خطة لتطوير موارد الحكومة.. كيف يمكن لخبرات فلسطينية حقيقية أن تتحول إلى مورد يدعم الموازنة العامة؟


Case

2026-09-22 13:15

Copy Link

(الجزء1)

تحت وطأة احتلال يسعى لقتل كل بارقة استثمار سيادي للفلسطينيين، يظهر سؤال في بال كل فلسطيني، لماذا نسكن ونمدد أرجلنا بالزاوية كلما عصفت بنا المقاصة؟ ألم نمر بهذا الحال مرات ومرات؟ لعل السبب الأول هو غياب سياسات وطنية شاملة وجامعة، فكلما جاءت حكومة جديدة عدنا لنعيد البناء وكأن التقويم بدأ من عند الحكومة الجديدة، ألا يجب كسر دائرة السقوط الحر في الأزمات من خلال تخطيط حقيقي غير قائم على فكر الوزراء "التجديدي"، ألا ينبغي إدارة تمويل بنجاعة، والابتعاد عن "وجهات النظر"، وحمايتها من التجاذبات؟

أما السؤال الذي يبدو بلا إجابة للوهلة الأولى: لماذا لم تسعَ الحكومة الفلسطينية (وليس منظمة التحرير) لإنشاء مؤسسة مستقلة دولية قائمة على شراكاتPPP) ) متخصصة، كألف نموذج دولي موجود، على أن يكون لها مهمتين، الأولى "تصدير" الكفاءة الفلسطينية "الحقيقية" في مختلف المجالات إلى الخارج، والحديث هنا ليس عن العمالة، والثانية: استجلاب الشراكات والعقود والمشاريع الكبرى في البنية التحتية والطاقة والاتصالات والابتكار وغيرها من المشاريع العملاقة المدرة للربح (دوليا لا محليا)، على أن تغذي عوائد هكذا مؤسسة خزينة دولة تعاني عجزاً مزمناً، دون أفق حقيقي لتجاوز العقبات، تحاول هذه المقالة تقديم أول فكرة من مجموعة أفكار تساعد في ردم الفجوات التمويلية الحكومية.

الفكرة تنطلق من مفارقة صارخة: فلسطين تملك من الكفاءات الهندسية والإدارية والتقنية والفنية في مجالات مختلفة، وهذا ينطبق على الحال داخل الوطن وفي الشتات، بطريقة لا تتناسب مع ضيق الفرص المتاحة لاستثمارها محلياً، بالإضافة الى القيود المفروضة على السيادة الاقتصادية، والسيطرة على الموارد الطبيعية والمجال الجوي، وتقييد حركة المواد والمعدات والاستثمارات الكبرى، مقابل سوق دولية متنامية ومفتوحة للشركات الخبيرة الدولية في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية لتنفيذ المشاريع في هذه المجالات، ألا يمكننا أن "ننال من الجمل أذنه" في هذه السوق، بناء على كل هذه العوامل؟!

كيف نحول الفكرة الى مقترح؟ 

من هنا يأتي المقترح المبنى على الفكرة، يتوجب إنشاء شركة دولية مستقلة تماما، على صيغة شركة قابضة حكومية (Government-owned SPV) بدلاً من هيئة عامة تقليدية، لما توفره من مرونة تعاقدية وتشغيلية تشبه عمل الشركات لا الوزارات، وتتولى بناء شراكات مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص المحلي من ناحية التمويل والعمالة، ومع القطاع الدولي من حيث التمويل وتنفيذ المشاريع، مهمتها تنفيذ مشاريع خارج الحدود الفلسطينية حصراً، لتجاوز تغول الاحتلال على مقدراتنا، على أن تبنى هذه المؤسسة بنموذح تشغيلي يجمع بين المشاركة المباشرة كطرف منفذ للمشاريع ضمن ائتلافات دولية (Consortium)، والعمل كجهة وساطة وتيسير تربط الشركات الفلسطينية المؤهلة بفرص التمويل والتنفيذ في الخارج، للعمل في أسواق أولية تُختار وفق معايير الاستقرار السياسي، وتمتين العلاقات الدبلوماسية الفلسطينية، وعلى أن يكون مقرها خارج فلسطين بالضرورة.

