
2026-06-26 16:30
يتناول هذا المقال حواراً تربوياً أجريَ إلكترونياً [1] مع الأخصائية التربوية منى سروجي [2] حول الدور الجوهري لأدب الأطفال في بناء شخصية الطفل وتطوير لغته وخياله، حيث يستعرض اللقاء تحوّل القراءة من أداة تعليمية جامدة أو وعظية إلى ممارسة تفاعلية تعزز الروابط العاطفية بين الأهل والأبناء من خلال الحوار والمشاركة، كما يسلط الحوار الضوء على التحديات المعاصرة التي تواجه ثقافة القراءة في العالم العربي، مثل طغيان الأجهزة الذكية وارتفاع تكاليف الكتب، مع تأكيد ضرورة اختيار قصص تحاكي واقع الطفل وتنمي مهاراته التفكيرية، وفي ختام ذلك اللقاء الذي أدارته أسمى نجم [3]، تشدد الخبيـرة التربوية سروجي على مسؤولية الكتّاب والمجتمع في تقديم محتوى يحترم ذكاء الطفل ويوفر له مساحة آمنة لاستكشاف العالم والقيم الإنسانية العليا.
هذا كان ملخصاً يبيّن أهم محاور تلك الحلقة المهمة من بودكاست منهجيات التعليمي [4]، وأما في التفاصيل وتحليل ذلك اللقاء، فيتبين الكثير من الأفكار والرؤى التي تخص نشاط القراءة، خاصة في مراحل الطفل الأولى، وفيما يأتي تحليل لهذا اللقاء، والوقوف على أهم ما جاء فيه من أفكار عملية، سهلة التطبيق، سواء أكان في البيت أم في المدرسة.
في ظل التحولات (الجيو سياسية) والثقافية الكبرى التي تعصف بالعالم العربي، لم تعد القصة أداة ترفيهية لتمضية الوقت أو وسيلة تقنية لمساعدة الطفل على النوم، أو ليتابع المشاهد العربي حلقاتها ومشاهدها في الدراما التمثيلية في التلفاز والسينما؛ بل أضحت مختبراً حيوياً لتشكيل الهوية واللغة، ومساحة استراتيجية لإعادة صياغة الوعي المجتمعي المحلي والدولي، وكما حضرت القصة في سياقات إعلامية وصحفية [5] وكان لها دور كبير في الحروب، لا سيما في حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الاحتلال على قطاع غزة حضرت في السياق التربوي، من هنا تأتي هذه المراجعة المتأنية لهذا الحوار لتكشف عن رؤية تربوية وأكاديمية لافتة تتجاوز السطح الوصفي لتغوص في لبّ فعل القراءة كفعل مقاومة إنساني ضد التهميش الثقافي، بعيداً قليلا- ولو لتحديد الغرض التربوي- عن الحرب وأهوالها.
ترى سروجي أن القصة هي المساحة الآمنة التي تتيح للطفل الحوار مع الذات ومع العالم، وهي فلسفة تربط ربطاً عضوياً بين الأدب والنمو الإنساني المتكامل، ولا تتحدث في هذا المجال عن القراءة بوصفها فعل تسلية، بل عن أمن ثقافي يبدأ من الكلمة المكتوبة واللحظة المشتركة، ويستدعي هذا الحوار تفكيكاً نقدياً للواقع التربوي المعاصر، حيث تتحول القصة في أيدي المربين الواعين من نص لغوي- بغض النظر عن كيفية نشره وأشكاله المتعددة- إلى كيان حي يعالج تشظي الهوية العربية ويمنح الطفل أدوات التفكير الناقد والحساسية الجمالية التي يحتاجها في عالم مضطرب، ومن هذا المنطلق، أستهلّ هذه القراءة التحليلية باستكشاف التحولات البنيوية التي طالت ثقافة القراءة، وكيف يمكن استعادة القصة كفعل إنساني يوقظ السؤال ويحمي المعنى.
يمثل البيت النواة الأولى والمنطلق الاستراتيجي لتشكيل الطفل القارئ، إلا أن هذا الفضاء شهد تحولات أساسية سلبت منه الكثير من دفئه التاريخي؛ فبالعودة إلى الذاكرة الجمعية يتبين أن البيت كان يضج بالقصة الشفوية التي كانت تنسجها الجدّات حول شخصيات مثل جبينة والشاطر حسن ونص نصيص وحكايات الغول، وهي حكايات لم تكن تهدف للوعظ الخالص، بل كانت بمثابة نظام تعليمي موازٍ يرسخ القيم المجتمعية، ويربط الأجيال بجذورها التاريخية، حتى الفضاء العام، ممثلاً في المقاهي الشعبية، كان مسرحاً حياً لسيَر بني هلال وعنترة والزير سالم، ما يعني أن السرد كان جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة اليومية، وحاضراً في الـمَضافات العامة للتجمعات السكانية.
اليوم، وكما ترى سروجي، نواجه ما يمكن وصفه بانحسار المد القرائي في مواجهة السيولة الرقمية، فدخول الشاشات والذكاء الاصطناعي لم يغير فقط وسيلة القراءة، بل غير بنية الانتباه لدى الطفل العربي، فبينما كانت القصة الشفوية أو الكتاب الورقي يتطلبان تركيزاً عميقاً وخيالاً نشطاً، أدت هيمنة النصوص البصرية القصيرة عبر الشاشات إلى خلق جيل يعاني من تشتت الانتباه وضعف القدرة على الانخراط في سرديات طويلة ومعقدة، فأدى هذا التحول إلى تآكل الأمن الثقافي، حيث أصبح الطفل متلقياً سلبياً لصور سريعة لا تترك مساحة للتأمل.
وعلى جانب آخر، تبرز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كعامل حاسم في تهميش الكتاب، ففي المجتمعات العربية التي نكبتها الحروب والصراعات، أصبح الكتاب يُصنف كترف أمام ضرورات البقاء البيولوجي، فخلق هذا الواقع المؤلم فجوة ثقافية وغيـر ثقافية؛ فالأسر التي تعاني لتأمين لقمة العيش تجد صعوبة في اقتناء كتب الأطفال المكلفة، ويعزز هذا الاغتراب المادي عن الكتاب من انسحاب القصة من المشهد العائلي، ويجعل من القراءة الإلكترونية- رغم إتاحتها- بديلاً بارداً يفتقر إلى اللحظة الحميمية والارتباط الإنساني الدافئ الذي يوفره الجلوس المشترك فوق صفحات الكتاب الورقي، ويعني غياب هذا الحوار العفوي أثناء القراءة فقدان الجسر الذي يربط الطفل بوالديه وبمحيطه الاجتماعي.
تتجلي إحدى كبرى المعضلات في المنظومة التربوية العربية فيما يمكن تسميته بالبتر اللغوي، إذ تشير تجربة منى سروجي كمعلمة سابقة إلى حقيقة صادمة: فهناك فجوة معرفية وشعورية واضحة تحدث في المرحلة الانتقالية بين الأطر ما قبل المدرسية والصف الأول الأساسي (الابتدائي)، في هذه اللحظة الحرجة، تتحول اللغة العربية في نظر الطفل من وعاء للمشاعر والحكايات إلى مادة للتشريح النحوي والصرفي، يخلق هذا التحول القسري حالة من الاغتـراب اللغوي، حيث يشعر الطفل أن لغة القصة في المدرسة لا تشبه لغته العفوية، مما يولد لديه نوعاً من الكراهية تجاه القراءة.
إن ممارسة تفريغ الروح من القصة تحدث عندما يتم التعامل مع الأدب أداة لتلقين القواعد أو وسيلة لإجراء امتحانات تعتمد على الأسئلة المغلقة (نعم/ لا)، هذا النهج الميكانيكي يقتل الخيال ويحول القصة إلى واجب منزلي ثقيل، بدلاً من أن تكون رحلة استكشافية، فالتربية التقليدية، بإصرارها على القوالب الجامدة، ارتكبت خطأ استراتيجياً بجعل اللغة العربية تبدو كائناً ميتاً يتطلب الحفظ، لا كياناً حياً يتنفس الأدب والجمال.
إن البديل الذي تطرحه سروجي، مدعوماً بأبحاث البروفيسورة إليانور صايغ حداد [6]، يكمن في استخدام اللغة السهلة التي تمثل جسراً بين العامية والفصيحة، وتؤكد هذه الأبحاث أن الطفل يمتلك رصيداً لغوياً مشتركاً بين المستويين مثل كلمات (يد، صحن، شجرة)، وإذا استغلّ الكاتب والمربي هذا الرصيد، فإنه يكسر حاجز الخوف لدى الطفل؛ فاللغة في قصص الأطفال يجب ألا تكون قاموساً للمفردات الغريبة مثل لفظة "الزمهرير" التي قد تنفر الطفل وتشعره بالعجز، بل يجب أن تكون لغة رشيقة قادرة على نقل المعنى بعمق وبساطة في آن واحد، إن الهدف الاستراتيجي عندئذٍ يتمثل في إعادة بناء العلاقة الوجدانية مع اللغة الفصيحة، بحيث يرى فيها الطفل وسيلة للتعبير عن أحلامه وتطلعاته، لا عقبة تقف في طريق نجاحه الدراسي.
إن الجوهر الحقيقي لفعل القراءة يكمن في الحوار حول الكتاب، هنا يبرز مفهوم القراءة المشاركة كفلسفة تربوية متكاملة، وفي هذا النوع من القراءة، لا يكون الأهل أو المعلمون آلات للقراءة، إنما محاورون وميسرون لعملية التفكير، إذ يتحول الكتاب إلى منصة تفاعلية تسمح للطفل ببناء قاموسه العاطفي الخاص، فعندما يتماهى الطفل مع شخصية أرنوبة التي فقدت لعبتها، هو لا يقرأ نصاً، بل يختبر فعلياً مشاعر الحزن، والفرح، والغيرة، والتعاطف في بيئة آمنة تماماً.
هذا المختبر الاجتماعي الذي توفره القصة يمنح الطفل ما نسميه المناعة الاجتماعية، فمن خلال مراقبة صراعات الشخصيات- مثل كيف تصالح الفئـران مع صديقهم سمسم- يتعلم الطفل مفاهيم التعاون والصداقة والعدل بشكل عملي وتطبيقي، فالقصة تقدم نموذجاً إنسانياً يغرس القيم بعمق لا تملكه المواعظ المباشرة؛، لأنها تشرك الطفل في اتخاذ القرار الأخلاقي عبر الحوار، علاوة على ذلك، تلعب القراءة الحوارية دوراً حاسماً في تطوير مهارات التفكير العليا، فعندما يطرح المربي أسئلة مفتوحة مثل: كيف عرفت أن (فلاناً) حزين؟ أو ماذا ستفعل لو كنت مكان الشخصية؟ هو يدفع الطفل للانتقال من مرحلة المتلقي السلبي إلى مرحلة المفكر الناقد، هذه العملية تتطلب من الطفل استخدام مهارات الاستنتاج، والتخمين، والتحليل، إنها تدريب مبكر على التعامل مع صعوبات الحياة وألغازها، حيث يتعلم الطفل أن للقصة- وللواقع- أبعاداً متعددة تتطلب منه إعمال العقل والبحث عن المعاني الكامنة خلف السطور.
يعاني مشهد صناعة أدب الطفل العربي من أزمة رؤية، حيث لا تزال هناك فجوة بين ما يكتبه الكبار انطلاقاً من منظورهم السلطوي وبين الاحتياجات الحقيقية للأطفال، فالإنتاج الغزير للكتب الوعظية المباشرة التي ترفع شعار (اعمل ولا تعمل) يعكس رغبة الكبار في تأديب الأطفال وتنميطهم بدلاً من إمتاعهم وتوسيع خيالهم، هذا النوع من الأدب ينفّر الطفل؛ لأنه يخاطب تصورات الكبار عن الطفولة وليس واقع الطفولة ذاته.
وتنتقد سروجي بشدة وسخرية بادية استخدام اللغة المعقدة التي تفصل الطفل عن النص؛ فاستخدام مصطلحات تراثية ثقيلة في نصوص موجهة لأطفال في سن الثالثة أو الرابعة هو فعل انتحار أدبي، فالأدب الحقيقي هو الذي يحترم النمو التطوري للطفل، لغوياً ونفسياً، كما تبرز إشكالية الإخراج الفني كعامل حاسم؛ فالكثير من القصص العربية الجيدة نصاً تُقتل فنياً بسبب ضعف الرسومات أو سوء التصميم، فالطفل كائن بصري بامتياز، وإذا لم يجد جمالية في الرسم وتناسقاً في الألوان، فإنه لن ينجذب للكتاب مهما كانت فكرته سامية، وعلى هذه الفكرة بالذات أمثلة متعددة من قصص الأطفال الصادرة في فلسطين في الفترة الأخيرة، حيث يشعر المرء بأن ثمة استسهالاً وإسهالاً مرضياً في كتابة بعض تلك القصص.
ومن أجل ذلك، تؤكد المربية سروجي أن الكتابة للطفل من أصعب أنواع الكتابة؛ فهي تتطلب من الكاتب أن يتواصل مع الطفل الذي بداخله، وأن يتخلى عن أستاذيته ليصغي لوشوشات الأطفال وتجاربهم، فنحن بحاجة إلى أدب يحترم ذكاء الطفل وإحساسه بالجمال، ويقدم له نصوصاً تتنوع بين الشعر، والكومكس، والحكايات الشعبية، وكتب اللامعقول (Nonsense)- وليست كتب الفنتازيا- التي تثير الضحك والمتعة، إن استعادة المتعة بوصفها قيمة عليا في الأدب هي المدخل الوحيد لصناعة جيل يعشق الكتاب لذاته، لا لأنه أداة للنجاح المدرسي.
في واحدة من الأطروحات الفكرية اللافتة التي تناولها الحوار تبرز استعارة (بروس فيلر) [7] (Bruce Feiler) حول ضرورة وجود جراثيم في القصص، إن محاولة الأهل والمربين تعقيم قصص الطفولة من كل ما هو مؤلم أو واقعي مثل الفقد، والحرب، والطلاق، والموت، تشبه محاولة تعقيم الغرفة من الجراثيم؛ والنتيجة الحتمية هي طفل يفتقر إلى المناعة النفسية وهشاشة في مواجهة تحديات الحياة.
إن الأدب العربي مطالب اليوم بامتلاك الشجاعة لمقاربة الموضوعات الصعبة بحساسية ومهنية، ففي مجتمعات منكوبة تعيش ويلات التهجير والفقر والتجويع، والإنسان- بما فيه الطفل نفسه- غير آمن على حياته، لا يمكن للكاتب أن يقدّم للطفل أدباً وردياً منفصلاً عن واقعه، فالطفل الذي يرى الموت والدمار في حياته اليومية يحتاج إلى قصص تساعده على تسمية أوجاعه ووضعها في إطار سردي يمنحه الأمل والطمأنينة والقوة والتماسك النفسي، بحيث لا تزيد القصة من آلامه، بل تضمّد جراحه عبر المشاركة الوجدانية وإشعاره بأنه ليس وحيداً في هذه التجربة.
وهنا يأتي دور الأهل والمربين كمرشدين وليس ملقنين، فالحوار التفاعلي بعد قراءة قصة تتناول موضوعاً صعباً هو الذي يوصل الطفل إلى بر الأمان، وإن الأدب الذي يحتوي على هذه الجراثيم الواقعية هو الذي يبني إنساناً صلباً قادراً على مواجهة الواقع وتغييره، بدلاً من الهروب منه نحو عوالم خيالية زائفة، إنها دعوة للعودة إلى أدب يلامس الجوهر الإنساني في أقسى تجلياته مع الحفاظ على المساحة الآمنة التي تضمن نمو الطفل النفسي دون صدمات.
إن تحويل القراءة إلى فعل يومي مستدام لا يتطلب ميزانيات ضخمة، بل يتطلب إرادة واعية وفهماً عميقاً لدور القدوة، فالقراءة ليست تمريناً مدرسياً خاضعاً للتقييم والتقويم الصارمين، بل فلسفة حضور في حياة الطفل.
لقد طرحت منى سروجي مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تؤدي إلى دمج الكتاب في أدق تفاصيل الروتين اليومي، فبرزت إستراتيجية نمذجة القراءة الممسرحة، فالأم التي تقرأ تصنع طفلاً قارئاً، وعندما يرى الطفل والديه يتفاعلان مع الكتاب بضحك ومتعة ولعب أدوار، كما في قصة البقرة التي باضت [8] التي تتطلب مسرحة وتغييـراً في الأصوات- وقد أدت سروجي مقطعاً قصيراً منها خلال اللقاء- عند ذلك يدرك الطفل أن القراءة هي فعل حي وممتع، وليست واجباً ثقيلاً، فالقدوة هي المحرك الأساسي في مثل هذا النشاط.
بالإضافة إلى النمذجة تطرح سروجي إستراتيجية حقيبة الأم كمؤسسة ثقافية، فوجود الكتاب دائماً في حقيبة الأهل- تلك التي تشبه مغارة علي بابا- يحول لحظات الانتظار المملة في السيارة، أو عند الطبيب، أو في السوبر ماركت إلى فرص عملية للقراءة، ويرسخ هذا السلوك لدى الطفل فكرة أن الكتاب رفيق دائم للحياة، وليس محبوساً في المكتبة.
وتطرح في الاستراتيجية الثالثة استعادة المتعة قبل الفائدة، إذ يجب أن يكون الهدف الأول للقراءة هو الاستمتاع والضحك والاسترخاء، حيث الفائدة التعليمية ستأتي تحصيلَ حاصلٍ، ولكن إذا غابت المتعة، غاب الطفل عن الكتاب، فالقراءة يجب أن تكون طقساً حميمياً يربط الطفل بوالديه عبر القصص اليومية، حتى تلك التي يرتجلها الأهل حول ما حدث في يومهم.
إن هذه الممارسات البسيطة في ظاهرها وقد أطلقت عليها إستراتيجيات؛ لأنها في جوهرها تمثل فعلاً سياسياً طويل الأمد، ويحتاج إلى أناة وصبر واجتهاد، ومن شأنه أن يربي الطفل على الاستقلال الفكري والحرية، فالطفل الذي يعتاد الحوار والنقاش حول ما يقرأ مشروع مواطن ناقد لا يقبل المسلمات، ويمتلك القدرة على بناء عالمه الخاص بعيداً عن القوالب الجاهزة.
في الختام، تظل القصة هي الوقفة الإنسانية الأكثر رصانة في وجه ضجيج العالم المعاصر وإيقاعه المتسارع الذي يسلبنا قدرتنا على التأمل، بل إنها الفعل الذي يعيد الاعتبار للعمق في زمن السطحية، وللمعنـى في زمن السيولة، وإن المراجعة الاستراتيجية لهذا الحوار الفكري التربوي تؤكد أن القصة هي التي تصنع إنساناً يصعب عليه قطع شجرة- مستعيرة هذه الفكرة من الأستاذة هيفاء نجار[9]- لأنه تذوق قيمة النمو والجمال والحياة من خلال صفحات كتاب.
إن الطفل لا يُغرم بالكتاب لأنه يحكي قصة جميلة فقط، بل يغرم بالكتاب الذي يجعله يرى نفسه والعالم بطريقة جديدة، هذه الرؤية الختامية التي يختم بها هذا (البودكاست) تضع على عاتق المجتمع بأسره من مدارس، ومكتبات عامة، ومعارض كتب مسؤولية دعم هذا الحراك الثقافي.
إن القراءة قد تساعد على حماية طفولة الأطفال، وقد تساهم في تأسيس مستقبل عربي يمتلك فيه الجيل الجديد لغته، وهويته، وقدرته على الحلم والتغيير، وكما بقيت قصة عقلة الإصبع [10] في ذاكرة منى سروجي لتذكرها بأن الصغار بذكائهم قادرون على تجاوز التحديات، يجب أن يترك الأهل والمعلمون في قلوب الأطفال قصصاً تكون المنارة التي ترشدهم في دروب الحياة الوعرة، فالقصة ليست كلمات؛ إنها الذاكرة التي لا تموت، وليست القصص القرآني الدليل الوحيد على أهمية السرد القصصي في حياة البشرية المتحضرة.
............................
الهوامش والإحالات:
[1] بثّ اللقاء بتاريخ: 24/6/2026 على منصة منهجيات في موقع اليوتيوب.
[2] فلسطينية من مدينة الناصرة، لُغويّة واختصاصيّة في تربية الطفولة المبكرة وأدب الأطفال، درست اللغة العربيّة وآدابها، وتربية الطفولة المبكرة وأدب الأطفال. عملت مدرّسة للّغة العربيّة، ومرشدة تربويّة، وساهمت في بناء وإدارة برامج محليّة وإقليميّة لتدريب عاملين وعاملات في حقول الطّفولة والشّباب والصّحة المجتمعيّة. تعمل حاليًّا في تطوير موارد للأهل وللعاملين في مَجالَي الطفولة المبكرة وأدب الأطفال، وفي تحرير كتب الأطفال. تنشط كذلك في دراسة القصّة للطفل، خاصّة الحكاية الشعبيّة.
[3] تربوية لبنانية ومرشدة لتعليم اللغة العربية، تشغل منصب قائدة برنامج في منظمة البكالوريا الدولية، وحاصلة على إجازة في آداب اللغة العربية من الجامعة اللبنانية في بيروت، ودرجة الماجستير في مجال التعليم، تعمل معلمة للغة العربية للمرحلة الابتدائية، وتتولى إرشاد وتوجيه المعلمين في مدارس البكالوريا الدولية. وتشارك في كتابة مقالات واستراتيجيات للتعليم المعاصر.
[4] موقع إلكتروني ومجلة تربوية إلكترونية دورية ذات طبيعة تفاعلية، حيوية، متجددة، مواكِبة، تعرّف نفسها بأنها "مبادرة تقوم على إتاحة منصة تربوية تتفاعل فيها الأفكار والمعارف والممارسات والتجارب والمبادرات التربوية الخلاقة، وتسهم في الارتقاء بالتعليم في العالم العربي من خلال حوار نقدي يشجع على التساؤل والخيال والتجريب والابتكار والإبداع".
[5] يُنظر على سبيل المثال: كتاب "السرد في الصحافة"، إعداد محمد أحداد، معهد الجزيرة للإعلام، 2021، وكتاب "هندسة المعنى- دليل في تقنيات السرد الصحفي"، عبد الله مكسور، دار أريج (ARIJ)، 2025.
[6] فلسطينية، ولدت عام 1968 في قرية كفر ياسيف، شخصية أكاديمية وباحثة بارزة في مجال اللسانيات (علم اللغة)، وتعد من المتخصصين الرائدين عالمياً في دراسة اكتساب اللغة والقراءة لدى الأطفال، خاصة في سياق اللغة العربية، نالت اللقب الثاني من جامعة ريدينغ في بريطانيا، وأجرت أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة تورونتو بكندا، تُعرف بكونها من أوائل الباحثين الذين وضعوا الأسس العلمية لدراسة "ازدواجية اللغة العربية" وتأثيرها في تطور القراءة لدى الأطفال؛ أي الفجوة اللغوية بين العربية المحكية (العامية) والعربية الفصحى، وكيف تؤثر هذه الازدواجية على اكتساب القراءة والوعي الصرفي لدى الطفل.
[7] كاتب أمريكي من مواليد عام 1964، صاحب عمود في صحيفة "نيويورك تايمز"، متخصص في القضايا الأسرية والاجتماعية. صاحب كتاب "أسرار العائلات السعيدة" (The Secrets of Happy Families).
[8] قصة "البقرة التي باضت" (أو "البقرة التي وضعت بيضة") (2008) هي قصة أدب الأطفال من تأليف الكاتب والرسام الإنجليزي آندي كوتس (Andy Cutbill)، من كلاسيكيات القصص المصورة التي تُستخدم غالباً في المناهج التربوية لتعليم الأطفال أهمية التقبل، والاختلاف، وبناء الثقة بالنفس، وتدور أحداثها حول بقرة اسمها "مارجوري" تشعر بأنها عادية جداً، فتقرر أن تبدأ في "وضع بيض" لتصبح مميزة، مما يثير دهشة الحيوانات الأخرى في المزرعة، ترجمتها فاطمة شرف الدين، وصدرت عن دار كلمات في الشارقة عام 2010.
[9] شخصية وطنية أردنية بارزة، ولدت في مدينة الزرقاء عام 1959، وحاصلة على بكالوريوس في التربية من الجامعة الأردنية (1982)، وماجستير في الإدارة التحولية من جامعة باكنغهام في إنجلترا (2003)، بالإضافة إلى شهادة في قيادة المدارس الدولية من الولايات المتحدة، لها إسهامات واسعة في مجالي التربية والعمل العام والسياسة، وعُرفت بدورها القيادي حيث عملت مديرة عامة للمدرسة الأهلية للبنات ومدرسة المطران للبنين في عمان، وشغلت منصب وزيرة الثقافة، وهي عضو في عدة مجالس ومؤسسات وطنية أردنية، منها: مجلس الأعيان، ومجلس التربية والتعليم، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الأعلى للشباب.
[10] القصة الرابعة عشرة من سلسلة قصص "المكتبة الخضراء للأطفال" الشهيرة، مكتوبة بقلم عادل الغضبان، وتقع في (46) صفحة، وتنتهي القصة بستة عشر سؤالاً حول القصة.