إعادة التموضع الأمريكي العنيف وصعود الصين الناعم


Case

2026-01-26 11:47

Copy Link

تقدير موقف في ظل تحولات النظام الدولي

يشهد النظام الدولي تحولات بنيوية متسارعة تعكس انتقال مركز الثقل من الهيمنة الأمريكية الشاملة إلى نظام أكثر تنافسية وتعددية. ولا يعود هذا التحول إلى تراجع مفاجئ في القوة الأمريكية، بل إلى إعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية (بمنطق الهيمنة والقوة وتجاوز المنظومة الدولية التقليدية)، في ظل صعود الصين بوصفها التحدي البنيوي الأبرز للنظام الدولي القائم وبالتالي المصالح الامريكية. في هذا السياق، تبرز تساؤلات مركزية حول موقع أوروبا، ومستقبل التحالفات الغربية، وما إذا كانت السياسات الأمريكية الراهنة القائمة على الاستهانة بالنظام الدولي ومنهجية القوة لفرض تمددها الاقتصادي والامني، تشكّل فرصة استراتيجية لتعزيز النفوذ الصيني عالميًا.

أوروبا خارج إطار المصالح الامنية الاولى لواشنطن. لم تعد أوروبا تحتل الموقع المركزي في عقيدة الأمن القومي الأمريكي كما في حقبة الحرب الباردة. فقد انتقلت الولايات المتحدة إلى تحديد دوائر أمنية أكثر ضيقًا، تُعطى فيها الأولوية لحماية المجال الجغرافي والسياسي القريب، وردع التهديدات المباشرة، وفي مقدمتها الصين. وبذلك، تحوّلت أوروبا إلى ساحة تُدار بالأدوات لا تُدافع عنها بالالتزامات المفتوحة، ما يفسّر محدودية الاستعداد الأمريكي لتحمّل كلفة استراتيجية طويلة الأمد في الأزمات الأوروبية.

وفي أولوية ردع الصين وإعادة توجيه الموارد؛ تركّز الاستراتيجية الأمريكية الراهنة على احتواء الصين باعتبارها المنافس الوحيد القادر على تحدي التفوق الأمريكي اقتصاديًا وتكنولوجيًا وجيوسياسي. هذا التركيز يفرض إعادة توجيه الموارد العسكرية والمالية، وتقليص الالتزامات الثانوية، بما فيها الدعم الواسع للحلفاء الأوروبيين. ووفق هذا المنطق، فإن أي أزمة لا تمسّ مباشرة ميزان القوى مع الصين ستُدار أمريكيًا بأدوات محدودة وبتكلفة منخفضة.

وفي توجهات الدعم أمريكي انتقائي لأوروبا؛ من المرجّح أن يقتصر الدعم الأمريكي لأوروبا في المرحلة المقبلة على الأزمات التي لا تنطوي على مخاطر استنزاف استراتيجي، أو كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة. أما الصراعات الكبرى، فستُترك للحلفاء لإدارتها ذاتيًا، ما يضع أوروبا أمام معضلة استراتيجية حقيقية تتعلق بقدرتها على تحقيق استقلال نسبي في قراراتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ومن منظور صيني لمجلس السلام الأمريكي؛ يمكن التساؤل، هل تنظر الصين في احد سيناريوهاتها الى ان هناك تخوف من ان نموذج مجلس  السلام (بزاوية الهيمنة وتشكيل انظمة بديلة لما كان) قد يتكرر في الدول المشتعله، والتي لا تراها امريكا حليفة لها). حيث تنظر الصين إلى منظومة الهيمنة الأمريكية والمؤسسات المرتبطة بها بوصفها نظامًا غير عادل، يفتقر إلى التمثيل المتوازن والاحترام المنضبط للنظام الدولي، وان هذه المنظومه وتخدم مصالح واشنطن وحلفائها على حساب بقية الفاعلين الدوليين. إلا أن بكين لا تسعى إلى إسقاط هذا النظام بالقوة، بل إلى إضعاف شرعيته تدريجيًا، وبناء أطر موازية للتعاون الدولي، تمكّنها من توسيع نفوذها دون الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة.

وتعتبر سياسات ترامب  دافع لتآكل الثقة مع الحلفاء السياسات ترامب حيث شكّلت سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، القائمة على الحمائية والضغط الاقتصادي حتى على الحلفاء، ضربة عميقة لمنظومة الثقة الغربية. وقد أسهم هذا النهج في دفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية، وفتح قنوات أوسع للتعاون الاقتصادي مع الصين، ليس بدافع التقارب الأيديولوجي، بل استجابة لاعتبارات المصلحة والبراغماتية.

استحالة القطيعة الأوروبية مع الصين، تواجه أوروبا واقعًا اقتصاديًا يجعل القطيعة مع الصين أمرًا غير واقعي. (باعتبارها  ثاني اقتصاد عالمي من ناجية الناتج المحلي الاجمالي والاول عالميا  وفق تعادل القوة الشرائية (P.P.P )، فالصين تمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وشريكًا تجاريًا لا يمكن الاستغناء عنه. ومن ثمّ، تسعى الدول الأوروبية إلى إدارة توازن دقيق بين التزاماتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ومصالحها الاقتصادية المتنامية مع الصين، وهو توازن هش لكنه ضروري في المرحلة الراهنة.

وفي معيار منطق القوة مقابل دبلوماسية الشراكة،إن اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على أدوات القوة والردع العسكري في إدارة الصراعات الدولية قد يصب، بصورة غير مباشرة، في مصلحة الصين. فبكين تطرح نموذجًا بديلًا يقوم على الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، والشراكات التنموية، واحترام سيادة الوحدات الدولية والاطر الدولية للامم المتحدة، ما يمنحها قدرة أكبر على اختراق البيئات الدولية دون إثارة مخاوف وجودية لدى الشركاء باتجاة رفع منسوب تعزيز الثقة بالصين اقتصاديا وسياسيا وامنيا.

وتعتبر القيود التجارية كسلاح ارتدادي، فرصة للصين، لان لجوء الولايات المتحدة إلى فرض الضرائب والقيود التجارية، حتى على أصدقائها، يحمل آثارًا ارتدادية على المدى المتوسط والبعيد، إذ يضعف الثقة في النظام الاقتصادي الذي تقوده واشنطن، ويدفع الدول إلى تنويع شراكاتها الدولية، واللجوء الى مركز عالمي اكثر تعاونا وشراكة، بما في ذلك تعزيز التعاون مع الصين.

ويمكن الاستخلاص ان المعطيات الراهنة تشير إلى أن الصين تنظر إلى السياسات الأمريكية المتشددة، وفرض منطق الهيمنة والقوة العسكرية لفرض الانصياع للمصالح الامريكية، والانكفاء النسبي عن بعض الساحات، بوصفها فرصة استراتيجية لتعزيز حضورها الدولي، خاصة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وبينما تحاول الولايات المتحدة محاصرة الصين، تعتمد بكين استراتيجية التمدد الهادئ وبناء شبكات مصالح طويلة الأمد، تجعل من احتوائها مهمة معقّدة ومكلفة.

وعليه، فإن استمرار الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي بمنطق القوة والضغط قد يسرّع من التحولات التي تسعى في الأصل إلى منعها، ويمنح الصين موقعًا متقدمًا في النظام الدولي قيد التشكل.

 

 

 

 

>