التمويل والأرباح، هل هو السؤال الأكثر خطورة؟

ولعل السؤالين الأكثر حرجا لنجاحها، من أين سنحصل على رأس المال التأسيسي للمؤسسة؟ وأين ستذهب عوائدها الربحية؟ توفير رأس المال هو مسؤولية الحكومة الفلسطينية بعلاقتها مع الشركاء الدوليين والعلاقة مع القطاع الخاص الفلسطيني بالداخل، فنحن أصلا غرقى بالأزمات، وتحويل تمويلي من موازنة الحكومة ومانحيها لن يعمق الأزمة التي أوردتنا قيعان الوديان أصلا، أما السؤال الثاني وهو الأخطر حول إيراداتها، فيتوجب إيجاد حساب بنكي خارجي مستقل تماماً عن وزارة المالية أو أية جهة حكومية، فهي بالنهاية شركة دولية، ويجب إنشاءه لدى بنك مراسل في دولة ثالثة – الأردن مثلا بحكم العلاقة المصرفية القائمة تاريخياً بين الجهازين المصرفيين الفلسطيني والأردني - بحيث تجري تدفقات العوائد الدولية بمعزل كامل عن حسابات السلطة الوطنية المحلية المرتبطة بآلية المقاصة مع المحتل، وذلك لتجنيب عوائد المؤسسة أي تجميد أو اقتطاع قد يطال حسابات السلطة، على غرار ما يتكرر مع أموال المقاصة، وذلك بجعل نشاط المؤسسة دولي بالكامل ولا صلة مباشرة له بالإيرادات السيادية المحلية، والتحويلات من هذا الحساب إلى الموازنة العامة تكون دورية ومجدولة، لا تلقائية أو لحظية، عبر قنوات رسمية معتمدة، بما يحفظ فصلاً زمنياً وقانونياً واضحاً لحساباتها.

أما توزيع الأرباح فمقترح أن يخضع لنسبة ثابتة تُعتمد في النظام الأساسي للمؤسسة منذ اليوم الأول: مثلا %15 من صافي الربح السنوي تُعاد كاستثمار في المؤسسة نفسها (تطوير كوادرها، وتوسيع نطاق عملها، وتعزيز قدرتها التنافسية في المناقصات الدولية) بينما تذهب النسبة الأكبر، 85%، مباشرة للشركاء في المؤسسة، ومنها الحكومة، ليتم تغذية الموازنة العامة للسلطة الوطنية بنسبة لا تقل عن 60% من العوائد وفق حصصها بالشركة الدولية، واعتماد نسبة ثابتة، لا متدرجة أو متغيرة، لمنح الوضوح والثقة وقابلية التنبؤ، ويقلل من مساحة الخلاف المستقبلي حول الحصص.

من يراقب من؟ 

حتى لا يتحول حسابها الدولي إلى ثغرة رقابية، يتم إخضاع المؤسسة بقانون تأسيسها، وبقانون الدولة المستضيفة لتدقيق مالي خارجي مستقل، عبر التعاقد الإلزامي مع إحدى مؤسسات التدقيق العالمية الأربع الكبرى (Deloitte أو PwC أو EY أو KPMG على أن يتكرر هذا التدقيق سنوياً على الأقل، مع تدوير مكتب التدقيق كل خمس إلى سبع سنوات حفاظاً على استقلاليته، هذا الشرط يخدم غرضين في آن واحد: يمنح ديوان الرقابة المالية والإدارية ومجلس الوزراء ضماناً مستقلاً على دقة الأرقام رغم بُعد الحساب جغرافياً، ويعزز في الوقت نفسه ثقة البنوك المراسلة والشركاء المحليين و الدوليين بالمؤسسة، في وقت تتزايد فيه حساسية النظام المصرفي العالمي تجاه أي كيانات مرتبطة بالسلطة الفلسطينية، أما بخصوص التدقيق الإداري، فهو مهمة لديوان الرقابة العضو الدائم في مجلس الإدارة، وبمعزل تام عن أي مؤسسة أخرى قد تكون مدخلا لأي نوع من أنواع الفساد الإداري.

