
2026-11-03 11:03
نابلس – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dPAL)
لم تنتهِ آثار العملية العسكرية الإسرائيلية في بلدة بيتا جنوب نابلس عند هدم منزلَي الأسيرين إبراهيم عبد الكريم داوود وزكريا محمد داوود، في الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026؛ فخلف الركام الذي خلّفته الجرافات والتفجيرات، كانت عشرات العائلات تواجه واقعًا مختلفًا، بعدما أُجبرت على مغادرة منازلها، وتضررت مبانٍ مجاورة وشبكات مياه وكهرباء، فيما امتدت تداعيات الاقتحام إلى المدارس ورياض الأطفال، مع تأثر نحو خمسة آلاف طالب وطالبة بتعليق الدوام الوجاهي مؤقتًا.
في ذلك اليوم، لم يكن سكان المنطقة الغربية من البلدة أمام عملية هدم محدودة تستهدف منزلين متجاورين يعودان لابنَي عم، بل أمام عملية عسكرية واسعة فرضت طوقًا أمنيًا على محيطهما، وأجبرت السكان على إخلاء منازلهم، وسط انتشار كثيف للآليات والقوات الإسرائيلية، وأصوات إطلاق النار والتفجيرات التي رافقت العملية.
وبحسب رئيس بلدية بيتا، محمود برهم، فإن التداعيات شملت إخلاء 41 عائلة، وإلحاق أضرار وتصدعات بأكثر من ثمانية منازل مجاورة، إلى جانب تضرر خطوط المياه والكهرباء الرئيسية في المنطقة. كما امتد التأثير إلى القطاع التعليمي، بعدما تقرر تعليق الدوام الوجاهي في أكثر من عشرة من المدارس ورياض الأطفال.
وتكشف هذه المعطيات أن حجم العملية لا يمكن اختزاله في عدد المنازل التي استهدفتها قوات الاحتلال مباشرة؛ فالأثر امتد إلى محيط سكني كامل، وأصاب جوانب أساسية من حياة السكان، من الأمان والاستقرار السكني إلى الخدمات العامة والتعليم، ما يجعل السؤال الأهم متعلقًا بما خلّفته العملية في حياة الحي وسكانه، وليس فقط بما أزالته الجرافات من مبانٍ.
استهدفت العملية العسكرية الإسرائيلية، يوم الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، منزلَي الأسيرين إبراهيم عبد الكريم داوود وزكريا محمد داوود في الجهة الغربية من بلدة بيتا. ويعود المنزلان لابنَي عم، وهما متجاوران في المنطقة التي شهدت انتشارًا عسكريًا مكثفًا قبل تنفيذ الهدم والتفجير.
وبحسب المعلومات الواردة، هُدم أحد المنزلين بواسطة الجرافات العسكرية، فيما جرى تفخيخ المنزل الآخر وتفجيره، بعد إخلاء المنطقة المحيطة وإبعاد السكان عن المكان.
لكن إجراءات الإخلاء لم تقتصر على عائلتي الأسيرين؛ إذ أُجبرت نحو 41 عائلة على مغادرة منازلها في محيط المنطقة المستهدفة، بعدما حاصرت القوات الإسرائيلية المكان وفرضت طوقًا أمنيًا، ومنعت السكان من البقاء في بيوتهم خلال تنفيذ العملية.
وترافق ذلك مع وصول أعداد كبيرة من الآليات العسكرية وانتشار القوات في محيط المنازل، إلى جانب أصوات إطلاق النار والتفجيرات، ما أدخل الحي في حالة من الخوف والارتباك، وجعل العائلات التي غادرت منازلها تواجه ساعات من القلق بشأن سلامتها ومصير ممتلكاتها.
وتكمن دلالة إخلاء 41 عائلة في أن دائرة التأثر تجاوزت أصحاب المنزلين المستهدفين إلى سكان محيطهما، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مغادرة مساكنهم خلال عملية عسكرية لم يكونوا طرفًا فيها. وهكذا، انتقل أثر الهدم من مبنيين محددين إلى عشرات الأسر التي تعطلت حياتها اليومية، واضطرت إلى البحث عن مكان آمن خارج المنطقة.
