التحديات واللامبالاة والمجهول..وأشياء أخرى


Case

2026-06-11 19:00

Copy Link

ما يثير القلق اليوم ليس فقط حجم التحديات التي تواجه شعبنا الفلسطيني، بل حالة اللامبالاة التي تتسلل إلى وعينا الجمعي، حتى تجاه أكثر القضايا جوهرية وعدالة. أصبحنا ننتظر الحلول من المجهول، ونترقب من يتحرك نيابة عنا، بينما تتآكل حقوقنا وقضايانا أمام أعيننا يوماً بعد يوم.

منذ أسابيع، يعتصم عدد محدود من الجرحى والأسرى المحررين أمام مجلس الوزراء احتجاجاً على قطع رواتبهم ومستحقاتهم. لا يتجاوز عدد المعتصمين في كثير من الأحيان عشرين أو ثلاثين شخصاً، وهم ممن دفعوا من أجسادهم وأعمارهم ثمناً لهذا الوطن. في المقابل، نتحدث عن مئات الآلاف من الأسرى المحررين والجرحى وعائلاتهم ومناصريهم، لكن الحضور الشعبي يبقى محدوداً إلى حد يبعث على الأسى.

الأمر ذاته يتكرر في الاعتصامات الداعمة للأسرى أمام مقار الصليب الأحمر، حيث لا يتجاوز عدد المشاركين عشرات الأشخاص. فكيف نتوقع استجابة حقيقية لمطالبنا إذا عجزنا عن تحويل قضايانا إلى قضية رأي عام؟ وكيف نطالب العالم بأن يسمع صوتنا بينما نعجز نحن عن رفعه بالقدر الكافي؟

وفي المقابل، نرى نماذج أخرى في المنطقة والعالم؛ حيث تستمر الاحتجاجات والحشود الشعبية بمئات الآلاف لشهور وسنوات دفاعاً عن قضاياها ومطالبها، دون انقطاع أو فتور. أما نحن، فكأننا اعتدنا الألم حتى أصبح جزءاً من المشهد اليومي.

عمالنا يُهانون على الحواجز يومياً بحثاً عن لقمة العيش. يجازفون بحياتهم بكل الوسائل الممكنة، ويتعرضون للإذلال والملاحقة والقتل أحياناً، فقط ليؤمنوا قوت أسرهم. ومع ذلك، ما زال هناك من يعيش في عزلة عن واقع الناس ومعاناتهم، ويكتفي بإلقاء الدروس في الوطنية والمزايدة بالشعارات الرنانة التي لا تسندها أفعال ولا تترجمها مواقف.

الوطنية ليست خطاباً مرتفع السقف، ولا شعارات تلامس السماء. الوطنية موقف ومسؤولية ومشاركة وتضحية. أما احتكار الوطن وادعاء الوصاية عليه باسم الوطن وحمايته  وهي بالاساس حماية للمصالح الفرظية والامتيازات، فهو أحد أخطر أشكال الانفصال عن الواقع.

إن ما نمر به ليس أزمة طرف واحد، بل مسؤولية جماعية يتحمل الجميع نصيباً منها؛ أفراداً ومؤسسات وقوى سياسية ونخباً ومجتمعاً. وإذا استمرت حالة اللامبالاة والتراجع عن الفعل والمبادرة، فإن الخسارة لن تكون لقضية بعينها، بل لمجمل المشروع الوطني.

الأرض تُسلب شبراً بعد شبر، والاستيطان يلتهم ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية كل يوم، بينما يظل الحراك الشعبي دون الحد الأدنى المطلوب. وما لم نستعد روح المبادرة والمسؤولية الجماعية، فقد نصل إلى مرحلة لا يبقى فيها شيء نختلف عليه أو نبكي من أجله.

فالأوطان لا يحميها الانتظار، ولا تصونها الأمنيات، بل يحميها شعب حيّ يرفض الصمت عندما تُمس حقوقه وكرامته ومستقبله.

>