
2026-07-16 06:53
يعود النقاش من جديد هل نجري انتخابات أم لا؟ وكأن الانتخابات أصبحت هي الحل السحري لكل الأزمات التي تراكمت خلال العقود الماضية. لكن الحقيقة أن مشكلتنا لم تكن يوماً في غياب الانتخابات "كإجراء إداري"، بل في غياب الاتفاق على ما نريده منها، وعلى أي مشروع سياسي يفترض أن تخدمه.
فمنذ ما يقرب من عشرين عاماً نعيش نحن الفلسطينيون حالة من الانقسام السياسي والمؤسساتي، وتعطلت الحياة الدستورية، وتآكلت الشرعيات، وتداخلت المرجعيات، حتى أصبح النظام السياسي عاجزاً عن تجديد نفسه أو استعادة ثقة الناس به.
ومع ذلك، كلما طُرحت فكرة "الإصلاح" عاد النقاش مباشرة إلى الانتخابات، وكأن مجرد تحديد موعد للاقتراع كفيل بحل الأزمة. هذا التبسيط يختزل مشكلة أعمق بكثير؛ لأن الانتخابات في أي نظام سياسي ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لإنتاج شرعية جديدة داخل إطار سياسي متفق عليه.
التجربة الفلسطينية نفسها تقدم دليلاً واضحاً على ذلك. ففي انتخابات البلديات عام 1976 لم تكن القضية مجرد اختيار مجالس محلية، بل تحولت الانتخابات إلى تعبير وطني عن الهوية الفلسطينية، ولذلك تعامل معها الاحتلال باعتبارها تهديداً سياسياً حقيقياً وعمل على افشلها كحالة نضالية. أما انتخابات عام 1996 فجاءت في سياق اتفاق أوسلو، فأصبحت جزءاً من بناء سلطة انتقالية محدودة السيادة، بينما تراجع حضور المشروع الوطني الجامع. ثم جاءت انتخابات 2006، وكانت من أكثر الانتخابات نزاهة من الناحية الإجرائية، لكنها انتهت إلى انقسام سياسي وجغرافي ومؤسساتي ما زلنا نعيش نتائجه الكارثية حتى اليوم.
المشكلة هنا لم تكن في نزاهة الانتخابات أو دوريتها، بل في غياب الاتفاق على قواعد الشراكة السياسية بعد إعلان النتائج. لقد اكتشفنا متأخرين أن الديمقراطية لا تبدأ بإعلان النتائج ومنهم الأغلبية ومنهم الأقلية، بل تبدأ بالاتفاق على كيفية إدارة الخلاف بعد ظهور النتائج.
من هنا يبدو واضحاً أن الأزمة الفلسطينية هي أزمة نظام سياسي أكثر مما هي أزمة انتخابات. فنحن لسنا أمام دولة مستقلة تمارس سيادتها الكاملة، ولسنا أيضاً أمام حركة تحرر وطني بالمعنى التقليدي. الحالة الفلسطينية تجمع بين الأمرين معاً؛ شعب يخوض معركة تحرر ضد احتلال استيطاني، وفي الوقت نفسه يمتلك سلطة وطنية تدير شؤون الحياة اليومية في جزء من الأرض الفلسطينية ضمن صلاحيات محدودة. المشكلة لم تكن في وجود هذين المستويين، بل في غياب الفصل الواضح بينهما.
مع مرور الوقت تحولت السلطة الوطنية، بحكم الموارد والإدارة والحضور اليومي، إلى مركز الثقل السياسي، بينما تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أنها ما زالت الإطار الوطني الجامع والممثل التاريخي والشرعي للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. وهكذا نشأ تداخل في المرجعيات والوظائف؛ فلم يعد واضحاً من يقود المشروع الوطني، ومن يدير الشأن اليومي، ومن يمثل الفلسطينيين جميعاً، ومن يضع الاستراتيجية الوطنية العليا. هذا التداخل هو أحد أهم أسباب الشلل السياسي الذي نعيشه اليوم.
لذلك فإن أي إصلاح جدي يجب أن يبدأ بإعادة تنظيم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية. الفكرة هنا ليست إلغاء أي منهما، ولا الدخول في صراع جديد بين المؤسستين، بل إعادة كل مؤسسة إلى وظيفتها الطبيعية. فالمنظمة يجب أن تبقى المرجعية الوطنية العليا التي تمثل الشعب الفلسطيني كله، وتقود المشروع الوطني، وتحدد السياسات الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية. أما السلطة الوطنية فينبغي أن تتفرغ لإدارة شؤون المواطنين، وتقديم الخدمات، وتعزيز الصمود، وتحسين الأداء المؤسسي. حين يصبح هذا الفصل واضحاً، تتحول العلاقة بين المؤسستين من علاقة تنافس وتداخل إلى علاقة تكامل وتوزيع مسؤوليات.
