
2025-05-06 11:40
جهاد حرب
مقدمة
أظهر إصدار الرئيس محمود عباس قرار بقانون بشأن إحالة الضباط ممن هم برتبة عميد من قوى الأمن الفلسطينية إلى التقاعد المبكر مسألتين؛ الأولى: أنّ لدى الرئيس رغبة بعملية إصلاح في قطاع الأمن، والثانية: أن خللا قائماً في بنية قطاع الأمن في مسألة الرتب العسكرية والحجم الكبير منها في المؤسسات الأمنية. وبالرغم من أن هذه الخطوة ستزيل بعضاً من الخلل القائم "الهرم المقلوب" في البنية التنظيمية في قطاع الأمن، إلا أنّ عملية الإصلاح هذه لن تستقيم دون القيام إصلاح شامل في قطاع الأمن، كي لا تتكرر مسألة إحالة حجم كبير من الضباط إلى التقاعد بهذه الطريقة في ظل أوضاع مالية غاية في الصعوبة؛ فقد أشارت صحيفة القدس قبل عشرين عاماً أنّ الرئيس محمود عباس أصدر قرار بإحالة ألف ضابط إلى التقاعد في الرابع من نيسان 2005 أي بداية ولايته الرئاسية، وبعد عشرين عاماً قرر إحالة عددا وافرا من الضباط ممن هم في رتبة عميد والحديث يدور عن إحالة ضباط برتب متعددة إلى التقاعد في الأيام القادمة.
تأتي هذه الإحالة إلى التقاعد في ظل وجود ضغوط عربية متعددة لإجراء عملية إصلاح للسلطة الفلسطينية تمثلت بمطالبة القمة العربية الطارئة "قمة فلسطين" (والتنويه إلى أنّ جهود الإصلاح داخل دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية هي خطوات ضرورية لتمكين المؤسسات الوطنية الفلسطينية من أداء مهامها بفعالية في مواجهة التحديات، والحفاظ على وحدة القرار الوطني، وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود وتحقيق تطلعاته المشروعة إلى الحرية والاستقلال."[2] وفي ذات الوقت يبدو أنها تأتي في ظل التحضيرات لانتقال الحكم وإبعاد مراكز القوى والنفوذ عن استخدام بقايا امتداداتها في الأجهزة الأمنية.
تشير التجارب الدولية لعملية الإصلاح في قطاع الأمن إلى أنّ نجاح عملية الإصلاح يعتمد على توفر أربعة شروط مساندة لعملية الإصلاح هي: (1) أنْ تكون عملية الإصلاح ممتدة وتدريجية على مستويات عدة. و(2) وأن تؤسس لعقيدة جديدة تقوم على مفهوم مصلحة المواطنين وحماية الديمقراطية، وليس فقط حماية أمن الدولة أو الحزب الحاكم أو حزب الحاكم. و(3) أن تكون عملية إصلاح جهاز الأمن جزءاً من استراتيجية متكاملة لتعزيز سيادة القانون ورفع المهنية والمساءلة والشفافية في عمل أجهزة الدولة بشكل عام. و(4) وأن تتوفر إرادة سياسية وبرنامج عمل متفق عليه من قبل الأطراف المختلفة لعملية الإصلاح بشكل عام وإصلاح قطاع الأمن بشكل خاص.
تهدف هذه الورقة إلى المساهمة في نقاش عملية الإصلاح في قطاع الأمن بما يحقق مصلحة المواطنين، وكي يكون هذا الإصلاح مستداماً وعدم العودة مجدداً للأزمات ووضع قواعد وآليات تمنع تكلس مؤسسات قطاع الأمن من جهة، وتحافظ على تجديد القيادات المهنية بما ينسجم مع القانون الفلسطيني، وبما يتناسب مع المهنية في مؤسسات الأمن للحفاظ على النظام العام ويحمي مصلحة المواطنين. وتقديم توصيات تساهم في تعزيز المهنية في عمل ونظام قطاع الأمن الفلسطيني.
تخلص هذه الورقة إلى أنّ الإصلاح الشامل لقطاع الأمن الفلسطيني يتطلب تغييرات قانونية ومؤسسية وثقافية. تحدد أيضا القضايا الضرورية وتقدم توصيات هادفة لتعزيز الشفافية والمهنية والمواءمة مع الحكم الديمقراطي. كما تهدف هذه الإصلاحات إلى بناء قطاع أمني يكون مسؤولاً أمام القيادة المدنية، وملتزماً بالخدمة العامة، ويرتكز على سيادة القانون.
