
2024-08-02 09:24
الإدمان، بكافة أنواعه، يُعد آفة مجتمعية تهدد الكيان الاجتماعي وتُلقي بظلالها على الفرد والأسرة والمجتمع ككل. إنه تلك الحلقة المفرغة التي ينساق إليها الأفراد، حيث يجدون أنفسهم في دوامة لا فكاك منها، تتغلغل في حياتهم وتسرق منهم الوعي والإرادة. إن الإدمان لا يقتصر فقط على المواد المخدرة، بل يتعدى ذلك ليشمل الإدمان على التكنولوجيا، الألعاب الإلكترونية، وحتى العلاقات السامة.
في قلب هذا الصراع، يأتي دور الإرشاد النفسي، حاملاً في جعبته أدوات العلم والمعرفة ليعيد للإنسان قدرته على السيطرة على ذاته واستعادة حريته المسلوبة. الإرشاد النفسي ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة سامية تهدف إلى غرس الأمل وإعادة بناء الذات المحطمة. يتطلب الأمر من المرشد النفسي فهماً عميقاً للإنسان ومعاناته، حيث يسعى المرشد لتفكيك العقد النفسية التي تربط المدمن بالإدمان، ويعمل على تقوية نقاط القوة لديه ليكون قادراً على مواجهة ضعفه.
أما الإرشاد الأسري، فهو الحلقة الذهبية في سلسلة العلاج والتوعية. في مجتمعاتنا العربية، تُشكل الأسرة نواة المجتمع وأساسه المتين. يتوجب على الأسرة أن تكون واعية ويقظة تجاه أي تغييرات في سلوك أفرادها. الإرشاد الأسري يساعد الآباء والأمهات على اكتشاف علامات الإدمان مبكراً، ويوفر لهم الأدوات اللازمة للتعامل مع هذه الأزمة بأسلوب صحيح وفعال. فالعائلة الداعمة والمساندة تُعد أهم ركن في رحلة العلاج، إذ تساهم في توفير بيئة آمنة ومستقرة تُمكّن المدمن من التعافي واستعادة حياته.
دور الإرشاد الأسري في الوقاية من الإدمان يتمثل في عدة أمور منها
التوعية والتعليم: من خلال جلسات التوعية، يُمكن للإرشاد الأسري أن يُعلم الأهل والأبناء عن مخاطر الإدمان وآثاره السلبية على الحياة الشخصية والاجتماعية. يمكن للإرشاد الأسري أن يزود الأسر بالمعلومات اللازمة حول علامات الإدمان المبكرة، وكيفية التعرف عليها والتصرف حيالها.
تعزيز القيم الأسرية: الإرشاد الأسري يساعد في تعزيز القيم الأسرية الإيجابية مثل التواصل المفتوح، الثقة، والتفاهم. هذه القيم تُشكل أساساً قوياً يمكن أن يحد من توجه الأفراد نحو الإدمان.
تشجيع الأنشطة البديلة: الإرشاد الأسري يشجع الأسر على تشجيع أفرادها لممارسة الأنشطة الصحية والبديلة التي تملأ وقت الفراغ بطريقة إيجابية مثل الرياضة، الفنون، والهوايات المختلفة.
ويمكن أن نذكر بعضاً من أدوار الارشاد الاسري في الوقاية والارشاد النفسي المدمن والعائلة والتي تتمثل في
الدعم العاطفي والنفسي: يُعتبر الدعم العاطفي من الأسرة أحد أهم العوامل التي تساعد المدمن في رحلة التعافي. الإرشاد الأسري يوفر توجيهات للأسر حول كيفية تقديم الدعم العاطفي المناسب دون ممارسة الضغوط الزائدة.
المشاركة في برامج العلاج: الإرشاد الأسري يمكن أن يشجع الأسر على المشاركة الفعالة في برامج العلاج المقدمة للمدمن. حيث يمكن للأسرة أن تكون جزءاً من العملية العلاجية من خلال حضور جلسات العلاج الأسري المشتركة.
إعادة بناء العلاقات: الإدمان يُحدث شرخاً في العلاقات الأسرية، والإرشاد الأسري يعمل على إعادة بناء هذه العلاقات من خلال تحسين التواصل والتفاهم بين أفراد الأسرة.
أما في واقعنا الفلسطيني، تزداد أهمية الإرشاد النفسي والأسري أضعافاً مضاعفة. فالواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، من حصار وحروب مستمرة، يُشكل ضغطاً نفسياً هائلاً قد يدفع بالبعض إلى البحث عن مخرج وهمي عبر بوابة الإدمان. هنا، يتجلى دور المرشد النفسي والأسري في دعم الأسر لمواجهة هذه التحديات والوقوف جنباً إلى جنب مع أبنائها في معركة الحياة.
الإرشاد النفسي في فلسطين لا يقتصر فقط على علاج الإدمان، بل يتجاوز ذلك ليصبح بلسماً لجروح الروح ومعيناً على تجاوز مصاعب الحياة اليومية. إن المرشدين النفسيين في هذا السياق يضطلعون بمهمة مزدوجة، فهم ليسوا فقط معالجين، بل أيضاً مرشدين وموجهين لحياة أفضل. يجب أن تُعزز الأسرة الفلسطينية بقيم الصمود والتحدي، وأن تُشجع أبناءها على البحث عن منافذ إيجابية لتفريغ الضغوط النفسية، مثل الفن، الرياضة، والمشاركة في الأنشطة المجتمعية.
يُعد الإدمان تحدياً كبيراً يواجه المجتمعات، لكن بالإرشاد النفسي والأسري يمكننا بناء جدران من الوعي والمعرفة حول الأفراد لحمايتهم من الوقوع في براثن هذه الآفة. علينا أن نُدرك أن لكل فرد دوره ومسؤوليته في هذه المعركة، وأن يد العون والدعم يجب أن تمتد دائماً لمن يحتاجها. الإرشاد هو فن الحياة، هو النور الذي يُضيء دروب الظلام ويعيد الأمل في النفوس المتعبة.