2026-09-09 08:25
خاص 4dPAL
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واحدة من أصعب المعارك السياسية في مسيرته، في وقت تتداخل فيه حسابات الانتخابات مع استمرار الأزمات الأمنية والعسكرية التي تشهدها إسرائيل والمنطقة.
ويحاول نتنياهو في هذه المرحلة إعادة ترتيب معسكر اليمين ومنع تشتت أصواته بين الأحزاب الصغيرة، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تراجع قوة حزب الليكود والائتلاف الحاكم، في حين يواجه عدد من أحزاب اليمين خطر عدم تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%، وهو ما قد يبدد جزءًا من أصوات المعسكر اليميني ويصعّب على نتنياهو تشكيل حكومة جديدة.
ولا تأتي هذه الانتخابات في فراغ سياسي. فنتنياهو يخوض السباق الانتخابي بعد سنوات من الحروب والأزمات الأمنية، بدأت بحرب غزة التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم امتدت إلى جبهات إقليمية أخرى، فيما لا تزال تداعيات الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم أكتوبر تشكل ملفًا سياسيًا ضاغطًا عليه.
وفي أحدث تطور يعيد هذا الملف إلى الواجهة، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل تعود لصحفيين في صحيفة "هآرتس"، تزعم أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد حذّر نتنياهو قبل أكثر من أسبوع من هجوم السابع من أكتوبر من أن حركة حماس تستعد لعملية كبيرة. وينفي مكتب نتنياهو حدوث الاتصال أو تلقي مثل هذا التحذير. وأثارت هذه المزاعم مطالبات جديدة بإجراء تحقيق مستقل في الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
وفي الوقت نفسه، يواصل نتنياهو تقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره السياسي الأكثر قدرة على إدارة الملفات الأمنية ومواجهة خصوم إسرائيل في المنطقة؛ ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة مواجهات متعددة، من إيران إلى غزة ولبنان وسوريا، وهو ما يجعل الملف الأمني عنصرًا أساسيًا في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي.
لكن استخدام الملفات الأمنية في المعركة السياسية لا يعني بالضرورة أن كل عملية عسكرية أو كل تصعيد يُتخذ بهدف انتخابي مباشر؛ فقرارات الحرب تخضع أيضًا لحسابات عسكرية وأمنية وتحالفات إقليمية وضغوط دولية؛ إلا أن استمرار الأزمات والحروب يمنح نتنياهو، سياسيًا، إمكانية إعادة تقديم الانتخابات باعتبارها تصويتًا على "الأمن" والقيادة في مواجهة التهديدات الخارجية.
وتشير تحليلات سياسية إسرائيلية ودولية إلى أن نتنياهو راهن خلال السنوات الماضية على أن موقعه كرئيس حكومة في زمن الحرب سيعزز صورته كزعيم أمني، فيما تواجهه في المقابل اتهامات من خصومه بمحاولة إطالة الأزمات لتأجيل الحساب السياسي؛ وقد طُرحت هذه الفرضية في تحليلات سابقة، لكنها تبقى تفسيرًا سياسيًا وليس حقيقة مثبتة بشأن دوافع كل قرار عسكري يتخذه نتنياهو.
وتزداد صعوبة موقف نتنياهو مع وجود منافسين جدد داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، بينهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يكتسب حضورًا متزايدًا في الاستطلاعات، إلى جانب استمرار المنافسة داخل معسكر اليمين نفسه بين شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
كما أن شركاء نتنياهو من اليمين المتطرف أعادوا خلال الفترة الأخيرة طرح أفكار مثيرة للجدل بشأن مستقبل قطاع غزة، بينها الدعوة إلى "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف تخدم أيضًا تعبئة القاعدة اليمينية، وإن كانت لا تثبت بحد ذاتها أن القرارات العسكرية تُتخذ لأغراض انتخابية.
وفي المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة تتعلق بعلاقاته الدولية، خصوصًا بعد إجراءات اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى ضد منتجات المستوطنات وسياسات التوسع الاستيطاني، ورد إسرائيل بإجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا؛ وتأتي هذه المواجهة الدولية في وقت يخوض فيه نتنياهو حملته الانتخابية، ما يضيف ملف السياسة الخارجية إلى قائمة التحديات التي سيُحاسب عليها الناخب الإسرائيلي.
وبذلك، لا يمكن الجزم بأن نتنياهو يشعل حربًا جديدة فقط لإنقاذ مستقبله السياسي، لكن من الصعب أيضًا فصل المشهد العسكري عن المشهد الانتخابي في إسرائيل؛ فمع اقتراب موعد الانتخابات، وتراجع شعبية الائتلاف وتزايد المنافسة داخل اليمين، يصبح كل تصعيد أمني جزءًا من بيئة سياسية يمكن أن تؤثر مباشرة في خيارات الناخبين ومستقبل نتنياهو في الحكم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستمر الحرب لأنها تفرضها الحسابات الأمنية، أم أن استمرارها يخدم أيضًا الحسابات السياسية لرئيس حكومة يخوض أصعب اختبار انتخابي في مسيرته؟