وفي السياق نفسه، لا يمكن الحديث عن إعادة بناء النظام السياسي من دون إعادة الاعتبار للمجلس الوطني الفلسطيني باعتباره المؤسسة الجامعة للشعب الفلسطيني كله. لكن ذلك لا يعني تهميش المجلس التشريعي أو التقليل من أهميته، فالمجلس التشريعي يبقى المؤسسة المنتخبة التي تعبر عن إرادة الفلسطينيين في الداخل، وتراقب الحكومة، وتشرع للقضايا المرتبطة بالحياة اليومية. أما المجلس الوطني فيبقى المرجعية العليا للقضايا الوطنية الجامعة التي تخص الفلسطينيين في الداخل والشتات معاً. بهذا التوزيع الواضح للأدوار يمكن تجاوز حالة ازدواجية الشرعيات التي أرهقت النظام السياسي سنوات طويلة.
وتبقى قضية الشتات هي الاختبار الأصعب لأي مشروع إصلاح وطني، فالفلسطينيون ليسوا فقط من يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل هناك ملايين الفلسطينيين المنتشرين في عشرات الدول. ومن الصعب الحديث عن نظام سياسي وطني بينما يبقى نصف الشعب تقريباً خارج دائرة التمثيل الفعلي. صحيح أن الانتخابات المباشرة للمجلس الوطني تبدو الخيار الأمثل من حيث المبدأ، لكن الواقع يجعل تنفيذها في مختلف دول العالم مهمة شديدة التعقيد بسبب اختلاف القوانين والسيادات والظروف السياسية. لذلك قد يكون من الواقعي التفكير في صيغة تقوم على التوافق الديمقراطي المنظم، من خلال إعادة إحياء الاتحادات والنقابات والهيئات الشعبية الفلسطينية في الخارج، وعقد مؤتمرات وطنية في ساحات الشتات تشارك فيها القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة لاختيار تمثيل يعكس التنوع الحقيقي للشعب الفلسطيني. هذه الصيغة ليست بديلاً دائماً عن الانتخابات، لكنها قد تكون خطوة عملية لإعادة بناء المجلس الوطني بدل إبقاء القضية معلقة إلى أجل غير معلوم.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم. لقد اعتاد الفلسطينيون النظر إلى الانتخابات باعتبارها بداية الإصلاح، بينما يبدو أن التجربة تقول العكس تماماً. فالانتخابات يجب أن تكون نتيجة لمسار إصلاحي متكامل، لا نقطة انطلاق له. فإذا جرت الانتخابات بينما بقيت المرجعيات متداخلة، والانقسام قائماً، وقواعد الشراكة غائبة، فإنها قد تعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة. أما إذا سبقتها إعادة تنظيم العلاقة بين المنظمة والسلطة، وتوسيع التمثيل الوطني، والاتفاق على قواعد الشراكة السياسية، فإنها تصبح أداة لتجديد الشرعية واستعادة الثقة بالمؤسسات، لا سبباً لصراع جديد عليها.
لهذا فإن الأولوية اليوم لا يمكن لها أن تكون مجرد تحديد موعد للانتخابات، بل إطلاق حوار وطني جاد يعيد تعريف شكل النظام السياسي الفلسطيني ووظائف مؤسساته وعلاقته بالمشروع الوطني. فالمجتمع الفلسطيني، بعد سنوات الانقسام والحروب والتدهور الاقتصادي والاجتماعي، يحتاج إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص، وإلى مرجعية وطنية واضحة، وإلى توزيع مسؤوليات يمنع احتكار القرار ويعزز المساءلة والثقة العامة.
إن الانتخابات ليست هي الأزمة الفلسطينية، كما أنها ليست الحل السحري لها. هي أداة يمكن أن تتحول إلى مدخل حقيقي لإعادة بناء النظام السياسي إذا جاءت في إطار رؤية وطنية واضحة تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتنظم العلاقة بينها وبين السلطة، وتعيد إشراك الفلسطينيين في الداخل والشتات في صناعة القرار الوطني.
عندها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من مناسبة للخوف من انقسام جديد إلى مناسبة لاستعادة الشرعية والوحدة والقدرة على مواجهة المستقبل بثقة أكبر. فالقضية اليوم ليست أن نذهب إلى صناديق الاقتراع فحسب، بل أن نعرف أولاً أي نظام سياسي نريد أن نبنيه، وأي مشروع وطني نريد لهذه الانتخابات أن تخدمه.