وماذا عن بروتوكول باريس الاقتصادي والمخاوف الدولية؟

إن مسألة الحساب الخارجي تحديداً تفتح باب تساؤلات قانونية لا يمكن تجاوزها، أولها: هل يتعارض هذا الترتيب مع بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، وترتيباته الكارثية، يمكن المعالجة من خلال توثيق قانوني رسمي - عبر رأي قانوني دولي متخصص - يؤكد أن نشاط المؤسسة دولي بالكامل، يُنفَّذ خارج الأراضي الفلسطينية، ولعملاء لا يخضعون للسيادة الجمركية أو الضريبية المشتركة، وبالتالي فهو خارج نطاق البروتوكول أصلاً، مع فصل صارم في الأنظمة الداخلية بين هذا حساب الشركة وأي إيرادات جمركية أو ضريبية مشتركة، أما التساؤل الثاني، فيتعلق بمخاطر الامتثال المصرفي الدولي وظاهرة امتناع البنوك عن التعامل مع كيانات فلسطينية (De-risking)، وهنا يمكن تأسيس المؤسسة بصيغة قانونية دولية معترف بها - شركة قابضة مسجلة في الأردن أو في مركز مالي دولي كمركز دبي المالي - مع تطبيق معايير امتثال صارمة منذ اليوم الأول، والتعاقد مع بنك أردني ذي علاقات مراسلة مستقرة، وإشراك جهة تمويل تنموية دولية كضامن أو مساهم لتعزيز الثقة المؤسسية، ولسدّ الفراغ القانوني الثنائي، يُقترح التفاوض على مذكرة تفاهم أو اتفاقية إطارية مع الجانب الأردني، إلى جانب تسجيل المؤسسة رسمياً كشركة أردنية بملكية فلسطينية كاملة، وهو ما يمنحها هوية قانونية واضحة أمام البنوك بدلاً من بقائها كياناً غامضاً، وحتى لا تفلت الشركة من إطار الرقابة المحلية، يُلزَم النظام الأساسي المؤسسة بتقديم تقارير مالية دورية مدققة لديوان الرقابة ومجلس الوزراء، مع إشراك ممثل عن ديوان الرقابة كعضو مراقب في مجلس الإدارة، ونشر تقرير سنوي علني بحجم العوائد والتحويلات.

ما هي الترتيبات المؤسسية؟

يتوجب رسم حدود واضحة مع الجهات القائمة، فمع صندوق الاستثمار الفلسطيني، يُفترض أن تنشأ علاقة تكاملية لا تنافسية: الصندوق يبقى مستثمراً إستراتيجياً طويل الأمد عبر حقيبة استثمارية متنوعة داخل فلسطين وخارجها، بينما تتخصص المؤسسة الجديدة في تنفيذ وتشغيل مشاريع خدمية وبنيوية دولية محددة الأجل، ويمكن أن يكون الصندوق أحد مصادر التمويل التأسيسي لها، ومع الوزارات القطاعية مثل الأشغال العامة، والاتصالات، والطاقة وغيرها، تُبنى آلية تنسيق فني تتبادل الخبرة معها، وتسورد الكفاءات منها دون ازدواجية في الصلاحيات، على أن تبقى الوزارات معنية بالشأن المحلي فيما تتفرغ المؤسسة للنشاط الدولي، أما مع وزارة المالية، تُحدَّد آلية اعتماد واضحة لتحويلات الدعم للموازنة، دون أي سلطة من وزارة المالية عليها، وضمان عدم المساس بالاستقلالية التشغيلية اليومية للمؤسسة من أي جهة محلية، أما الترتيبات الإدارية بمختلف جوانبها، فهذه صلاحية مجلس إدارتها وبعضوية مراقب من ديوان الرقابة الإدارية والمالية.

