
2026-04-22 08:03
لم يكن مسار التعاطي مع الانتخابات المحلية في السياق الفلسطيني مساراً أحادي الاتجاه أو مستقراً، بل عكس في جوهره حالة من التردد البنيوي والتحولات التدريجية في المواقف، سواء على مستوى الفاعلين السياسيين الحزبيين أو ضمن أوساط مؤسسات المجتمع المدني.
وقد جاء هذا المسار في سياق سياسي وقانوني معقد، ارتبط بالتعديلات التي طالت الإطار الناظم للانتخابات المحلية، وما أثارته من نقاشات حادة حول طبيعة البيئة الديمقراطية، وحدود التعددية السياسية، ومدى ضمان التعددية وتكافؤ الفرص في الترشح والمنافسة.
في هذا السياق، برزت منذ البداية تحفظات واسعة لدى الأحزاب والقوى السياسية، انطلقت من قراءة تعتبر أن الإطار القانوني للانتخابات لا ينفصل عن السياق السياسي العام، الذي يتسم بالانقسام وغياب التوافق الوطني. وقد تركزت هذه التحفظات على ما اعتُبر شروطاً مقيدة للمشاركة السياسية، وما قد ينطوي عليه ذلك من تأثير على مبدأ التعددية، وإمكانية استبعاد قوى سياسية من المنافسة الفعلية. غير أن هذا الموقف، رغم حدته في المرحلة الأولى، لم يلبث أن شهد تحولا تدريجياً، تمثل في الانتقال من التحفظ إلى الانخراط الفعلي في العملية الانتخابية، سواء عبر المشاركة المباشرة أو من خلال صيغ توافقية محلية، في بعض الأحيان اتخذت شكل التمركز داخل البنى الاجتماعية التقليدية، وفي مقدمتها العائلة والحمولة.
ويعكس هذا التحول محدودية قدرة الأحزاب والقوى السياسية على إنتاج بدائل تنظيمية وبرنامجية خارج الإطار القائم، إضافة إلى تراجع قدرتها على فرض مقارباتها النقدية على مسار العملية السياسية. كما يشير إلى ميل متزايد نحو التكيف مع شروط الواقع السياسي، حتى في الحالات التي كانت تعد فيها هذه الشروط في السابق إشكالية أو مقيدة للعمل السياسي التعددي. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه تعبيراً عن تآكل الفاعل الحزبي المنظم لصالح صعود أنماط تمثيل اجتماعية تقليدية، تعيد إنتاج نفسها في الفضاء السياسي المحلي.
وفي موازاة ذلك، شهد موقف مؤسسات المجتمع المدني مساراً مختلفاً في طبيعته وإن التقى أحياناً في نتائجه العامة. فقد انطلقت هذه المؤسسات، من موقف نقدي ركز على ضرورة ضمان بيئة قانونية توافقية، تعزز من معايير النزاهة والشفافية والتعددية، وتحد من أي قيود قد تمس الحق في المشاركة السياسية. وقد انصبت هذه التحفظات على الإطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية، وعلى ضرورة تطويره بما ينسجم مع المعايير الديمقراطية العامة.
غير أن هذا الموقف شهد بدوره تحولاً تدريجياً، تمثل في الانتقال من التركيز على الإطار القانوني كموضوع للنقد، إلى التركيز على تحسين شروط تنفيذ العملية الانتخابية وضمان نزاهتها. وقد ارتبط هذا التحول بعدة اعتبارات، من بينها الرغبة في الحفاظ على دور فاعل للمجتمع المدني داخل المجال العام، وتجنب حالة الفراغ الرقابي، إضافة إلى اعتبارات مؤسسية تتصل بالاستمرارية والتمويل، بما يتيح لهذه المؤسسات الحفاظ على حضورها وتأثيرها ضمن البيئة السياسية القائمة. وهكذا، لم يعد الخطاب يتمحور حول رفض الإطار أو مساءلته جذرياً، بقدر ما أصبح يركز على إدارة العملية الانتخابية وتحسين مخرجاتها ضمن الحدود المتاحة.
ورغم اختلاف طبيعة دوافع الفاعلين بين الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، فإن المسارات العملية انتهت في كثير من الأحيان إلى تقاطعات في النتائج، خصوصاً على مستوى قبول الإطار العام للعملية الانتخابية والانخراط فيه، وإن بدرجات متفاوتة من النقد أو التحفظ. غير أن هذا التمايز في الدوافع لا ينبغي أن يحجب الفروق البنيوية بين الفاعلين، بل يؤكد ضرورة مقاربتهم ضمن أطر تحليلية مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الوظيفة والدور والغاية.
إن الأثر الأعمق لهذه التحولات يظهر على مستوى البنية السياسية المحلية ذاتها، فمع تراجع الدور التنظيمي للأحزاب السياسية، وصعود أنماط تمثيل اجتماعية تقليدية، برزت البنية العائلية والحمائلية بوصفها أحد أبرز الفاعلين في تشكيل نتائج الانتخابات المحلية. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن فهم هذا التحول باعتباره شكلا من أشكال إعادة تموضع البنى التقليدية داخل المجال السياسي الحديث، حيث تتراجع التنظيمات الأيديولوجية لصالح شبكات القرابة والانتماء الاجتماعي، التي تمتلك قدرة أعلى على الحشد في سياقات تتسم بضعف المؤسسية السياسية.
إن ما يترتب على هذا التحول لا يقتصر على تغيير في تركيبة المجالس المحلية أو أسماء الفائزين، بل يمتد إلى إعادة تعريف طبيعة التمثيل السياسي نفسه. فحين تصبح العائلة أو الحمولة هي الوحدة الأساسية للتنظيم الانتخابي، تتحول معايير الاختيار من البرامج والسياسات والرؤى العامة، إلى اعتبارات الانتماء والتوازنات الداخلية داخل البنية الاجتماعية. وهذا بدوره يؤدي إلى تقليص السياسة بوصفها مجالاً للتنافس على الأفكار، لصالح السياسة بوصفها امتداداً للبنية الاجتماعية التقليدية.
ويكتسب هذا التحول حساسية إضافية في ظل السياق السياسي العام المتمثل باستمرار الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يتعامل مع المجال الفلسطيني بوصفه كياناً سياسياً مكتمل السيادة، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً لإعادة تشكيل أدوات الحكم والإدارة ضمن هندسة سياسية وأمنية معقدة. وفي هذا الإطار، فإن ضعف البنى الحزبية والمؤسسية الداخلية لا ينعكس فقط على طبيعة التمثيل المحلي، بل قد يخلق فراغاً سياسياً يمكن أن يُستثمر في إنتاج بدائل إدارة محلية أكثر توافقاً مع متطلبات السيطرة والتحكم، بدل أن تكون جزءاً من مشروع وطني جامع.
ومن منظور تحليلي أوسع، فإن ضعف الفعل الحزبي لا يقتصر أثره على اللحظة الانتخابية، بل يمتد إلى إعادة إنتاج اختلالات بنيوية في النظام السياسي، عبر تكريس أنماط تمثيل غير مؤسسية، وتراجع إمكانات بناء حياة سياسية قائمة على البرامج والتنظيم. وفي حال استمرار هذا المسار دون مراجعة جدية، فإن ذلك قد يعمق منطق التفتت السياسي، ويضعف إمكانات إنتاج تمثيل وطني جامع قادر على تجاوز الانقسامات الاجتماعية الأولية.
اجمالاً، يكشف هذا المسار عن مفارقة أساسية؛ فبينما بدأت العملية بخطاب نقدي حاد تجاه الإطار القانوني والسياسي، انتهت إلى انخراط واسع في هذا الإطار، ثم إلى إعادة إنتاج نتائجه عبر قنوات اجتماعية تقليدية. وهو ما يطرح إشكالية أعمق تتعلق بحدود قدرة الفاعلين السياسيين والحقوقيين على الحفاظ على مواقفهم المبدئية في ظل ضغوط الواقع، وبالخط الفاصل بين البراغماتية بوصفها ضرورة سياسية، وبين التكيف التدريجي الذي قد يعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.