
2026-03-12 15:48
يأتي الثامن من آذار من كل عام، وتحتفل دول العالم بيوم المرأة العالمي احترامًا وتقديرًا لجهود وإنجازات المرأة في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل في القطاعات كافة.
وفي هذا السياق، فإن قيمة هذا اليوم تكمُن في التأكيد على ضرورة احترام حقوقهن عبر تحقيق العدالة والمساواة، والقضاء على الممارسات الضارة كالظلم والتهميش والإقصاء تجاههن.
وفي سياق الحديث عن الحالة الفلسطينية، فإن المرأة الفلسطينية شريك أساسي في مسيرة النضال والصمود والبناء، حيث يمتاز دورها وحضورها في مختلف الميادين بأنه فعال بشكل "ثابت ومستدام"؛ لذلك، فالحالة الفلسطينية مميزة من ناحية الاهتمام بالمرأة وحقوقها، والسبب وراء ذلك أن جهود وإنجازات المرأة على كافة الصعد قد تكللت بالنجاح، وأيضاً فاعلية المسيرة النضالية الوطنية رفضاً لظلم الاحتلال وإجراءاته، فالمرأة الفلسطينية حاضنة المسيرة الوطنية والمؤسساتية والمجتمعية بكل أبعادها في سبيل الحرية والبناء والعمل الديمقراطي المستدام.
في المقابل، فإن غياب الحوكمة والرقابة الفعلية للتحقق من أداء القائمين والعاملين في السلطات التنفيذية والقضائية الرسمية بهدف تعزيز الشفافية والمحاسبة في حال حدوث تقصير أو إهمال عند البعض، ينتج عنه ظلم وتهميش وإقصاء تجاه أم فلسطينية في الثمانينيات من العمر كما سنرى.
وفي هذا السياق، فإن عائلة الشقيقين عمار وضياء رشيد الديك رحمهما الله، ما زالت تنتظر العدالة لقضية ابنيهما المنظورة أمام محكمة بداية رام الله دون البت فيها منذ خمس سنوات، بعد أن أخفق الدفاع المدني الفلسطيني في إنقاذهما من داخل بئر المنزل، حينما انقطع عنهما الأكسجين أثناء تنظيف البئر ليكون صالحا لشرب الماء النقي للعائلة. وهذا ما أكده تقرير تقصي الحقائق بالحادثة، الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" في فلسطين، في نوفمبر 2020.
إن استنتاجات وتوصيات تقرير تقصي الحقائق الصادر عن الهيئة "تحمل جهاز الدفاع المدني مسؤوليته عن الحادث من مجمل الأحداث التي تم توثيقها في الحادث وإخفاقه في الإنقاذ، وقيام شخص مدني بانتشال الأخوين الديك". (انظر ص40 من التقرير).
والملاحظ أن هناك عدم اهتمام واكتراث من قبل جهاز الدفاع المدني الفلسطيني للتحقق من إهمال وتقصير أفراده في محافظة سلفيت أثناء مجريات حادثة الأخوين الديك، لا سيّما أن قيادة الجهاز لم تقم بإجراء تحقيق داخلي بالحادثة؛ بهدف المساءلة والمحاسبة، أو تقديم أي توضيحات عن الإهمال والتقصير الذي حدث، والاكتفاء بنتائج واستنتاجات اللجنة التي تم تشكيلها من محافظة سلفيت آنذاك، وهو ما أكدته مراسلة الدفاع المدني للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بهذا الصدد، واستنتاجات ونتائج التقرير. (انظر ص40 و55 من التقرير)
وعليه، يبقى السؤال المركزي لهذه المقالة مطروحاً: أين المؤسسات الرقابية، أجهزة أمن الدولة، والسلطات التنفيذية والقضائية وغيرهما، للاهتمام بقضية "الأخوين الديك" وما رافقها من أحداث؟! وأين إجراءات المتابعة والتقييم لأداء العاملين على صعيد المؤسسات المدنية والأمنية في محافظة سلفيت تجاه حادثة "الأخوين الديك"؟! لاسيما أن أعضاء اللجنة التي قام بتشكيلها محافظ سلفيت السابق إبان الحادثة، يونيو 2020، المكلفين بالتحقيق في الحادثة، هم مدراء وقادة المؤسسة الأمنية في محافظة سلفيت، حيث لم يكن هناك أي ممثل عن العائلة أو جهة رقابية أو مختصة بالإنقاذ في تلك اللجنة، (انظر ص61 من التقرير). وفي هذا السياق، طالبت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في تقريرها الخاص بالحادثة، لجنة التحقيق الرسمية في محافظة سلفيت بإعادة النظر في التقرير الرسمي الصادر عنها، والتركيز على مجريات الإنقاذ والتحقق من أداء القائمين عليه بدلاً من تحميل الضحية المسؤولية، والاستعانة بخبراء أو جهات مختصة بالإنقاذ و تمثيل العائلة فيها.
