بين التصعيد والتسوية: سيناريوهات الرد الإيراني على التهديد الأميركي


Case

2026-01-14 11:11

Copy Link

يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب منسوب التهديدات ضد إيران، من دون أن يحدّد طبيعة الاستهداف أو توقيته، في خطاب يتّسم بالتناقض بين التصعيد العلني والتراجع العملي. هذا الغموض لا ينفصل عن سياقات داخلية أميركية وإقليمية معقّدة، ما يفتح الباب أمام جملة من السيناريوهات المحتملة، يصعب الجزم بأيٍّ منها، لكن يمكن مقاربتها وتحليلها وفق معطيات سياسية وأمنية قائمة.

السيناريو الأول: تحريك الشارع الإيراني

يرتكز هذا السيناريو على محاولة الولايات المتحدة إعادة إحياء الاحتجاجات الشعبية داخل إيران بعد أن تراجعت حدّتها بشكل كبير. غير أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفًا، إذ إن الشارع الإيراني شهد تحوّلًا ملحوظًا تمثّل بخروج مسيرات مليونية مؤيدة للنظام، ما حدّ من قدرة أي حراك معارض محدود على فرض نفسه كقوة تغيير.

إضافة إلى ذلك، تركت التدخلات الأميركية والإسرائيلية المباشرة في الشأن الداخلي الإيراني، وما رافقها من اتهامات بالتحريض على العنف والتخريب، أثرًا سلبيًا واسعًا في الرأي العام الإيراني. كما برز تساؤل مركزي داخل المجتمع: إذا كانت واشنطن حريصة فعلًا على تحسين ظروف الإيرانيين المعيشية، فلماذا تواصل تشديد العقوبات التي تطال الاقتصاد والدواء والغذاء، وتهدد الدول المتعاملة مع إيران بفرض رسوم عقابية تصل إلى 25%؟

بناءً عليه، يمكن اعتبار هذا السيناريو شبه مستبعد.

السيناريو الثاني: الحرب السيبرانية والاختراق الرقمي

يفترض هذا السيناريو لجوء الولايات المتحدة إلى شن هجمات سيبرانية تستهدف مؤسسات وبنى تحتية حساسة، بالتوازي مع محاولة كسر السيطرة المعلوماتية عبر توفير الإنترنت داخل إيران بواسطة أقمار “ستارلينك”.

في المقابل، اتخذت إيران إجراءات استباقية، أبرزها تقليص أو قطع الاتصال بالإنترنت العالمي، بهدف منع الاختراقات السيبرانية، وحرمان أي مجموعات مسلحة أو تخريبية من استخدام الشبكة كوسيلة للتواصل والتوجيه.

وفي ما يتعلق بأقمار “ستارلينك”، تشير تقديرات تقنية إلى أن إيران نجحت في تفعيل آليات تشويش متقدمة عطّلت نسبة كبيرة من حركة البيانات وصلت الى نسبة 80 % بحسب الخبراء، في تطور لافت ضمن الصراع الرقمي المتصاعد بين الطرفين.

السيناريو الثالث: ضربة أميركية محدودة

يقوم هذا السيناريو على تنفيذ ضربة عسكرية محدودة، تستهدف مواقع غير حيوية أو خالية، بهدف توجيه رسالة سياسية و"حفظ ماء الوجه" بعد تصعيد الخطاب الأميركي.

وتسعى عدة دول إقليمية، من بينها السعودية وسلطنة عمان وقطر، إلى منع انزلاق الأمور نحو مواجهة أوسع، لما لذلك من تداعيات مباشرة على أمن المنطقة واقتصاداتها، لا سيما أسواق الطاقة، بحسب تقارير لصحيفة وول ستريت جورنال الامريكية.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، من المرجّح أن يتم ضمن ترتيبات وساطات، بحيث يأتي الرد الإيراني مضبوطًا ومتناسبًا، ما قد يفتح نافذة تفاوض جديدة قائمة على توازن المصالح. ويشمل ذلك ملفات حساسة مثل التخصيب النووي، والقدرات الصاروخية، والدور الإقليمي لإيران، ضمن معادلة اعتراف متبادل بالأدوار والنفوذ في المنطقة.

السيناريو الرابع: مواجهة عسكرية واسعة

وهو أخطر السيناريوهات، إذ يفترض تنفيذ هجوم أميركي واسع قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة.

وفق التصريحات الإيرانية، سيكون الرد في هذه الحالة سريعًا ومفاجئًا، مع تركيز على نقاط الضعف الأميركية في المنطقة، بما يشمل القواعد العسكرية، والوجود البحري، وحلفاء واشنطن، وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى احتمال إغلاق مضيق هرمز تبعًا لمسار التصعيد.

وقد أظهرت مواجهات سابقة جانبًا من القدرات الإيرانية، سواء الصاروخية أو غير التقليدية، من دون الكشف عن كامل ترسانتها أو إشراك جميع أذرعها العسكرية، ما يعزز منسوب الردع ويزيد كلفة أي مواجهة مفتوحة والمثال في ذلك معهد وايزمن المعروف بالعقل النووي الاسرائيلي و112 مبنى حوله تم تدميرها واعطابها بصاروخ واحد.

السيناريو الخامس: العودة إلى طاولة المفاوضات

يفترض هذا السيناريو تراجع لغة التهديد لصالح المسار الدبلوماسي، عبر وساطات إقليمية ودولية. وتدعمه مؤشرات على ليونة نسبية في خطاب ترامب، الذي انتقل من التلويح بالخيار العسكري إلى الحديث  اذا ما قتلت ايران " المتظاهرين" ثم هدد بـ “إجراءات قوية” غير محددة،  اذا ما اعدمتهم، ما يعكس هامشًا للمناورة السياسية.

ويُعد هذا السيناريو من أكثر الاحتمالات واقعية، في ظل إدراك الطرفين كلفة التصعيد، وتشابك المصالح الدولية، وحاجة واشنطن إلى تهدئة جبهات متعددة، مقابل سعي طهران لتكريس معادلة الردع والاعتراف بدورها الإقليمي.

بين التصعيد والتسوية، تبدو المنطقة واقفة على مفترق طرق حساس. ورغم تعدد السيناريوهات، فإن الضربة المحدودة أو العودة إلى المفاوضات يبدوان الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور، في ظل توازن الردع القائم، وضغوط الإقليم، وحسابات الكلفة والعائد لدى الطرفين. غير أن استمرار الغموض في الموقف الأميركي يبقي كل الاحتمالات مفتوحة، ويجعل أي خطأ في الحسابات شرارة قد تشعل مواجهة أوسع يصعب احتواؤها

>