
2026-02-19 15:16
تواجه حماس اليوم معضلة استراتيجية بالغة الأهمية لم تعتدها في تاريخها: مستقبل قدراتها المسلحة في بيئة دولية وإقليمية تزداد عدائيةً لأسلوب عملها التقليدي. غالبًا ما تُطرح هذه المعضلة في سياق "اليوم التالي" أو ترتيبات الحكم في غزة بعد الحرب، لكن هذا التأطير يُخفي حقيقة أعمق. ما تواجهه حماس اليوم ليس في المقام الأول مسألة إدارة أو إعادة إعمار، بل أزمة متجذرة في هوية الحركة الأساسية، وهدفها الاستراتيجي، وقدرتها على البقاء على المدى البعيد.
إن هذه الأزمة لا يمكن اختزالها في ترتيبات الحكم في غزة. فالتركيز الضيق على البحث عن موطئ قدم في غزة بعد الحرب يُنذر بسوء فهم طبيعة التحدي. يُفهم مأزق حماس بشكل أفضل على أنه أزمة هيكلية تتعلق بالمشروع والهدف، تتسم بتوتر مستمر بين الالتزام الأيديولوجي والقيود الاستراتيجية. ولذلك، فُسِّرت محاولات الحركة لإعادة تموضعها - من خلال خطاب معتدل أو إشارات استكشافية تجاه واشنطن - على نطاق واسع على أنها ردود فعل وليست استراتيجية.
في صميم هذه الأزمة تكمن مسألة الأسلحة. تدرك حماس أن الرفض والامتثال على حد سواء ينطويان على تكاليف باهظة. فالحفاظ على قدراتها المسلحة يُنذر بتجدد المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وتفاقم العزلة الدبلوماسية، وتدهور الوضع الإنساني في غزة لفترة طويلة. في المقابل، فإن الاستجابة للمطالب -وخاصةً من الولايات المتحدة وإسرائيل- بتفكيك أسلحتها أو تحييدها، من شأنه أن يُعرّض الحركة للانقسام الداخلي، ويُقوّض سرديتها التأسيسية، وربما يُعجّل بانهيارها التنظيمي.
تعكس هذه المعضلة انقسامًا متزايدًا في هيكل قيادة حماس. فبينما لا يزال أحد تياراتها ينظر إلى المقاومة المسلحة ويعقد الآمال على عودة "محور المقاومة" الإقليمي باعتبارهما أساسيين لشرعية الحركة وبقائها، حتى وإن استلزم ذلك عزلة مستمرة وتكاليف متزايدة، في المقابل، يفسر تيار آخر تداعيات أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها من إعادة تنظيم إقليمية ودولية على أنها إشارة إلى تحول هيكلي. من هذا المنظور، تواجه حماس الآن تهديدًا وجوديًا لا يمكن التغلب عليه بالمواجهة وحدها؛ فالبقاء يتطلب استجابة محدودة للمطالب الخارجية، إلى جانب آليات مصممة للحفاظ على التماسك الداخلي والاستمرارية.
إن الخلاف بين هذين التيارين ليس تكتيكي، بل هو استراتيجي وتعريفي. وهو يطرح سؤالًا جوهريًا: هل حماس حركة مصممة للمواجهة الدائمة والمستمرة مع الاحتلال؟ أم أنها قادرة على التطور إلى فاعل سياسي قادر على العمل ضمن نظام يعاقبها بشكل منهجي؟ إن الإجابة على هذا السؤال لها تداعيات ليس فقط على مستقبل حماس، بل أيضًا على المشهد السياسي الفلسطيني الأوسع وعلى الاستقرار الإقليمي.
لم تُقرأ تصريحات شخصيات بارزة في حماس، بمن فيهم خالد مشعل وموسى أبو مرزوق، على أنها مواقف تفاوضية مدعومة بنفوذ، بل على أنها محاولات لإظهار القدرة على التكيف في غياب بدائل موثوقة. من الناحية الاستراتيجية الكلاسيكية، تفترض المرونة السياسية القدرة على الرفض أو التصعيد أو استبدال خيار بآخر. وعندما تبرز المرونة وسط تراجع القدرات العسكرية، وانخفاض الدعم الإقليمي، وضعف القاعدة الاجتماعية، فإنها تعكس التكيف مع اختلال موازين القوى وليس خيارًا استراتيجيًا.
من هذا المنظور، يُفهم سلوك حماس الحالي على نحو أفضل ليس باعتباره تحولاً نحو سياسة براغماتية، بل كمحاولة لإدارة التراجع وتقليل الخسائر في ظل قيود شديدة. لا يعني هذا حتمية الانهيار، ولكنه يُبرز حدود المناورة المتاحة للحركة بشكلها الراهن.
وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن مستقبل حماس يعتمد بشكل متزايد على قدرتها على إجراء إعادة تقييم داخلية شاملة. يجب أن يتجاوز هذا التقييم الاعتبارات التكتيكية المتعلقة بالأسلحة والتحالفات لتتناول قضايا أكثر جوهرية تتعلق بالهوية، وتجديد القيادة، والاندماج الاستراتيجي ضمن إطار فلسطيني أوسع. بدون هذه المراجعة، تُخاطر حماس بالبقاء عالقة بين نموذج مقاومة لم يعد يُحقق مكاسب استراتيجية، واستراتيجيات بقاء تفتقر إلى القدرة المؤسسية الكافية لتنفيذها.
في نهاية المطاف، سيتحدد مسار حماس بشكل أقل من خلال ترتيبات ما بعد الحرب أو الضغوط الخارجية، بقدر ما سيتحدد بقدرتها على حل التناقض الاستراتيجي الكامن في جوهرها: حركة مصممة للمواجهة الدائمة تُكافح الآن من أجل البقاء في نظام إقليمي ودولي يُعاقبها بشكل متزايد.
......................................................
أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة