
2026-04-22 17:43
تواجه جامعة بيرزيت، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية وأكثرها تأثيرًا في إنتاج الكفاءات الوطنية، مرحلة حساسة في مسارها التاريخي الممتد لعقود. فالجامعة التي خرجت أجيالًا من الأكاديميين والقيادات السياسية والمهنية داخل فلسطين وخارجها، باتت اليوم أمام إشكالية متكررة تتعلق باستقرار العملية الأكاديمية برمتها، في ظل موجات متتالية من الإضرابات والاحتجاجات والإغلاقات داخل الحرم الجامعي، بما لا ينعكس فقط على التعليم، بل على مستقبل الجامعة ككيان مؤسسي ودورها ومكانتها.
اليوم الأربعاء الموافق 22 نيسان/أبريل 2026، أغلقت جامعة بيرزيت أبوابها مجددًا، في خطوة جاءت في سياق تعطيل مرتبط بتفاعلات داخلية، وذلك رغم الحاجة الملحة لاستمرار التدريس من أجل استكمال الفصل الدراسي في موعده. هذا الإغلاق يعيد طرح أسئلة أعمق تتجاوز انتظام الدراسة، لتصل إلى جوهر قدرة الجامعة على الاستمرار كمؤسسة أكاديمية مستقرة وفاعلة، في ظل تكرار حالات التعطيل خلال السنوات الأخيرة.
خلال العقد الماضي، لم تعد حالات تعطيل الدراسة في بيرزيت أحداثًا استثنائية، بل تحولت إلى نمط متكرر يتراوح بين الإضرابات الطلابية والإغلاقات الجزئية أو الكاملة للحرم، ما أدى في أكثر من محطة إلى تعطيل التقويم الأكاديمي وتأجيل أو اضطراب الفصول الدراسية، وإرباك مسار آلاف الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية، مع ما يرافق ذلك من ضغط متواصل على البنية الإدارية والتنظيمية للجامعة.
تشير الوقائع إلى أن الجامعة شهدت سلسلة من حالات التعطيل المتكررة، من أبرزها عام 2019 حين أُغلق الحرم الجامعي على خلفية اعتصامات واحتجاجات طلابية داخل الجامعة، ما أدى إلى توقف العملية الأكاديمية لفترة غير قصيرة. وفي عام 2022، دخلت الجامعة في إغلاق ممتد استمر لأسابيع، انعكس على آلاف الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية، وأدى إلى ضغط كبير على التقويم الأكاديمي وإعادة جدولة المساقات والخطط الدراسية. كما شهدت السنوات اللاحقة، خصوصًا بين 2023 و2025، حالات متكررة من الإضرابات الجزئية أو تعطيل الدراسة لفترات متفاوتة ارتبطت بسياقات طلابية أو سياسية عامة، وتحوّلت في بعض الحالات إلى إغلاقات مؤقتة أو تعطيل شبه كامل للحرم.
هذا التكرار جعل الإشكالية تتجاوز فكرة “تعطيل التعليم” إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الجامعة نفسها كمنظومة مؤسسية: قدرتها على التخطيط، واستقرارها الإداري، واستمرارية برامجها الأكاديمية، وحتى مكانتها التنافسية بين مؤسسات التعليم العالي. فالمؤسسة الجامعية لا تُقاس فقط بعدد طلبتها أو خريجيها، بل بقدرتها على الاستقرار والاستمرارية والتطور التراكمي، وهو ما يتعرض لضغط متزايد في ظل تكرار الإغلاقات.
وفي هذا السياق، يبرز إشكال العلاقة بين الحركة الطلابية والجامعة. فالحركة الطلابية في بيرزيت شكلت تاريخيًا جزءًا أصيلًا من الحالة الوطنية الفلسطينية، وأسهمت في صياغة وعي سياسي واجتماعي مهم، وكانت جزءًا من المشهد العام في محطات متعددة. إلا أن الإشكالية اليوم لم تعد في وجودها أو دورها، بل في حدود هذا الدور داخل مؤسسة أكاديمية يفترض أن تقوم على الاستقرار أولًا، وعلى إنتاج المعرفة وتنظيمها دون انقطاع.
وفي ضوء هذا الواقع، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: هل ما زالت الحركة الطلابية تقوم بدورها الوطني والنضالي والأكاديمي بالشكل الذي ينسجم مع المرحلة الراهنة، أم أن بعض ممارساتها باتت في لحظات متعددة تتحول إلى عامل ضغط وتعطيل يمس ليس فقط العملية التعليمية، بل يهدد البنية المؤسسية للجامعة ذاتها؟ كما يبرز تساؤل آخر حول مدى قدرة القيادات الطلابية على قراءة التحولات المحيطة وتقدير أولويات المرحلة بما يوازن بين الفعل الوطني داخل الجامعة ومتطلبات الحفاظ على استقرارها الأكاديمي والمؤسسي.
هذه الأسئلة لا تنفي الدور التاريخي للحركة الطلابية، لكنها تضعه أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرته على التكيف مع واقع أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التأثير محصورًا في الحرم الجامعي، بل يمتد إلى مستقبل المؤسسة نفسها واستمراريتها. فالتعطيل المتكرر للمسار الأكاديمي لا ينعكس فقط على الطلبة، بل يضغط على البنية الإدارية، ويؤثر على التخطيط الأكاديمي، ويضعف التراكم المؤسسي الذي يشكل أساس أي جامعة قادرة على التطور والاستمرار.
ومع استمرار هذا النمط، تبدو جامعة بيرزيت أمام اختبار حقيقي يتجاوز إدارة الأزمات اليومية، ليصل إلى سؤال أعمق حول مستقبلها كجامعة: هل تستطيع الحفاظ على مكانتها التاريخية كأحد أهم صروح التعليم العالي الفلسطيني، أم أن استمرار التعطيل المتكرر قد يفتح الباب أمام تآكل تدريجي في بنيتها المؤسسية ودورها الريادي الذي راكمته عبر عقود؟