2026-10-27 07:58
الخليل – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dPAL)
منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل، يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر، وجدت مئات العائلات الفلسطينية نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها، وسط إخلاءات متواصلة وقيود على الحركة وأضرار طالت الممتلكات والبنية التحتية. وبينما تبحث الأسر عن أماكن إقامة مؤقتة وتكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، تكشف بيانات بلدية الخليل ارتفاع عدد الأسر المتضررة المسجلة إلى 488 أسرة تضم 3171 فردًا، وفق أحدث تحديث متاح بتاريخ 26 تشرين الأول/أكتوبر.
لم تكن مغادرة المنازل بالنسبة إلى كثير من السكان انتقالًا مخططًا إلى مكان آخر، بل خروجًا على عجل تحت ضغط الإجراءات العسكرية، مع حمل ما أمكن من الأمتعة والوثائق الشخصية، وترك المنازل خلفهم من دون معرفة موعد العودة.
بدأت العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل مساء الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر، عقب حادثة إطلاق نار قُتل فيها جنديان إسرائيليان وأصيب آخرون، بحسب التقارير المنشورة آنذاك؛ وأعقبت الحادثة إجراءات عسكرية شملت فرض طوق على المدينة، وتشديد القيود على الحركة، ومداهمة المنازل وتنفيذ الاعتقالات والتفتيش.
ومع فجر السبت، بدأت تداعيات العملية تظهر بصورة مباشرة على السكان، مع تهجير أهالي حي دير بحة، قبل أن تمتد عمليات الإخلاء إلى مناطق أخرى، بينها الجلدة وخلة المغاربة ومحيطهما.
وأعلن جيش الاحتلال أن السكان في مناطق نشاط قواته سيتمكنون من المغادرة عبر نقاط عبور محددة، بعد إخضاعهم للتفتيش والاستجواب الأمني؛ لكن بالنسبة إلى العائلات المتضررة، لم تقتصر التداعيات على إجراءات الحركة؛ إذ وجدت نفسها أمام فقدان مفاجئ للاستقرار السكني، واحتياجات معيشية متزايدة، وغموض بشأن موعد العودة.
في شهادة لـ"البعد الرابع"، يروي باهر سلطان، أحد سكان منطقتي الجلدة وخلة المغاربة، أن مكبرات الصوت طالبت السكان بمغادرة منازلهم، فجمعوا بعض الأمتعة وحرصوا على أخذ أوراقهم الثبوتية، قبل الخروج من دون معرفة المدة التي سيقضونها بعيدًا عن بيوتهم.
ويقول سلطان إن سكان الحارة التي يقيم فيها غادروا جميعًا، وتوزعوا على أقاربهم، فيما بقيت المنازل خالية بعد أن تركها أصحابها على عجل، خوفًا من تفجير أبوابها إذا أُغلقت.
ويصف ما عاشته العائلات بأنه تجربة قاسية، إذ لم يكن لديها وقت كافٍ لترتيب المغادرة أو تحديد وجهة واضحة، فيما أصبحت الأولوية العثور على مكان يجمع أفراد الأسرة وتأمين الاحتياجات اليومية.
ويشير سلطان إلى أن بعض العائلات تستطيع الاعتماد على الأقارب والأصدقاء، لكن أسرًا أخرى لا تملك الإمكانات اللازمة لتوفير أبسط متطلباتها، بما فيها حليب الأطفال. وطالب المؤسسات الرسمية والأهلية بالتحرك لتأمين الاحتياجات الأساسية، وممارسة الضغط عبر الجهات الدولية لوقف الانتهاكات التي تطال السكان.
وتعكس هذه الشهادة جانبًا من الأزمة التي تواجه الأسر بعد الإخلاء؛ فالوصول إلى مكان مؤقت لا يعني بالضرورة توفر الاستقرار أو القدرة على تلبية احتياجات جميع أفراد العائلة.
وقال رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري، في مقابلة خاصة مع "البعد الرابع"، إن نحو 2600 مواطن أُجبروا على مغادرة منازلهم في مناطق من المدينة، في ظل استمرار الحصار والاقتحامات والإغلاقات والاعتقالات وتفتيش المنازل.
