
2026-09-14 14:26
رام الله - ضحى مزيد - خاص 4dpal : بدأت القصة عندما لجأت معلمة فلسطينية إلى الصحفي علاء الريماوي بعدما وجدت نفسها أمام شيك بقيمة ألفي شيكل، وسط خشيتها من تبعات عدم السداد ووصول الأمر إلى الشرطة، بحسب رواية الريماوي؛ تواصل الأخير مع الدائن، ولم تستغرق المكالمة وقتًا طويلًا، إذ أنهى الرجل الحديث بعبارة مفادها أنه يعتبر المبلغ مسددًا ويتنازل عنه لله.
من هذه الواقعة، انطلقت فكرة أوسع لدى الريماوي، تحولت لاحقًا إلى حملة حملت اسم "تنازل لله"، وفتحت بابًا أمام أصحاب الديون والشيكات والكمبيالات للإعلان عن تنازلاتهم، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها الفلسطينيون.
من نصف مليون إلى أكثر من 52 مليون شيكل
في السابعة من صباح الجمعة التالية، أطلق الريماوي هاشتاغ "#تنازل_لله"، لتبدأ بعدها موجة من التفاعل والإعلانات عن إسقاط مبالغ مالية.
وبحسب ما أعلنه الريماوي، بلغ مجموع المبالغ المعلن عن التنازل عنها نحو نصف مليون شيكل خلال النصف ساعة الأولى، قبل أن يرتفع الرقم إلى نحو سبعة ملايين شيكل مع حلول المساء، ثم يتجاوز لاحقًا حاجز 52 مليون شيكل خلال الأيام التالية.
ويشير الريماوي إلى أن هذا الرقم لا يمثل سجلًا قانونيًا موحدًا للديون التي أُسقطت، وإنما مجموع مبالغ أعلن أصحابها شفهيًا أو عبر الرسائل عن التنازل عنها، وتشمل هذه الإعلانات، وفق روايته، ديونًا شخصية وشيكات وكمبيالات والتزامات مالية مختلفة، وبالتالي لا يمكن التعامل مع الرقم بوصفه قيمة موثقة قضائيًا لكل الحالات.
لكن الرقم، رغم ذلك، يعكس حجم التفاعل الذي أخذته الحملة، بعدما تحولت من قصة فردية إلى ساحة عامة يعلن فيها أصحاب حقوق مالية عن تنازلهم عن مبالغ مستحقة لهم.
دائنون يعيشون الضائقة نفسها
لم تقتصر القصص التي وصلت إلى الحملة، بحسب ما يرويه الريماوي، على أصحاب القدرة المالية الكبيرة، بل تضمنت حالات لأشخاص يعيشون هم أنفسهم ظروفًا اقتصادية صعبة.
ومن بين القصص التي تداولتها الحملة، امرأة نازحة في قطاع غزة كانت تقيم في خيمة بمنطقة المواصي، وقالت إنها تنازلت عن 800 شيكل كانت قد أقرضتها لجيرانها النازحين، رغم أن ما تملكه من المال لم يكن كبيرًا.
وفي قصة أخرى، تحدثت الحملة عن امرأة مسنة تبلغ "78 عامًا" باعت سوارها الذهبي لمساعدة ابن جارتها في دفع رسوم الثانوية العامة، قبل أن تقرر لاحقًا التنازل عن المبلغ عندما لم تتمكن الأسرة من سداده.
كما وصلت قصة طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره أعلن تنازله عن عشرة شواكل كان قد أقرضها لشقيقه، بعدما شاهد والده يتنازل عن شيك بقيمة ثلاثة آلاف شيكل.
ومن بين القصص التي رافقت الحملة أيضًا حالة مسنة في الثمانينيات من عمرها كانت تواجه التزامات مالية مرتبطة ببناء منزل، قبل أن تتلقى خبر تنازل أحد دائنيها عن مبلغ ثمانية آلاف شيكل، وهو ما قوبل منها بالبكاء والدعاء.
"شواء الشيكات".. عندما تحولت الأوراق إلى مشهد علني
ومع اتساع الحملة، لم تعد التنازلات مجرد رسائل أو مكالمات، بل ظهرت حالات أعلن فيها مواطنون أمام الكاميرات عن إسقاط ديونهم وإتلاف الأوراق المرتبطة بها.
ومن هنا ظهر تعبير "شواء الشيكات"، في إشارة إلى مشاهد جرى خلالها تمزيق أو إحراق شيكات وكمبيالات وأوراق مرتبطة بديون أعلن أصحابها التنازل عنها، في محاولة لتحويل التنازل من قرار مالي خاص إلى رسالة اجتماعية علنية.
وبحسب ما أعلنه الريماوي، وصلت قيمة بعض الديون التي جرى الإعلان عن إسقاطها في هذه المشاهد إلى عشرات آلاف الشواكل، فيما تحدثت إحدى الحالات عن دفتر ديون بلغت قيمته نحو 100 ألف شيكل.