في حديث خاص لـ«البعد الرابع»، يوضح رئيس بلدية بيتا، محمود برهم، أن تداعيات العملية تجاوزت المنزلين المستهدفين، ووصلت إلى الأبنية المجاورة وشبكات الخدمات الأساسية.
ويشير برهم إلى أن أكثر من ثمانية منازل في محيط المكان تعرضت لأضرار وتصدعات نتيجة الهدم والتفجير، ما وضع عائلات أخرى أمام مخاوف تتعلق بسلامة مساكنها وإمكانية استمرار الإقامة فيها بصورة آمنة.
ولا تقف الأضرار عند حدود الأبنية؛ فقد طالت، بحسب رئيس البلدية، شبكات الكهرباء وخطوط المياه الرئيسية في المنطقة، وهو ما أضاف أعباء جديدة على السكان والبلدية، وفرض الحاجة إلى متابعة الأضرار وإصلاح مرافق ترتبط مباشرة بالاحتياجات اليومية للعائلات.
وتوضح هذه التداعيات أن المباني في المناطق السكنية المتقاربة لا تنفصل عن بعضها من حيث الأثر؛ فاستهداف منزل قد يؤدي إلى تصدع جدران المنازل المجاورة، فيما يمكن أن يمتد تأثير التفجير إلى شبكات الخدمات المحيطة، لتجد عائلات لم تكن منازلها مستهدفة نفسها أمام أضرار مباشرة في ممتلكاتها واحتياجاتها الأساسية.
وبالنسبة إلى البلدية، لا تنتهي المسؤولية بانتهاء العملية العسكرية؛ إذ تبدأ مرحلة متابعة الأضرار، وتقييم سلامة المباني المتضررة، والعمل على إصلاح شبكات المياه والكهرباء، إلى جانب الاستجابة لاحتياجات العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.
وتمثل هذه المسؤوليات تحديًا إضافيًا، خصوصًا عندما تتداخل الأضرار السكنية والخدمية في منطقة واحدة، وتحتاج معالجتها إلى تقييم فني وإمكانات مادية ولوجستية.
امتدت آثار العملية العسكرية إلى القطاع التعليمي في البلدة، بعدما تقرر تعليق الدوام الوجاهي مؤقتًا في أكثر من عشرة من المدارس ورياض الأطفال، حفاظًا على سلامة الطلبة والعاملين فيها، في ظل الأوضاع الأمنية التي رافقت الاقتحام وما أعقبه من مخاوف في محيط المنطقة.
وبحسب رئيس بلدية بيتا محمود برهم، بلغ عدد الطلبة الذين تأثروا بتعليق الدوام نحو خمسة آلاف طالب وطالبة، قبل أن تعود العملية التعليمية إلى طبيعتها لاحقًا.
ويكشف هذا الرقم عن اتساع الأثر المدني للعملية؛ فالمدرسة ليست مجرد مبنى يمكن إغلاقه وإعادة فتحه، بل مساحة ترتبط بانتظام حياة آلاف الأطفال، واستقرار أسرهم، وحقهم في مواصلة التعليم ضمن بيئة آمنة.
وعندما يتوقف التعليم الوجاهي بسبب الأوضاع الأمنية المحيطة، تتحمل العائلات أعباء إضافية تتعلق بمتابعة تعليم أبنائها وتنظيم يومهم، فضلًا عن القلق الذي يرافق وجودهم في منطقة شهدت عملية عسكرية واسعة.
كما أن تزامن إخلاء العائلات مع تعليق الدوام يوضح طبيعة التأثير المتداخل للعملية؛ إذ لم يواجه السكان خطر فقدان المأوى أو تضرر المنازل فحسب، بل امتدت التداعيات إلى الخدمات التعليمية، وهي من العناصر الأساسية في استقرار أي تجمع سكني.
