تقارير

وعد بلفور أمام القانون.. هل يمكن مقاضاة بريطانيا بعد أكثر من قرن؟

Case

2026-11-02 12:02

Copy Link

فلسطين - رنيم علوي - البعد الرابع (4dPAL)

بعد أكثر من قرن على صدور وعد بلفور عام 1917، لا تزال المسؤولية البريطانية عن تداعياته تطرح أسئلة تتجاوز التاريخ والسياسة إلى حدود القانون الدولي، وطبيعة الالتزامات التي ترتبت على بريطانيا خلال فترة انتدابها على فلسطين، وإمكانية مساءلتها قانونيًا عن السياسات التي أسهمت في تغيير واقع البلاد ومستقبل شعبها.

فبينما مثّل الوعد إعلانًا سياسيًا بريطانيًا بشأن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، تحوّل لاحقًا، وفق قراءة قانونية، إلى أساس لسياسات وإجراءات نُفذت على الأرض خلال فترة الانتداب، وشملت تسهيل الهجرة اليهودية، في وقت لم يكن فيه الفلسطينيون طرفًا في القرار المتعلق بمستقبل وطنهم.

وفي مقابلة خاصة مع "البعد الرابع"، يقدم الخبير في القانون الدولي غاندي ربعي قراءة قانونية لوعد بلفور، موضحًا طبيعة الإعلان عند صدوره، وكيف انتقل من التعهد السياسي إلى التطبيق العملي خلال الانتداب البريطاني، وصولًا إلى المسارات التي يمكن اللجوء إليها اليوم لملاحقة بريطانيا والمطالبة بمسؤوليتها عن الأضرار التي ترتبت على سياساتها في فلسطين.

وعد سياسي لا يستند إلى تفويض قانوني

يرى ربعي أن فهم وعد بلفور يتطلب العودة إلى السياق القانوني الذي صدر فيه عام 1917، مشيرًا إلى أن منظومة القانون الدولي بصورتها المعاصرة لم تكن قد تشكلت آنذاك، سواء من حيث القواعد العرفية أو التشريعات الدولية المكتوبة، باستثناء عدد من المعاهدات والاتفاقيات التي كانت قائمة في ذلك الوقت.

ويوضح أن القانون الدولي تطور بصورة كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، مع إنشاء الأمم المتحدة وتبلور منظومة دولية أكثر وضوحًا في تنظيم العلاقات بين الدول وتحديد حقوق الشعوب والتزامات القوى القائمة بالسيطرة على أراضٍ أخرى.

وبناءً على ذلك، يعتبر ربعي أن وعد بلفور لم يكن في أصله وثيقة قانونية أو اتفاقًا دوليًا، بل إعلانًا سياسيًا صدر عن مسؤول بريطاني لمصلحة الحركة الصهيونية، التي لم تكن تمثل دولة قائمة، وإنما حركة سياسية وتنظيمية سعت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

ويطرح الخبير هنا إشكالية جوهرية تتعلق بحق بريطانيا في إصدار تعهد بشأن أرض يسكنها شعب قائم، دون الرجوع إلى إرادته أو الحصول على موافقته؛ إذ كانت فلسطين مأهولة بسكانها الفلسطينيين، ومرتبطة جغرافيًا وسياسيًا ببلاد الشام والمنطقة العربية، ضمن الإدارة العثمانية قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى.

ومن هذا المنطلق، يخلص ربعي إلى أن الوعد لم يمتلك، في تقديره، قيمة قانونية تمنحه حق تقرير مستقبل فلسطين أو التصرف بأرضها، كما يرى أنه افتقر إلى الأساس الأخلاقي والإنساني والحقوقي، لأنه تناول مستقبل البلاد دون أن يجعل أصحابها طرفًا في القرار.

الانتداب البريطاني.. من الإعلان السياسي إلى التنفيذ

إذا كان وعد بلفور قد بدأ بوصفه إعلانًا سياسيًا، فإن مرحلة الانتداب البريطاني شكّلت، بحسب ربعي، المحطة التي انتقل فيها هذا التعهد إلى التطبيق العملي على الأرض.

ويوضح أن هذا التحول ارتبط بالنتائج السياسية والعسكرية للحرب العالمية الأولى، ولا سيما اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، التي رسمت تفاهمات بين بريطانيا وفرنسا بشأن مناطق النفوذ في بلاد الشام والعراق، قبل أن تخضع فلسطين للانتداب البريطاني.

ويرى ربعي أن السيطرة البريطانية على فلسطين وفّرت الإطار الذي سمح بتنفيذ السياسات المرتبطة بوعد بلفور، فلم يعد الأمر مقتصرًا على إعلان صادر عن مسؤول سياسي، بل أصبح جزءًا من إدارة سلطة تملك السيطرة الفعلية على الأرض.

ويشير إلى أن هذه المرحلة شهدت خطوات عملية، أبرزها السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، إلى جانب اتخاذ إجراءات حالت دون تطور مشروع سياسي فلسطيني مستقل بعد انتهاء الحكم العثماني.

وبذلك، يميز ربعي بين مرحلتين أساسيتين: الأولى تمثلت في إصدار الوعد بوصفه موقفًا سياسيًا بريطانيًا، والثانية بدأت مع الانتداب، حين أصبحت بريطانيا قادرة على تحويل هذا الموقف إلى سياسات وإجراءات تنفيذية أثرت في مستقبل فلسطين وتركيبتها السياسية والاجتماعية.

هل يمكن مقاضاة بريطانيا اليوم؟

في ما يتعلق بإمكانية المساءلة القانونية بعد مرور أكثر من مئة عام، يؤكد ربعي أن هناك مسارات يمكن بحثها لملاحقة بريطانيا، لكنه يلفت إلى ضرورة التمييز بين اختصاص المحاكم الدولية والخيارات المتاحة أمام القضاء البريطاني الداخلي.

ويستبعد الخبير إمكانية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة بريطانيا عن إصدار وعد بلفور نفسه، موضحًا أن الإعلان يعود إلى عام 1917، أي إلى فترة تسبق نشوء المحكمة واختصاصها الزمني؛ كما يرى أن القضاء الدولي لا يملك اختصاصًا مباشرًا للنظر في الوعد بوصفه واقعة تاريخية منفردة.

وفي المقابل، يطرح ربعي القضاء البريطاني الداخلي باعتباره مسارًا يستحق الدراسة، مشيرًا إلى أن المسؤولية يمكن بحثها في ضوء السياسات والإجراءات التي اتخذتها حكومة الانتداب، والوثائق والتعهدات البريطانية التي صدرت خلال تلك المرحلة.

ويستشهد في هذا السياق بالكتاب الأبيض الذي أصدرته بريطانيا عام 1939، وما تضمنه من توجهات ووعود بشأن مستقبل فلسطين، إلى جانب الإجراءات المتعلقة بالعملة الفلسطينية والجوانب الإدارية والاقتصادية التي ارتبطت بالحكم البريطاني.

ويرى أن هذه الوثائق والسياسات يمكن أن تشكل مادة قانونية وتاريخية لدراسة المسؤولية البريطانية، وفتح نقاش حول الأضرار والنتائج التي ترتبت على فترة الانتداب، وإمكانية طرحها أمام القضاء داخل بريطانيا.

من المسؤولية التاريخية إلى المساءلة القانونية

تفتح قراءة ربعي الباب أمام سؤال أوسع بشأن كيفية الانتقال من تحميل بريطانيا المسؤولية السياسية والأخلاقية عن وعد بلفور إلى المطالبة بمساءلة قانونية تستند إلى وثائق وأدلة محددة.

فالمسؤولية التاريخية لا تتحول تلقائيًا إلى حكم قضائي، كما أن إثبات المسؤولية القانونية يتطلب تحديد الأفعال محل الملاحقة، والأساس القانوني الذي تستند إليه الدعوى، والجهة القضائية صاحبة الاختصاص، وطبيعة الضرر والعلاقة بينه وبين السياسات البريطانية.

ومن هنا، تبرز أهمية دراسة الوثائق البريطانية الرسمية، وصك الانتداب، والكتب البيضاء، والمراسلات السياسية والإدارية، باعتبارها مصادر يمكن أن تساعد في بناء ملف قانوني يوثق القرارات التي اتخذتها بريطانيا خلال فترة سيطرتها على فلسطين.

كما يتطلب أي مسار قضائي تحديد ما إذا كانت المطالبات تتعلق بمسؤولية الدولة عن أفعال تاريخية، أو بانتهاكات محددة، أو بالتزامات قانونية ما زالت قائمة؛ وهي مسائل تحتاج إلى تقييم متخصص، ولا يكفي فيها الاستناد إلى الموقف السياسي أو الأخلاقي وحده.

ما بعد وعد بلفور.. سؤال لم يُغلق

تكشف المقاربة التي يقدمها الخبير غاندي ربعي أن النقاش بشأن وعد بلفور لا يتوقف عند الظروف التي أحاطت بإصداره، بل يمتد إلى الكيفية التي تحوّل بها إلى سياسات نُفذت خلال الانتداب البريطاني، وإلى إمكانات مساءلة بريطانيا عن دورها في تلك المرحلة.

فالوعد، وفق تقييمه، لم يكن وثيقة قانونية تمنح بريطانيا حق تقرير مستقبل فلسطين، وإنما إعلانًا سياسيًا اكتسب أثره العملي من السيطرة البريطانية على البلاد خلال فترة الانتداب؛ ومن هنا، يرى أن البحث القانوني في المسؤولية يجب ألا يقتصر على نص الوعد، بل ينبغي أن يشمل مجمل الإجراءات والقرارات التي اتخذتها سلطات الانتداب.

وبين تعقيدات الاختصاص القضائي الدولي وإمكانية اللجوء إلى القضاء البريطاني، تبقى المسألة بحاجة إلى دراسة قانونية متخصصة تستند إلى الوثائق والأدلة وتحدد المسارات المتاحة للمطالبة بالمسؤولية وجبر الضرر.

وبعد أكثر من قرن على صدور وعد بلفور، لا يزال السؤال مطروحًا: هل يمكن أن تتحول المسؤولية البريطانية عن تلك المرحلة من إقرار تاريخي وسياسي إلى مساءلة قانونية أمام القضاء؟ وهو السؤال الذي يضعه ربعي في صلب النقاش حول تبعات الانتداب البريطاني ومستقبل المطالبة بالحقوق الفلسطينية.