قانون إحالة الضباط برتبة عميد ... إصلاح جزئي ومبتور
شكل القرار بقانون بشأن إحالة الضباط ممن هم برتبة عميد من قوى الأمن الفلسطينية إلى التقاعد المبكر الذي أصدره الرئيس محمود عباس إصلاحاً جزئياً لمعالجة مسألة الخلل في تكدس الرتبة السامية "رتبة عميد" في الأجهزة الأمنية، والذي بموجبه أحال حوالي "1500 ضابط" ممن يحملون هذه الرتبة، علما أنّ بعضهم استحق رتبة لواء منذ سنوات بناءً على مقياس الزمن المعتمد للانتقال من رتبة عسكرية إلى أخرى. ولم يعالج هذا القرار بقانون إلا أولئك الذين هم فوق عمر 55 عاماً على الرغم من وجود أعداداً أخرى ممن هم تحت سن 55 في هذه الرتبة؛ جزء منهم لا يعملون أو ليس لهم مكاناً على "هيكليات" المؤسسات الأمنية.
كما جاء القرار بقانون مبتوراً ويحمل في ثناياه قتل الهدف من القرار بقانون ذاته عند النص على الاستثناء في المادة الرابعة منه " يستثنى من أحكام المادة (3) الواردة في هذه القرار بقانون الضباط الذي يحملون رتبة عميد ويشغلون موقع قيادي على الهيكل التنظيمي بقرار يصدر عن القائد الأعلى لقوى الأمن الفلسطينية لهذه الغاية". الأمر الذي يمنح إمكانية للتدخلات والاسترضاءات والواسطة أو مزاجية بعض قادة الأجهزة الأمنية لإبقاء المقربين منهم دون وجود أسس مهنية تحت بند ضرورات العمل.
في المقابل، جاء القرار بقانون سخياً من حيث آلية احتساب الراتب التقاعدي والمستحقات لمن تنطبق عليهم أحكامه؛ حيث سيكون الراتب التقاعدي مرتبط بآخر راتب تم استلامه على خلاف قانون التقاعد الذي ينص على أن يكون الراتب التقاعد مبني على متوسط آخر 36 راتبا، وإضافة المدة المكملة لبلوغ سن التقاعد الإلزامي "ستون عاماً" المنصوص عليه في قانون التقاعد العام بحيث يكون الحد الأعلى للراتب التقاعدي 80% من آخر راتب حصل عليه الضابط المتقاعد بموجب هذا القرار بقانون. وإذ كان الناتج المالي لهذا القرار منصفاً للمتقاعدين إلا أنّه يزيد العبء على الخزينة العامة وصندوق التقاعد العام ودافعي الضرائب والأجيال القادمة. لذا فإنّ القرارات المتعلقة بالتقاعد الجماعية تحتاج إلى مزيد من القراءة المالية والدراسة الاكتوارية لمثل هكذا تقاعد.
مجالات الإصلاح في قطاع الأمن
مما لا شك فيه أنّ تنفيذ عملية الإصلاح في قطاع الأمن لا ترتبط بإرادة السلطة الفلسطينية وعزمها لوحدها فالنجاح والفشل هنا لا يعتمد على قدرة الحكومة ذاتها وإنما على أطراف خارجية كالمجتمع الدولي والمانحين وكذلك الجانب الإسرائيلي خاصة في ظل سياسات الاحتلال الإسرائيلي القاضية بإضعاف السلطة ومؤسساتها. إنَّ أيّ خطة لإصلاح قطاع الأمن الفلسطيني ترنو للنجاح وتحويل عملية الإصلاح إلى حقيقة واقعة وتمنع تكرار الفشل في عملية الإصلاح التي بدء العمل بها منذ عام 2005، تتطلب النظر بعناية وعمق لأسباب الفشل التي لاحقت بتنفيذ عملية الإصلاح، وأخذ العبر منها لتجاوز العثرات والتحديات والصعوبات التي حدّة دون تنفيذ الإصلاحات المخططة، واستلهام عناصر القوة التي رافقت النجاحات التي تحققت.
كما تتطلب أنْ تكون عملية الإصلاح ضمن رؤية شاملة واضحة؛ تتضمن برنامجاً مدعماً بالإجراءات المحددة؛ وفقاً لآجال زمنية مضبوطة وتكليفات لجهات بعينها صاحبة الاختصاص في تنفيذ الإجراءات الإصلاحية والتصحيحية. كما تحتاج عملية الإصلاح هذه مشاركة مجتمعية لتعزيز الملكية الشعبية القاضية بالدفاع عنها من الفئات المجتمعية المختلفة، وذلك للحد من مقاومة الفئات والأشخاص المتضررين من الإصلاح خاصة أنّهم في العادة من عليّة القوم المتنفذين ومن الماسكين بزمام أصحاب القرار.
مجالات الإصلاح الستة الواجبة في إطار عملية إصلاح شاملة في قطاع الأمن تشمل: (1) وثيقة السياسات الأمنية. (2) الإصلاح التشريعي. (3) الإصلاح المؤسسي. (4) المرجعية السياسية. (5) الرقابة البرلمانية والإدارية. (6) تعزيز ثقافة حماية الديمقراطية لدى عناصر المؤسسة الأمنية.