وأوضح الجعبري أن قوات الاحتلال اقتحمت مناطق في الجلدة ودير بحة، وأجبرت السكان على المغادرة، مشيرًا إلى أن حي دير بحة أُخلي بالكامل، إلى جانب أجزاء واسعة من الجلدة، وأن عدد العائلات المهجّرة تجاوز 430 عائلة وفق تصريحاته.
وأضاف أن الإجراءات العسكرية طالت المسجد الإبراهيمي، الذي أُغلق أمام المصلين، إلى جانب محال تجارية وصناعية ومرافق عامة ومناطق سكنية.
وفي ما يتعلق بالأضرار، قال الجعبري إن قوات الاحتلال هدمت مبنى مكونًا من ثلاثة طوابق وخمس منشآت تجارية، وألحقت أضرارًا بالشوارع والأرصفة وخطوط الصرف الصحي والأشجار والممتلكات العامة والخاصة؛ وأضاف أن بعض الفلل السكنية حُوّلت إلى ثكنات عسكرية.
وأشار إلى أن البلدية تعمل على توثيق الأضرار والانتهاكات، وتعتزم التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية استنادًا إلى المعلومات التي تجمعها، مؤكدًا تمسك البلدية بحق السكان في العودة إلى منازلهم.
تُظهر البيانات التي زودت بها بلدية الخليل "البعد الرابع" ارتفاع عدد الأسر المتضررة المسجلة خلال أيام، بالتزامن مع استمرار حصر الحالات وتحديث المعلومات.
ففي صباح 25 تشرين الأول/أكتوبر، بلغ عدد الأسر المسجلة 386 أسرة تضم نحو 2500 فرد. وفي تحديث آخر للجنة المساندة والإغاثة في اليوم نفسه، ارتفع العدد إلى 407 أسر تضم 2649 فردًا؛ أما أحدث بيانات البلدية، الواردة بتاريخ 26 تشرين الأول/أكتوبر، فأظهرت وصول العدد إلى 488 أسرة تضم 3171 فردًا.
وبالمقارنة بين التحديث الأول والأحدث، ارتفع عدد الأسر المسجلة بمقدار 102 أسرة، فيما زاد عدد الأفراد من نحو 2500 إلى 3171 فردًا.
ولا تعني هذه الزيادة بالضرورة أن جميع الأسر غادرت منازلها خلال الفترة نفسها؛ إذ قد تعكس أيضًا تسجيل حالات جديدة أو استكمال بيانات أسر لم تكن مدرجة في التحديثات السابقة؛ كما أن الأرقام تمثل الحالات التي وصلت إلى منظومة الحصر، ولا تشكل بالضرورة حصيلة نهائية لجميع المتضررين.
لا تقتصر دلالة البيانات على عدد الأسر المتضررة، بل تمتد إلى ظروف إقامتها بعد النزوح. فبحسب بيانات لجنة المساندة والإغاثة الصادرة في 25 تشرين الأول، أفادت 168 أسرة من أصل 407 أسر مسجلة بعدم توفر مكان إقامة آمن لها.
وفي المقابل، أقامت 198 أسرة لدى أقارب، و19 أسرة في منازل مستأجرة، فيما أفادت 22 أسرة بأنها تقيم ضمن ترتيبات سكن أخرى.
وتوضح هذه الأرقام أن عددًا من الأسر تمكن من العثور على مأوى مؤقت بمساعدة الأقارب والمعارف، بينما بقيت أسر أخرى من دون مكان آمن وفق البيانات المتاحة.
ورغم أهمية الاستضافة العائلية في تخفيف آثار النزوح، فإنها لا تضمن بالضرورة توفر المساحة المناسبة أو جميع الاحتياجات اليومية، خصوصًا إذا طال أمد الإقامة المؤقتة أو كانت الأسر المستضيفة تعاني بدورها ظروفًا اقتصادية صعبة.
تضم الأسر المسجلة، وفق بيانات لجنة المساندة والإغاثة، 1109 أطفال دون سن الثامنة عشرة، من بينهم 180 طفلًا دون السنتين، إلى جانب 218 من كبار السن، و115 امرأة حاملًا أو مرضعًا، و28 شخصًا من ذوي الإعاقة، و162 شخصًا يعانون أمراضًا مزمنة.