الريماوي: لم أتوقع أن تتجاوز الحملة هذا الحجم
يقول الريماوي لـِ "البعد الرابع" : " إنه لم يتوقع في بداية الحملة أن تتجاوز قيمة التنازلات عشرات آلاف الشواكل، قبل أن يجد نفسه أمام عدد كبير من الرسائل والمكالمات".
ويشير إلى أن هاتفه تلقى أكثر من ألفي رسالة غير مقروءة خلال فترة التفاعل، معتبرًا أن الجانب الأبرز بالنسبة إليه لم يكن حجم المبالغ المعلنة بقدر ما كشفته القصص عن أشخاص اختاروا التيسير رغم مرورهم هم أنفسهم بضائقة مالية.
ويرى الريماوي أن الحملة كشفت، من وجهة نظره، عن قدرة اجتماعية على مساندة المتعثرين، لكنه ينتقد في الوقت نفسه بعض ممارسات التحصيل المالي التي يقول إنها تزيد الضغط على المدينين، خصوصًا عندما يكون الدين مرتبطًا بمبالغ صغيرة.
ويؤكد أن الهدف الذي يأمل أن يبقى بعد انتهاء الحملة هو تعزيز ثقافة التيسير وعدم تحويل الديون إلى وسيلة لإهانة المدين أو كسر كرامته أمام أسرته وأبنائه.
بين جبر الخاطر وحفظ الحقوق
ومع اتساع الحملة، لم يقتصر النقاش على التنازل نفسه، بل برزت أسئلة حول الفرق بين المدين غير القادر فعلًا على السداد، والمدين القادر على الدفع لكنه يمتنع عن الوفاء بالتزاماته.
وقالت هديل نبيل لـِ "البعد الرابع" : " إن الحملة تركت أثرًا كبيرًا، معتبرة أنها عكست قدرة الفلسطينيين على التمسك بالحياة والتكاتف رغم الظروف الاقتصادية الصعبة".
وأضافت أن ما جرى أعاد التأكيد على أهمية الوقوف إلى جانب الآخرين، قائلة: "طول ما إحنا هيك، إيد وحدة، إن شاء الله وضعنا راح يتحسن".
في المقابل، رأت دانا الحافي، في حديثها لـِ : "البعد الرابع"، أن التنازل عن الديون يجب أن يُنظر إليه وفق ظروف الطرفين، موضحة أن الدائن الذي تسمح ظروفه بالتنازل، مقابل وجود مدين غير قادر فعلًا على السداد، قد يكون أكثر تفهمًا لحالته.
لكنها شددت على ضرورة التمييز بين العجز الحقيقي عن الدفع والامتناع المتعمد عن السداد، خصوصًا في الحالات المرتبطة بالشيكات والكمبيالات، أو عندما تكون هناك قدرة فعلية على الوفاء بالالتزام.
حملة اجتماعية لا تعني حل الأزمة الاقتصادية
ورغم حجم الأرقام التي أعلنتها الحملة، فإن إسقاط الديون الفردية لا يمثل حلًا للأزمة الاقتصادية الأوسع في فلسطين، كما أن التنازلات الطوعية لا تلغي الالتزامات القانونية أو المالية تجاه المؤسسات المصرفية والجهات الرسمية، ولا تنهي المشكلات المرتبطة بالشيكات والكمبيالات إلا في الحالات التي يملك أصحابها الحق في إسقاطها ويعلنون ذلك بصورة فعلية.
كما أن قيمة الـ52 مليون شيكل، التي أعلنتها الحملة، تبقى رقمًا تجميعيًا قائمًا على إعلانات أصحاب الديون، وليس إحصاءً رسميًا صادرًا عن جهة مالية أو قضائية.
لكن ما جعل الحملة لافتة لم يكن الرقم وحده، بل انتقال قضية الديون من مساحة خاصة بين الدائن والمدين إلى نقاش اجتماعي أوسع حول المسؤولية والتكافل وحدود القدرة على التنازل.
من الدين إلى الكرامة
بدأت الحكاية بشيك قيمته ألفين شيكل ومكالمة لم تتجاوز 35 ثانية، لكنها انتهت إلى عشرات الملايين من الشواكل المعلنة كتَنازلات، وإلى مئات القصص التي أعادت طرح سؤال بسيط في ظل أزمة اقتصادية قاسية: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما يعجز المال عن حل المشكلة؟
ربما لا تستطيع حملة واحدة إسقاط أعباء الاقتصاد الفلسطيني، ولا يمكن للتنازل الفردي أن يعالج أسباب الأزمة أو يضمن حقوق جميع الأطراف. لكنها استطاعت، على الأقل، أن تنقل الحديث عن الديون من لغة المطالبة والتحصيل إلى مساحة أخرى تقوم على التيسير والتعاطف وجبر الخاطر.
وبين شيك جرى تمزيقه، وآخر أُلقي في النار، ومبلغ قرر صاحبه التخلي عنه، بقيت الرسالة الأوسع للحملة مرتبطة بفكرة واحدة: في مجتمع يثقل كاهله الدين، قد تكون قيمة التنازل أحيانًا أكبر من قيمة الورقة التي جرى إسقاطها.
