الصين وصناعة التوازن العالمي الجديد


Case

2026-05-16 17:56

Copy Link

جاءت اللقاءات الأخيرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الصيني شي جين بينغ، لتكشف أن العالم يدخل مرحلة جديدة تقوم على "إدارة التنافس" بدل المواجهة المباشرة. فلم تعد العلاقات الأميركية الصينية تُقرأ اليوم بوصفها مجرد تنافس ثنائي بين قوتين عظميين، بل أصبحت تمثل العنوان الأبرز لتحول تاريخي يشهده النظام الدولي، عنوانه الانتقال التدريجي من الهيمنة الأحادية الأميركية إلى نظام متعدد الأقطاب، تتقدم فيه الصين باعتبارها قوة اقتصادية وجيوسياسية صاعدة تمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدود آسيا إلى قلب التوازنات العالمية.

فرغم استمرار الخلافات حول تايوان، والتكنولوجيا، والرقائق الإلكترونية، والنفوذ العسكري في المحيطين الهندي والهادئ، فإن الطرفين يدركان أن الصدام المفتوح ستكون كلفته كارثية على الاقتصاد العالمي.

وتبرز أهمية هذه اللقاءات في توقيتها الدولي الحساس، حيث تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتتواصل الحرب في أوكرانيا، فيما تواجه الأسواق العالمية ضغوطًا متزايدة مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتباطؤ الاقتصادي. لذلك لم يكن حديث وزير الخارجية الصيني وانغ يي عن "الاستقرار الاستراتيجي" بين بكين وواشنطن مجرد توصيف دبلوماسي، بل تعبيرًا عن إدراك متبادل بأن العالم لم يعد يحتمل صدامًا بين أكبر اقتصادين عالميين.

أما الولايات المتحدة، فقد دخلت اللقاء وهي تسعى إلى تحقيق عدة أهداف إستراتيجية في آن واحد. أول هذه الأهداف كان احتواء التوتر الاقتصادي مع الصين ومنع انزلاق العلاقات نحو حرب تجارية جديدة قد تُربك الأسواق العالمية وترفع معدلات التضخم داخل الاقتصاد الأميركي. كما أرادت واشنطن استخدام الحوار للضغط على بكين في ملفات حساسة، أبرزها العلاقة مع إيران، والتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، إضافة إلى محاولة ضمان عدم تحول الصين إلى مظلة سياسية واقتصادية واسعة للقوى المناهضة للنفوذ الأميركي.

ويمكن القول إن واشنطن حققت جزءًا من أهدافها، خاصة في الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة، وإظهار قدرتها على إدارة التنافس مع الصين دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. إلا أنها لم تنجح في تغيير الثوابت الصينية الكبرى، سواء فيما يتعلق بتايوان أو بالعلاقة مع إيران وروسيا، وهو ما يعكس حدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها منفردة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.

وفي المقابل، دخلت الصين اللقاء وهي أكثر ثقة بقدرتها على تثبيت مكانتها الدولية. فبكين أرادت أولًا تقديم نفسها كقوة مسؤولة تسعى إلى الاستقرار العالمي، لا كطرف يدفع نحو التصعيد. كما هدفت إلى حماية بيئتها الاقتصادية والتجارية في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، والحفاظ على تدفق التجارة والطاقة، خاصة من منطقة الخليج العربي. كذلك سعت الصين إلى تثبيت مبدأ الاعتراف الدولي بسياسة "الصين الواحدة" فيما يتعلق بتايوان، وإقناع واشنطن بأن سياسة الاحتواء لن تمنع صعودها الدولي.

ويبدو أن بكين خرجت من اللقاء بمكاسب سياسية ومعنوية مهمة، أبرزها تكريس فكرة "التوازن الدولي" بدل الهيمنة الأحادية، إضافة إلى تثبيت حضورها كوسيط مقبول في ملفات دولية وإقليمية معقدة. كما أن الاتفاق على استمرار آليات التعاون الاقتصادي والتجاري، والإعداد لزيارة رسمية مستقبلية للرئيس شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، يعكس نجاح الصين في فرض منطق الحوار المتبادل بدل لغة الضغوط.

ورغم أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك التفوق العسكري الأكبر عالميًا، فإن الصين استطاعت خلال العقدين الماضيين بناء نفوذ دولي متسارع عبر الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية. فقد تجاوز حجم الاقتصاد الصيني 18 تريليون دولار، وأصبحت بكين الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، فيما يواصل مشروع "الحزام والطريق" توسيع النفوذ الصيني عبر الموانئ والممرات البحرية والاستثمارات الإستراتيجية الممتدة من آسيا إلى إفريقيا والبحر المتوسط.

هذا التحول منح الصين قدرة متزايدة على التأثير في الملفات الدولية الحساسة، خاصة في منطقة الخليج العربي التي تمثل شريان الطاقة العالمي. فمضيق هرمز وحده يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الصيني على إعادة فتح المضيق والحفاظ على التهدئة الإقليمية، باعتبار أن أمن الطاقة بالنسبة لبكين ليس ملفًا سياسيًا فقط، بل ضرورة إستراتيجية تمس استقرار الاقتصاد الصيني ذاته.

وتكمن خصوصية الدور الصيني في أنه يقوم على مبدأ "التوازن المرن"، إذ تحافظ بكين على علاقات متوازنة مع إيران والسعودية ودول الخليج في آن واحد، دون الانخراط في محاور عسكرية حادة. وقد ظهر ذلك بوضوح في رعايتها الاتفاق السعودي الإيراني عام 2023، في خطوة اعتُبرت تحولًا مهمًا في طبيعة الحضور الصيني بالشرق الأوسط، ورسالة بأن بكين لم تعد مجرد شريك اقتصادي، بل لاعبًا سياسيًا قادرًا على التأثير في مسارات الاستقرار الإقليمي.

وفي المقابل، تبدو واشنطن أكثر إدراكًا لتعقيدات المرحلة الجديدة. أبرزها ارتفاع الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار، إضافة إلى التنافس التكنولوجي الحاد مع الصين وتدرك أهمية الدور الصيني المتنامي القادر على الجمع بين النفوذ الاقتصادي والتهدئة السياسية، في مرحلة دولية مضطربة بات فيها الحفاظ على الاستقرار العالمي مصلحة مشتركة تتجاوز حدود الصراع التقليدي بين الشرق والغرب.

......................................................................

*باحث في السياسات العامة والعلاقات والأزمات الدولية

 

>