وتفرض هذه الأرقام احتياجات متنوعة على الاستجابة الإنسانية؛ فالأطفال والرضّع يحتاجون إلى الغذاء المناسب وحليب الأطفال والحفاضات، فيما قد يحتاج كبار السن والمرضى والأشخاص ذوو الإعاقة إلى أدوية منتظمة ومستلزمات طبية وترتيبات إقامة تراعي أوضاعهم الصحية.
وبحسب استبيان بلدية الخليل، احتاجت 231 أسرة إلى مواد غذائية، و214 أسرة إلى مساعدات نقدية، و129 أسرة إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، و126 أسرة إلى المأوى والإيواء، فيما سجلت 107 أسر احتياجًا إلى حليب الأطفال والحفاضات.
وشملت الاحتياجات المسجلة كذلك المياه والملابس والفرش والأغطية وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي. وتعكس هذه البيانات أن النزوح لا يخلق حاجة واحدة يمكن تلبيتها بمساعدة موحدة، بل يفرض متطلبات تختلف بحسب عدد أفراد الأسرة وأعمارهم ووضعهم الصحي والموارد التي تمكنوا من الاحتفاظ بها عند مغادرة منازلهم.
وقالت علا القواسمة، المتحدثة باسم بلدية الخليل، في مقابلة خاصة مع "البعد الرابع"، إن البلدية تتعامل مع التطورات باعتبارها أزمة إنسانية وخدماتية تتطلب استجابة متواصلة وتنسيقًا مع المؤسسات الشريكة.
وأوضحت أنه جرى تشكيل خلية أزمة تضم مؤسسات المدينة، وعلى رأسها محافظة الخليل وبلدية الخليل، واعتماد رقم طوارئ البلدية 115 لاستقبال طلبات المساندة والبلاغات الواردة من المواطنين.
وبحسب لجنة المساندة والإغاثة، تعمل اللجنة المنبثقة عن خلية الأزمة على تنسيق الجهود المؤسسية، ومتابعة أوضاع الأسر المتضررة، وتحديد الأولويات، وتوجيه المساعدات وفق الاحتياجات المسجلة.
وتعتمد آلية العمل على استقبال البلاغات وطلبات المساندة، وحصر الأسر وتوثيق بياناتها واحتياجاتها، ثم متابعة الطلبات وتنسيق التدخلات مع المؤسسات والجهات الشريكة.
كما دعت اللجنة الأسر التي لم تستكمل تسجيل بياناتها إلى تعبئة الاستبيان الإلكتروني عبر بوابة بلدية الخليل، لتوثيق عدد أفراد الأسرة ومكان إقامتها الحالي واحتياجاتها، إلى جانب الحالات التي تتطلب رعاية خاصة؛ ويهدف هذا الحصر إلى تحديث المعلومات وتحديد الأولويات وتوجيه الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجًا، في ظل توزع العائلات على أماكن مختلفة وصعوبة التنقل بين بعض المناطق بسبب الإغلاقات.
وقال الجعبري إن البلدية أعلنت حالة الطوارئ وشكلت غرفة عمليات مشتركة بالتعاون مع محافظة الخليل وغرفة التجارة ومنتدى رجال الأعمال والهلال الأحمر الفلسطيني والمستشفيات والمؤسسات الرسمية، لمتابعة أوضاع المواطنين وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
وأوضح أن البلدية تستخدم نظام المعلومات الجغرافية لتحديد أماكن وجود العائلات المهجّرة ومتابعة أوضاعها، في ظل توزع الأسر على مناطق مختلفة من المدينة والمحافظة.
وأشار إلى أن عددًا من المواطنين غادروا منازلهم دون أن يتمكنوا من أخذ أموالهم أو ملابسهم ومستلزماتهم الأساسية، ما يزيد من احتياجاتهم المعيشية، ولا سيما احتياجات الأطفال. وأضاف أن البلدية والمؤسسات الشريكة تعمل على توفير الدعم اللوجستي والمادي وتوزيع المستلزمات وفق الاحتياجات المسجلة.
وفي الجانب الصحي والغذائي، قال الجعبري إن المؤسسات الطبية والوطنية تعمل ضمن منظومة تنسيق مشتركة، تضم الهلال الأحمر الفلسطيني والمستشفيات والجهات الرسمية، مشيرًا إلى أن المواد الغذائية الأساسية كانت لا تزال متوفرة في الأسواق حتى وقت تصريحه.
ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطًا بقدرة المؤسسات على الوصول إلى العائلات في أماكن وجودها الجديدة، وتحديث البيانات باستمرار، وتوفير المساعدة بحسب الحاجة الفعلية لكل أسرة، مع تجنب تكرار المساعدات في بعض المواقع وترك احتياجات ملحة دون تلبية في مواقع أخرى.
إلى جانب النزوح والاحتياجات الإنسانية، تحدث الجعبري عن أضرار طالت الشوارع والأرصفة وخطوط الصرف الصحي والممتلكات العامة والخاصة والأشجار والمنازل، فضلًا عن هدم مبنى مكون من ثلاثة طوابق وخمس منشآت تجارية، وفق تصريحاته.
وتعني هذه الأضرار أن عودة السكان، متى أصبحت ممكنة، لا تتعلق فقط بالسماح لهم بالوصول إلى منازلهم؛ إذ قد تحتاج بعض الممتلكات إلى تقييم وإصلاح، فيما تتطلب البنية التحتية والخدمات المتضررة أعمال صيانة وإعادة تأهيل.
وأكد الجعبري أن البلدية توثق الأضرار والانتهاكات التي تقول إن المدينة تعرضت لها، وتعتزم التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ ويبقى هذا المسار منفصلًا عن الحاجة الإنسانية العاجلة إلى تأمين الغذاء والدواء والمأوى، إذ تحتاج العائلات إلى مساعدة فورية خلال فترة النزوح، بالتوازي مع توثيق الأضرار ومتابعة إمكانية العودة.
بالنسبة إلى باهر سلطان، لا تزال العودة إلى المنزل احتمالًا مفتوحًا بلا موعد واضح. فالعائلة تحاول العثور على مكان يجمع أفرادها وتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لا تعرف متى ستتمكن من استعادة تفاصيل حياتها المعتادة.
وقال الجعبري إن البلدية متمسكة بحق المواطنين في العودة إلى منازلهم، فيما تواصل لجنة المساندة والإغاثة تنسيق الجهود لتأمين احتياجات الأسر المتضررة، خصوصًا تلك التي لا تملك مكانًا آمنًا للإقامة؛ لكن كل يوم بعيدًا عن المنزل يعني استمرار الحاجة إلى مأوى وغذاء ودواء، وبقاء الأطفال والمرضى وكبار السن في ظروف غير مستقرة، فضلًا عن القلق بشأن الممتلكات التي تركها أصحابها خلفهم.
وبينما ارتفع عدد الأسر المسجلة لدى البلدية من 386 إلى 488 أسرة خلال التحديثات المتاحة، تبقى الأرقام مؤشرًا على حجم الحالات التي وصلت إلى منظومة الحصر، لا نهاية الأزمة؛ فخلف كل رقم عائلة تحاول العثور على مكان آمن، وأطفال يحتاجون إلى مستلزماتهم، ومرضى ينتظرون دواءهم، وأشخاص لا يعرفون متى سيتمكنون من العودة إلى بيوتهم.
في الخليل، بدأت الحكاية بإعلان عملية عسكرية، ثم خرجت عائلات من منازلها تحت ضغط الإخلاء، وتوزعت على أماكن إقامة مؤقتة، وبدأت رحلة جديدة لتأمين احتياجاتها وتدبير حياتها بعيدًا عن بيوتها؛ وبين جهود الإغاثة وتحديث الأرقام وتوثيق الأضرار، يبقى السؤال الأثقل: كم ستطول إقامة هذه العائلات خارج منازلها، وما الذي ينتظرها عندما يحين موعد العودة؟
فالمساعدة قد تخفف قسوة النزوح، والتضامن قد يوفر مأوى مؤقتًا، والتوثيق قد يحفظ تفاصيل الأضرار؛ لكن أيًا من ذلك لا يعوّض العائلة عن بيتها، ولا ينهي انتظارها؛ وما تحتاجه الأسر المتضررة ليس فقط ما يسد احتياجاتها اليوم، بل أن تتمكن من استعادة الأمان والاستقرار، وأن تعرف أن مغادرة المنزل لم تتحول إلى غياب مفتوح لا تعرف نهايته.
