
2026-06-17 11:47
ما إن تصمت المدافع وتنتهي الحروب حتى يبدأ الحديث عن اليوم التالي. فالحروب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تفتح أبوابًا جديدة أمام إعادة رسم التوازنات وبناء العلاقات على أسس مختلفة. واليوم، وبعد مرحلة من المواجهات والتوترات التي هزّت المنطقة، تبدو الفرصة متاحة أمام الدول العربية وإيران للانتقال من منطق الشكوك والصراعات إلى منطق التعاون والشراكة.
لقد أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرارًا على أهمية علاقات الجوار مع الدول العربية، وعلى الروابط التاريخية والدينية والحضارية التي تجمع شعوب المنطقة. وإذا كانت هذه الرسائل تعكس توجهًا استراتيجيًا حقيقيًا، فإنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لبناء علاقة جديدة أساسها المصالح المشتركة والتكامل الإقليمي، بعيدًا عن الاستقطابات التي استنزفت الجميع لعقود طويلة.
فالواقع يشير إلى أن العالم العربي وإيران يمتلكان عناصر قوة متكاملة أكثر مما يمتلكان عناصر صراع. فالدول العربية الخليجية تمتلك ثروات مالية هائلة وإمكانات استثمارية ضخمة، بينما تمتلك إيران قاعدة صناعية وعلمية وتكنولوجية متقدمة نسبيًا، إضافة إلى موارد بشرية وخبرات تراكمت رغم سنوات طويلة من العقوبات والضغوط. ومن شأن الجمع بين هذه المقومات أن يخلق كتلة إقليمية قادرة على التحول إلى لاعب دولي مؤثر، لا مجرد ساحة تتنافس فوقها القوى الكبرى.
وتدرك إيران أنها لا تستطيع أن تكون معزولة عن محيطها العربي، سواء من الناحية الجغرافية أو الاقتصادية أو الأمنية. وفي المقابل، بات من الضروري أن يقتنع العرب بأن إيران ليست دولة عابرة في الجوار، بل حقيقة جغرافية وتاريخية ثابتة تتقاطع معهم في الكثير من المصالح والتحديات. فالاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر محاولات الإقصاء أو العزل، بل من خلال بناء منظومة تعاون تحفظ مصالح الجميع.
كما أن استقرار النظام الإيراني وبقاءه قويًا وقادرًا على حماية مصالحه قد يفتح المجال أمام صياغة توازن إقليمي أكثر استقرارًا. فالمنطقة عانت طويلًا من مشاريع الهيمنة الخارجية، والعرب يدركون أن أي فراغ في موازين القوى سرعان ما تملؤه قوى تسعى إلى فرض أجنداتها الخاصة. ومن هذا المنطلق، فإن بناء علاقات متوازنة مع إيران قد يشكل عنصرًا مهمًا في حماية الاستقلال السياسي والاقتصادي لدول المنطقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بالتجربة التاريخية لنظام الشاه في إيران، الذي كان يُعرف بـ"شرطي الخليج". فقد ارتبط ذلك النظام بعلاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعامل مع محيطه العربي من موقع التفوق والوصاية. يومها وجد العرب أنفسهم مضطرين للتكيف مع معادلات فرضتها موازين القوى الدولية والإقليمية. أما اليوم، فإن الظروف تبدو مختلفة، والمنطقة تمتلك فرصة لإعادة صياغة علاقاتها على أسس أكثر توازنًا واحترامًا للمصالح المتبادلة.
لقد أفرزت الحرب الأخيرة تحولات عميقة في موازين القوى، وأظهرت حدود القوة الأميركية والإسرائيلية في فرض الإرادات السياسية على شعوب المنطقة. ومن هنا، فإن الفرصة تبدو سانحة أمام العرب وإيران لفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون بدل المواجهة، والتكامل بدل التنافس، والشراكة بدل الارتهان للخارج.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنهاء الحروب فقط، بل في القدرة على استثمار نتائجها لبناء مستقبل مختلف. وربما تكون اللحظة الحالية واحدة من أهم اللحظات التاريخية التي تتيح للعرب والإيرانيين الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل، عبر استراتيجية إقليمية جديدة عنوانها التعاون والتكامل وبناء قوة مشتركة قادرة على التأثير في النظام الدولي المتغير.