لقد غاب عن الساسة الفلسطينيين وأصحاب القرار في تلك المسألة أن الأم الفلسطينية "أم الأخوين الديك" التي تجاوز عمرها ثمانين عاماً، مازالت تعيش حالة من الصدمة والإغتراب نتيجة هذا الإهمال وعدم الاكتراث، إضافة لوجع غياب ولدَيْها اللذين ارتقيا في ريعان العمر والشباب، وبالفعل لا أحد يستطيع الإحساس بهذا الشعور سوى من لديه الوجع، الذي لا نريده لأحد. وفي هذا السياق، فإن عدم الاكتراث والاهتمام من السلطات التنفيذية والقضائية بحادثة وفاة "الأخوين الديك" وما رافقها من أحداث وتطورات، رغم أن القضية مقدمة في المحكمة باسم الأم، ولم يتخذ بها أي إجراء ملموس منذ خمس سنوات، وتؤجل دون معرفة الأسباب، يضع الحالة الفلسطينية على المحك بجدية الاهتمام بحقوق الأم الفلسطينية، فهل هي شعار أم حقيقة؟! لاسيما عند الحديث عن حالة "أم الأخوين الديك"، أم سقطت عنها حقوق مواطنة الأم الفلسطينية ونحن لا نعرف!
في المحصلة، عند الحديث عن احترام حقوق المرأة الفلسطينية فإن الأمر يجب أن يرتبط بالمعايير الأخلاقية قبل المعايير القانونية والإدارية وغيرهما، وهذا حق مقدس لا يحتاج من أحد ليذكرنا بالحقوق والواجبات تجاه المرأة والأم الفلسطينية التي يستوجب أن تكون فعالة "بحزم وثبات"، خصوصا أن الأم الفلسطينية عانت وتعاني أشد الظروف والأحداث بالصبر والصمود والثبات. وفي هذا السياق، فإن حالة "أم الأخوين الديك" تجعل حقوق المرأة والأم الفلسطينية في حالة من النسيان في الواقع، دون تعميم ذلك على الكل الفلسطيني، فحالة "أم الأخوين الديك" استثناء؛ كونها تعيش قضية فعالة وحقيقية وليست خيالا. وعليه، نستطيع القول إن "أم الأخوين الديك" في ثمانينيات العمر هي ضحية "الظلم والتهميش والإقصاء" نتيجة عدم الاهتمام والاكتراث بقضية أبنائها من قبل الجهات التنفيذية والقضائية الفلسطينية بشكل واضح؛ وذلك بهدف مجاملة وإنقاذ المسؤول من المساءلة والمحاسبة على حساب الضحية، بحيث يتم تجاهل حقوق الأم الفلسطينية "أم الأخوين الديك" التي تتمتع بحقوق المرأة وفقاً للقانون تماشياً مع المبادئ والنصوص الربانية والوضعية على حد سواء أمام كل المحافل والمرجعيات.
https://www.ichr.ps/public/page/122148 رابط تقرير تقصي الحقائق الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بحادثة وفاة الشقيقين عمار وضياء رشيد الديك
.............................................
*باحث فلسطيني بالشأن الصيني والدولي