وفي تعليقه على ما شهدته البلدة، يربط برهم بين هدم المنزلين والآثار التي لحقت بالسكان والمنازل المجاورة والخدمات والمؤسسات التعليمية، معتبرًا أن ما جرى يستدعي تحركًا يتجاوز بيانات الإدانة إلى توفير الحماية والمساندة للمتضررين.
ويقول برهم: "إن ما شهدته بيتا من هدم وتفجير وإرهاب للأطفال وتعطيل للمدارس ليس سوى فصل من فصول الجريمة الممنهجة؛ الاحتلال يسعى عبر العقاب الجماعي إلى تفكيك صمود الناس. ورسالتنا لأهلنا هي تثبيت الإسناد وتوفير المأوى الفوري لكل عائلة تضررت. أما رسالتنا للمجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية: لم يعد التنديد اللفظي يكفي أمام تشريد العائلات وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ونطالب بمساءلة قانونية عاجلة ووقف هذه الجرائم ميدانيًا".
وتضع تصريحات رئيس البلدية مسؤولية الاستجابة أمام مستويين متلازمين؛ الأول محلي، ويتعلق بحصر الأضرار وتقييم سلامة المنازل المتضررة وإصلاح الخدمات وتقديم المساندة للعائلات، والثاني حقوقي ودولي، ويتصل بتوثيق ما جرى ومتابعته قانونيًا.
فالعائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها تحتاج إلى الاطمئنان إلى سلامة مساكنها، وأصحاب البيوت المتضررة يحتاجون إلى تقييم فني للأضرار، فيما تتطلب إعادة الخدمات متابعة ميدانية وإمكانات تساعد على معالجة آثار العملية.
ومن هنا، لا تقتصر الحاجة على إصلاح الأضرار المادية المباشرة، بل تشمل مساندة السكان في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وضمان قدرتهم على العودة إلى حياتهم اليومية دون أن تبقى آثار العملية عائقًا أمامهم.
تثير عمليات هدم منازل عائلات الأسرى والمعتقلين إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ المسؤولية الفردية، وبحظر العقوبات الجماعية في القانون الدولي الإنساني؛ فاستهداف منزل بسبب فعل منسوب إلى أحد أفراد الأسرة لا يجعل بقية أفرادها، ولا جيرانها، مسؤولين عن ذلك الفعل، ولا يجيز تحميلهم تبعاته.
وتنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، المعتمدة في 12 آب/أغسطس 1949، على حظر معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يرتكبها شخصيًا، كما تحظر العقوبات الجماعية وتدابير التهديد أو الإرهاب.
ويكتسب هذا النص أهمية عند النظر إلى الآثار التي تتجاوز أصحاب المنازل المستهدفة، لتطال أفراد الأسرة والسكان المحيطين وممتلكاتهم ومرافقهم، كما حدث في بيتا وفق التفاصيل التي أوردتها البلدية بشأن الإخلاء والأضرار التي لحقت بالمنازل المجاورة وشبكات الخدمات.
وفي 19 تموز/يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتناول الرأي الإطار القانوني المتصل بالممارسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة، بما فيها هدم الممتلكات والعقوبات الجماعية.
ولا يعني ذلك أن المحكمة أصدرت حكمًا خاصًا بشأن عملية بيتا، لكنه يضع الممارسات من هذا النوع ضمن سياق قانوني دولي أوسع يتعلق بالتزامات قوة الاحتلال وحماية السكان المدنيين.
ومن المهم التمييز بين الاتهامات التي تسوقها السلطات الإسرائيلية لتبرير استهداف المنازل، وبين المسؤولية القانونية الفردية التي لا يجوز توسيعها لتشمل أفراد الأسرة أو السكان المحيطين. فحتى عندما تُوجّه اتهامات إلى أشخاص بعينهم، لا تتحول تلك الاتهامات إلى أساس قانوني لمعاقبة أشخاص آخرين لم يرتكبوا الفعل المنسوب إليهم.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتجاوز النتائج المنزل المستهدف إلى إخلاء عشرات العائلات، وإلحاق أضرار بمباني الجوار وشبكات الخدمات، وتعطيل العملية التعليمية؛ إذ يصبح من الضروري فحص الإجراءات المتخذة ومدى احترام واجب حماية المدنيين وممتلكاتهم.
