
2026-10-09 12:50
لم يبدأ الخطأ في تأجيل الانتخابات، بل في الدعوة لها دون توفير الحد الأدنى من متطلبات إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحترم نتائجها، وفي عدم ترافقها و تأجيلها دون الالتزام الأكيد بوضع خطة للإنقاذ الوطني تتضمن موعدا جديدا لإجراء الانتخابات ضمن ميثاق يلتزم به الجميع ويتضمن الاعتراف بنتائجها والاحتكام لقواعد العمل الجبهوي التي تناسب أي حركة تحرر وطني، والمعضلة الكبرى في استمرار غياب الرؤية والاستراتيجية والقيادة الموحدة، وفي التعامل مع الانتخابات كأنها الحل أو عصا سحرية. فلا تغيير بالانتخابات لوحدها حتى في الدول المستقلة ذات السيادة ولا بغيرها.
فما لم تتوافر قوى تغييرية لا تغيير، مثلما لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين، ولا ثورة بلا ثوار،. لذا فإن النقص الأكبر هو غياب قوى تغييرية واقعية وطنية وثورية ذات وزن ومتميزة عن القائم، والمطلوب التفكير والعمل لإيجادها، واللحظة مناسبة، وهناك نضج متزايد لحدوث التغيير؛ لأن قطاعات كبيرة تبحث عن جديد وطني ديمقراطي، وغيرها تبحث عن مجرد تغيير الوجوه وربما بعضها أسوأ من الوجوه القائمة.
أما تأجيل الانتخابات فيرجع في أسبابه العميقة إلى الاحتلال الذي يتدخل في كل مراحل العملية الانتخابية للتأثير عليها أو لمصادرة نتائجها كليا أولا وثانيا وثالثا ... وتاسعا، والانقسام وغياب التوافق الوطني على إجرائها عاشرا، فأي منافسة أو لعبة رياضية أو غيرها يسبقها توافق على قواعد وإجراءات اللعبة، هذا في الوضع العادي فكيف بالنسبة للواقع الفلسطيني الاستثنائي التي تآكلت فيه كل الشرعيات بحيث ليس مقبولا أن يتصرف الرئيس وكأنه رئيسا بكل الصلاحيات المتعارف عليها، لذا يرجع التأجيل إلى انفراد الرئيس بالقرار وشعوره بعد الاستطلاعات واتضاح بعض معالم القوائم والمعركة الانتخابية احتمالية الخسارة، وإلى عدم تبني استراتيجيات جديدة بديلة عن الاستراتيجيات التي وصلت إلى طريق مسدود، ووجود أولويات ملحة فالنيران تشتعل داخل البيت والأولوية لإطفائها، كما يرجع إلى عدم جاهزية القيادة والفصائل للانتخابات ولا لغيرها، وفوضى وانقسام فتح وعدم وحدتها، فتأجيل الانتخابات كان مكتوبًا على الحائط لمن أراد أن يرى. فمنذ البداية بدت النية متجهة إلى عدم إجرائها :
بحجج وجيهة مثل استمرار الابادة والتهجير والضم والفصل العنصري وتصاعد العدوان والاستيطان واعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال والإمعان في إضعاف السلطة والسعي لتقويضها لاستكمال تجويفها أو لتفكيكها ونزع سلاحها وإيجاد سلطات محلية عميلة وربما نقل تجربة مجلس الوصاية الذي يسمى زورا بالسلام إلى الضفة، وفي رفض دولة الاحتلال الانتخابات لمليون سبب وبحجة مشاركة حماس بشكل مباشر أو غير مباشر، ورفض إدارة ترامب للانتخابات بدليل عدم ردها على سؤال السلطة لأن عدم الرد رد، ولأن مجلسا تشريعيا منتخبا يسبب ازدواج سلطة ومرجعية بينه وبين مجلس السلام وهذا الرفض عبر عنه ميلادينوف في إحدى اللقاءات مع أطراف فلسطينية.
وباستخدام ذرائع واهية مثل الانتخابات في القدس أو غيرها فهناك بدائل إذا توفرت الإرادة.
والتأجيل مكتوب على الحائط نظرا للبدء بالدعوة إلى "انتخابات" المجلس الوطني من أجل انتخاب الرئيس من المجلس الوطني، ثم التراجع عن ذلك بعد الضغوط الخارجية، ثم الدعوة لمجلس تشريعي من 200 عضو، وبعد ذلك اختصاره إلى 132، على أن يتم تعيين 68 عضوا من الضفة والقطاع، ويظهر في اختيار توقيت غير مناسب لإجراء الانتخابات، ورفض الاقتراحات المقدمة لتأخير الانتخابات لحين اتضاح تركيبة الحكومة الإسرائيلية الجديدة ونتيجة الانتخابات الأميركية ومصير العدوان على ايران، فالتوقيت بينما لا تزال حكومة نتنياهو في الحكم حتى إذا خسرت الانتخابات يؤشر إلى احتمال تأجيلها بالرهان على الرفض الإسرائيلي المحتوم، ووضع قيود على الترشح تتضمن الالتزام ببرنامج المنظمة الذي يمس جوهر العملية الانتخابية باعتبارها تنافس بين برامج ويحولها إلى تنافس على المواقع والمصالح، والتخبط والارتجال في إجراءات الانتخابات وقوانينها مثل حصة المسيحيين ومسرحية المجمعات الانتخابية، وتخفيض نسبة الحسم التي تحول الانتخابات العامة انتخابات محلية، ورفض السلطة لمشاركة حماس بالانتخابات بحجة أنها مرفوضة دوليا وإسرائيليا، وتهديد إسرائيلي لحماس وفصائل المقاومة بالاستهداف، اعتقالًا واغتيالًا، إن هي خاضت الانتخابات.
عن أي انتخابات ديموقراطية يجري الحديث وفصائل أساسية ممنوعة من المشاركة، وهذا لوحده يستدعي ضرورة التوافق على كيفية التعامل مع اعتداءات وتدخلات الاحتلال لمنع الانتخابات أو مصادرة نتائجها.
بعد كل ذلك :
هل يمكن اختصار التأجيل بمبادرة "الشعبية"، وتوصية الفصائل أو التي اجتمعت بالقاهرة ؟ أم أن المبادرة والتوصية استخدمتا كمخرج للتأجيل لا أكثر؟
وهل ستبقى أسطورة أن الانتخابات مفروضة من المجتمع الدولي؟ أم علينا أن ندرك أن لا أحد يعيرنا الاهتمام المطلوب وعلينا أن نعرف مصلحتنا التي تكمن في نظام سياسي فاعل و قيادة شرعية تعددية ذات مصداقية وهي لا تأتي إلا ضمن مشروع وطني من ركائزه التوافق الوطني والبرنامج الوطني والانتخابات .
وللحديث صلة.