(1) وثيقة السياسات الأمنية
لم تقم الجهات الفلسطينية الرسمية على مدار الثلاثين عاماً الماضية من تبني وثيقة السياسة الأمنية (WHITE PAPER) التي تتضمن المبادئ التوجيهية للعقيدة الأمنية والسياسة الخاصة بالأمن القومي وركائز الأمن الوطني الناظمة لعمل المؤسسة الأمنية؛ كتعبير عن السياسة العامة للدولة لضمان السيطرة والاستقرار للأمن الداخلي والخارجي للدولة والمجتمع، والتي تفترض أنْ تحدد العقيدة الأمنية للمؤسسة الأمنية التي تتضمن التهديدات والتحديات التي تواجه الأمن الفلسطيني، ويتم إسنادها من خلال إقرار القوانين، وتعتمد على احتياجات الأمن الداخلي وأولوياته في كل مرحلة من المراحل، تطبيقاً وتنفيذاً، وتأخذ بالاعتبار الواقع الإقليمي والدولي والعديد من الالتزامات الخارجية.
التوصية: 1. تبني وثيقة السياسة الأمنية (WHITE PAPER) كمرجعية وطنية شاملة لتكامل عمل أجهزة ومؤسسات قطاع الأمن وتوافقها مع السياسة العامة لدولة فلسطين وفقا للمراحل السياسية. 2. اعتماد العقيدة الأمنية بقرار من الحكومة الفلسطينية بما يوضح التحديات والتهديدات والتحالفات وشكلها؛ فعلى سبيل المثال تشكل إسرائيل تهديدا وجوديا للشعب الفلسطيني، وهي مسألة جوهرية في طبيعة العقيدة الأمنية، لكن تكلفة التخلص من هذا الخطر أكبر من هذا التهديد الأمر الذي يستدعي أن تجاوب عليه وثيقة السياسية الأمنية وكيفية تقليص وتقليل مخاطره على الأمن الفلسطيني.
(2) الإصلاح التشريعي
يشكل انسجام التشريعات مع القانون الأساسي ومع بعضها البعض، وبعدم تبني تشريعات تتناقض مع بعضها البعض، عنصراً أساسياً في عملية الإصلاح التشريعي لقطاع الأمن. ففي العام 2005 تبني المجلس التشريعي قانون الخدمة في قوى الأمن رقم 8 لسنة 2008 لكن في العام 2007 تم إصدار قرار بقانون رقم (11) لسنة 2007م بشأن الأمن الوقائي مخالفا للمبادئ التي أقرها قانون الخدمة في قوى الأمن؛ بحيث نص على تولي رئيس جهاز الأمن الوقائي رئاسة الجهاز أربعة سنوات قابلة للتمديد سنة واحدة، فيما نص قانون الخدمة في قوى الأمن على أنّ رؤساء الأجهزة الأمنية الرئيسية "الأمن الداخلي، والمخابرات العامة، والقائد العام للأمن الوطني" على ثلاث سنوات قابلة للتمديد لسنة إضافية.
فيما تم تعديل قانون المخابرات العامة لسنة 2005 الذي نص على أنْ يكون مدة رئيس الجهاز (3 سنوات + سنة) في القرار بقانون رقم 4 لسنة 2023[3] لمدة غير محدودة بعد سنوات طويلة على انتهاء الولاية القانونية لرئيس الجهاز. وكذلك جاء تعديل قانون الخدمة في قوى الأمن في العام 2024[4] مخالفاً لإرادة المشرع الفلسطيني الأصلي التي كانت واردة في قانون الخدمة لقوى الأمن في العام 2005 حيث تم إلغاء الآجال الزمنية لإنهاء ولاية رؤساء الأجهزة الأمنية، وتمديد مدة خدمة من هم برتبة لواء فأعلى ويتولون رئاسة جهاز أمني لثلاثة سنوات إضافية فوق السن التقاعد الإلزامي الستين عاماً، وإضافة جهاز جديد إلى الأجهزة الرئيسية وهو يلعب دوراً محورياً في إنتاج قيادات الأجهزة الأمنية.
التوصية: (1) ضرورة إعادة النظر في التشريعات الأمنية بما ينسجم مع قانون الخدمة في قوى الأمن للعام 2005 وتصويب جميع الأوضاع التي نشأت نتيجة التعديلات اللاحقة. (2) استكمال بناء المنظومة القانونية لكافة الأجهزة والهيئات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك إصدار قوانين تنظم عمل كل جهاز واللوائح التنظيمية المنصوص عليها في القوانين وأدلة العمل ذات العلاقة بعمل الأجهزة الأمنية. (3) تحديد مدة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية والهيئات بثلاث سنوات وجواز التمديد لسنة واحدة فقط؛ وإنْ كانوا تحيت السن القانون الإلزامي للتقاعد السين عاماً وفقاً لقانون التقاعد العام.