قد تنتهي العملية العسكرية بانسحاب القوات، لكن آثارها لا تنتهي بالضرورة في اللحظة نفسها. فالعائلات التي غادرت منازلها خلال الإخلاء تحتاج إلى الاطمئنان إلى سلامة مساكنها قبل العودة إليها، وأصحاب البيوت المتضررة يحتاجون إلى تقييم فني للتصدعات والأضرار، فيما يتعين على البلدية متابعة إصلاح خطوط المياه والكهرباء وإعادة الخدمات إلى طبيعتها.
وتبرز هنا أهمية التوثيق الميداني، ليس فقط لتسجيل لحظة الهدم أو التفجير، بل لرصد ما ترتب عليهما من أضرار في المنازل المجاورة والبنية التحتية، وتحديد عدد العائلات التي أُجبرت على الإخلاء، والمدة التي استغرقها ذلك، والآثار التي بقيت بعد انتهاء العملية.
فهذه التفاصيل تشكل جزءًا أساسيًا من أي متابعة حقوقية أو قانونية جدية، كما تساعد في تحديد احتياجات السكان وتوجيه الاستجابة إليها. ويشمل ذلك توثيق الأضرار بالصور والتقارير الفنية، وحصر الأسر المتضررة، وتسجيل الأضرار التي لحقت بشبكات المياه والكهرباء، إلى جانب متابعة الحالات التي تحتاج إلى تقييم هندسي للمباني.
ولا يقل الأثر النفسي أهمية عن الخسائر المادية؛ فمشهد مغادرة المنزل تحت ضغط عملية عسكرية، والخوف من امتداد التفجير أو الأضرار إلى المنازل القريبة، يترك أثرًا لدى الأطفال والعائلات، ويضع السكان أمام شعور متجدد بعدم الاستقرار، حتى بعد انتهاء العملية وعودة بعض مظاهر الحياة اليومية إلى طبيعتها.
في بيتا، تتجمع آثار العملية في صورة تتجاوز المنزلين المستهدفين: نحو 41 عائلة أُجبرت على إخلاء منازلها، وأكثر من ثمانية منازل مجاورة تعرضت للأضرار والتصدعات، وشبكات مياه وكهرباء تضررت، ونحو خمسة آلاف طالب وطالبة تأثروا بتعليق الدوام الوجاهي مؤقتًا.
وهي معطيات تكشف أن ما جرى لم يكن حدثًا عمرانيًا محدودًا، بل عملية امتدت تداعياتها إلى نسيج الحي وحياة سكانه. فبينما يمكن إحصاء عدد المنازل التي هُدمت، والبيوت التي تضررت، والطلبة الذين تعطّل دوامهم، تبقى هناك آثار لا تختصرها الأرقام؛ خوف عائلة غادرت بيتها، وقلق طفل على منزله، وأسرة تنتظر التأكد من سلامة جدرانها، وسكان يحاولون استعادة الخدمات التي تضررت.
لذلك، فإن اختزال ما جرى في بيتا بهدم منزلين لا يعكس حجم التداعيات التي عاشها السكان. فالمسألة لا تتعلق بما أزالته الجرافات أو دمرته التفجيرات فحسب، بل بما أصاب حياة الحي من اضطراب، وبحق العائلات في السكن والأمان، وبالمسؤولية عن حماية المدنيين وممتلكاتهم.
قد يستغرق هدم المنزل دقائق، لكن استعادة شعور العائلات بالأمان، وإصلاح ما تضرر من بيوت وشبكات، وإعادة الحياة إلى إيقاعها الطبيعي، قد يستغرق وقتًا أطول بكثير. وفي بيتا، لم يكن المنزلان وحدهما ما طالته العملية؛ بل امتد أثرها إلى حيّ كامل، وإلى عائلات وجدت نفسها تدفع ثمنًا لم تكن طرفًا في أسبابه.