرة الأراضي بصورة مباشرة، بل أصبح يتمثل في إعادة هندسة النظام القانوني والإداري الذي يحكم الأرض نفسها. وفي هذا السياق، يبرز قرار الحكومة الإسرائيلية استئناف إجراءات تسوية وتسجيل الأراضي في المنطقة المصنفة (ج) باعتباره أحد أكثر التحولات الاستراتيجية أهمية منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
قد يبدو القرار للوهلة الأولى إجراءً فنيا يتعلق بتنظيم الملكيات العقارية، إلا أن القراءة القانونية والسياسية المتأنية تكشف أنه يتجاوز بكثير حدود الإدارة العقارية. فالمسألة لا تتعلق بتحديث سجلات الأراضي أو تسوية نزاعات ملكية قائمة، وإنما بمحاولة إعادة تعريف العلاقة القانونية بين الأرض وسكانها من جهة، وبين سلطة الاحتلال والأرض المحتلة من جهة أخرى. وبهذا المعنى، فإن ما يجري ليس مشروع تسجيل عقاري، بل مشروع ضم مؤسسي يستخدم أدوات القانون والإدارة والبيروقراطية لتحقيق أهداف استعمارية طويلة الأمد.
يُعد القانون الدولي واضحا في توصيف وضع الضفة الغربية باعتبارها أرضا محتلة تخضع لقواعد الاحتلال الحربي. وتنص لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أن سلطة الاحتلال لا تكتسب السيادة على الإقليم المحتل، وأن وجودها يظل مؤقتا ومقيدا بواجب إدارة الإقليم لمصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال. كما أكدت محكمة العدل الدولية، في أكثر من مناسبة، أن الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تشكل جزءاً من إقليم دولة الاحتلال، وأن أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابعها أو وضعها القانوني أو تركيبتها الديموغرافية تفتقر إلى المشروعية القانونية.
انطلاقاً من هذه القاعدة، فإن تسوية الأراضي ليست إجراءً محايداً يمكن لقوة الاحتلال ممارسته كما لو كانت دولة ذات سيادة. فالتسجيل النهائي للملكية العقارية وإصدار سندات الملكية الحاسمة يمثلان من الناحية القانونية إحدى أبرز مظاهر السيادة على الأرض. ولهذا السبب، فإن قيام سلطة الاحتلال باستئناف عمليات التسوية التي جُمدت منذ عام 1968 يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن لسلطة يفترض أن وجودها مؤقت أن تتخذ قرارات ذات آثار دائمة تتعلق بملكية الأرض ومستقبلها؟.
تكمن خطورة المشروع الإسرائيلي في أنه ينقل الصراع من مستواه السياسي والقانوني الأصلي إلى مستوى إجرائي ضيق. فبدلا من النقاش حول شرعية الاحتلال ذاته، يصبح الفلسطيني مطالباً بإثبات ملكيته أمام منظومة قانونية وإدارية أنشأتها سلطة الاحتلال وتتحكم في قواعدها ونتائجها. وبدلا من مساءلة "إسرائيل" عن قانونية سيطرتها على الأرض، يجري تحويل الفلسطيني إلى طرف يحتاج إلى إثبات حقه التاريخي والقانوني في أرضه وفق شروط معقدة ومتراكمة تعود إلى العهود العثمانية والبريطانية والأردنية، فضلا عن متطلبات إثبات الاستعمال والزراعة المتواصلة لعقود طويلة.
إن نقل عبء الإثبات بهذه الصورة ليس مجرد إجراء إداري، بل يمثل إعادة صياغة للعلاقة القانونية بين المحتل والسكان الواقعين تحت الاحتلال. فالأصل في القانون الدولي أن الاحتلال هو الحالة الاستثنائية التي تحتاج إلى تبرير قانوني، بينما تتحول المعادلة هنا إلى مطالبة أصحاب الأرض بإثبات حقوقهم أمام سلطة لا تملك أصلا حق التصرف النهائي بالأرض المحتلة.
ولا يمكن فهم هذه الخطوة بمعزل عن التحولات التي شهدتها المنظومة السياسية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، تسارعت عملية نقل الصلاحيات المتعلقة بالأرض والتخطيط والبناء والآثار والتسجيل العقاري من المؤسسات العسكرية التقليدية إلى جهات مدنية يقودها ممثلون مباشَرون عن الحركة الاستيطانية. ويعكس هذا التحول انتقالا تدريجيا من نموذج الاحتلال العسكري التقليدي إلى نموذج الإدارة المدنية الاستيطانية، وهو انتقال يحمل دلالات قانونية وسياسية عميقة تتجاوز مجرد إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية.