ما هي تكلفة المقترح، وكيف ستنمو أعمال المؤسسة؟

بقي السؤال الأكثر إلحاحاً: كم يكلّف إطلاق مؤسسة بهذا الحجم؟ وفق تقديرات استرشادية أولية، تبلغ الموازنة التأسيسية اللازمة نحو 500 مليون دولار، موزعة كما يلي:


وإن مسار النمو هو المتوقع والمتفائل على مدى عقد كامل، فيُقدَّر أن تنطلق الإيرادات من 40 مليون دولار في السنة الأولى لترتفع تدريجياً حتى تبلغ 700 مليون دولار في السنة العاشرة، مع تحول صافي الربح من 6 ملايين دولار إلى 195 مليون دولار خلال الفترة ذاتها، وبتطبيق قاعدة توزيع الأرباح الثابتة (15% للمؤسسة، 85% للشركاء)، ينمو رأس المال المؤسسي من 500 مليون دولار عند التأسيس إلى نحو 623 مليون دولار بحلول نهاية السنة العاشرة، في حين يبلغ إجمالي الربح المتراكم المتوقع تحويله إلى الشركاء خلال العقد الأول نحو 697 مليون دولار:

 

ورغم جاذبية هذه الأرقام، يبقى المشروع محفوفاً بمخاطر لا يمكن التقليل من شأنها: أولها ضمان الكفاءة والفاعلية في أعمالها لحصد الثقة الدولية، ثم الاستقلالية المطلقة عن أي تجاذبات، وبنائها على أهل الكفاءة وليس أهل الثقة، كما أن تفاوت الاعتراف الدبلوماسي في بعض الأسواق المستهدفة خطر ينبغي على الدبلوماسية الفلسطينية حل عقدها، والسؤال الأهم: هل نستطيع تسويق الكفاءات الفلسطينية لتمتلك قدرة تنافسية لازمة للفوز بعقود في أسواق دولية مزدحمة بمنافسين إقليميين وعالميين أكثر رسوخاً وخبرة تعاقدية؟

خاتمة:

يبقى هذا التصور، في نهاية المطاف، استجابة مؤسسية طموحة لواقع اقتصادي مقيَّد يحتاج مأسسة وتخطيط، علما أنهلا توجد دول متقدمة ودول متخلفة، بل إدارة متقدمة وإدارة متخلفة، فلنطلق يد الخبراء الإداريين والفنيين بعيدا عن قهر المراتب والتجاذبات، ونجاح المقترح مرهون بالتدرج: دراسة جدوى شاملة تختبر هذه الأرقام قبل أي خطوة تأسيسية، تشريع واضح يحدد الصلاحيات وآليات المساءلة، تجربة تجريبية محدودة النطاق في قطاع دولي واحد - يُقترح الطاقة المتجددة لنضج الخبرة الفلسطينية فيه - قبل التوسع إلى بقية القطاعات الدولية الأخرى، وترتيبات مالية وقانونية موثقة مع الجانب الأردني منذ اليوم الأول، وفي كل الأحوال، يبقى الالتزام بمعايير حوكمة وشفافية دولية صارمة هو الضامن الأساسي لاستدامة هذه المؤسسة وثقة شركائها الدوليين بها، وكما قلنا، هدف هذا التصور هو الخروج من عادة الوقوع بالأزمة كما "دق كوز" المقاصة في "جرة" الايرادات، ووضع تصور بعيد المدى وخارج الصندوق للتفكير الإيجابي الممكن.

..........................................................................

*خبير حوكمة المؤسسات وإصلاحها\ مختص إدارة المنح والمساعدات الدولية

>