ففي حالات الاحتلال التقليدية، تحرص الدول المحتلة عادة على الحفاظ، ولو شكليا، على التمييز بين الإدارة العسكرية المؤقتة وبين مؤسسات الدولة صاحبة السيادة. أما في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الحاجز يتآكل بصورة متسارعة. فكلما انتقلت صلاحية جديدة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات حكومية إسرائيلية مدنية، اقتربت "إسرائيل" خطوة إضافية من تحويل السيطرة الفعلية إلى سيادة فعلية، حتى دون إصدار إعلان رسمي بالضم.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في المنطقة المصنفة (ج)، التي تشكل ما يزيد على ستين في المائة من مساحة الضفة الغربية، وتضم الجزء الأكبر من الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية والاحتياطات الاستراتيجية اللازمة لأي دولة فلسطينية مستقبلية. لذلك فإن الصراع على هذه المنطقة لا يتعلق بمسألة عقارية أو تنظيمية، بل بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ذاته.
كما أن مشروع التسوية الجديد يأتي في سياق أوسع يشمل التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وتسوية البؤر الاستيطانية، وتوسيع صلاحيات المستوطنين داخل أجهزة الحكم، وتحرير سوق شراء الأراضي، وتعزيز السيطرة على المواقع الأثرية والطبيعية. وعندما تُقرأ هذه الإجراءات مجتمعة، فإنها تكشف عن سياسة متكاملة لا تستهدف إدارة الاحتلال، وإنما إعادة تشكيل الإقليم المحتل بصورة تجعل الانفصال عنه مستقبلا أمرا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
من هذه الزاوية، لا تبدو تسوية الأراضي سوى الحلقة القانونية الأكثر تقدماً في مشروع الضم. فالاستيطان يخلق الوقائع المادية على الأرض، بينما تأتي التسوية العقارية لتمنح هذه الوقائع غطاءً قانونياً وإدارياً. وإذا كان الاستيطان يمثل السيطرة على الأرض بالقوة، فإن التسجيل العقاري يمثل محاولة تثبيت هذه السيطرة داخل منظومة قانونية طويلة الأمد.
وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل محدودية الاستجابة الدولية. فعلى الرغم من اتساع الإجماع الدولي على عدم شرعية الاستيطان وعلى اعتبار الأراضي الفلسطينية أراضٍ محتلة، فإن ردود الفعل الدولية ظلت في معظمها محصورة في دائرة الإدانات السياسية والبيانات الدبلوماسية. وقد أتاح هذا الواقع لإسرائيل الاستمرار في فرض وقائع جديدة على الأرض دون مواجهة كلفة سياسية أو قانونية تتناسب مع حجم الانتهاكات المرتكبة.
إن جوهر القضية المطروحة اليوم لا يتعلق فقط بمصير بضعة آلاف من قطع الأراضي أو بإجراءات تسجيل عقاري محددة، وإنما بمستقبل النظام القانوني الذي يحكم الأرض الفلسطينية المحتلة. فحين تتحول سلطة الاحتلال إلى الجهة التي تحدد الملكية النهائية للأرض، وتقرر من يملك ومن لا يملك، فإننا نكون أمام عملية إعادة توزيع للسيادة نفسها، لا أمام عملية تنظيم للسجلات العقارية.
ولهذا السبب، فإن وصف ما يجري بأنه مجرد "تسوية أراضٍ" يختزل حقيقة المشروع القائم. الأدق قانونياً وسياسياً هو النظر إليه باعتباره مرحلة متقدمة من الضم المؤسسي، تُستخدم فيها أدوات القانون والإدارة لتكريس نتائج المشروع الاستيطاني وتحويلها إلى ترتيبات دائمة. فبينما كانت مشاريع الضم التقليدية تُعلن بقرارات سياسية صريحة، يجري اليوم تنفيذ الضم بصورة أكثر هدوءاً وتعقيداً من خلال الخرائط والسجلات والقرارات الإدارية والمحاكم والإجراءات البيروقراطية.
إن المعركة الدائرة حول المنطقة المصنفة (ج) لم تعد معركة حدود أو خرائط فحسب، بل أصبحت معركة على تعريف الأرض نفسها: هل هي أرض محتلة تخضع لقواعد القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، أم أنها فضاء قانوني مفتوح تستطيع قوة الاحتلال إعادة تشكيله وفق مصالحها الاستيطانية؟ والإجابة التي تحاول الحكومة الإسرائيلية فرضها اليوم لا تأتي عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر سجلات الطابو أيضاً.