ثقافة و فن

حسن عبد الله لـ "4D Pal": تجربتي مزيج من مكونات ثلاثة.. الأديب والإعلامي والباحث

Case

2026-04-06 07:24

Copy Link

-        تتداخل الحلقات الثلاث أحيانا وتنفصل بشكل مستقل أحيانا أخرى

(الحلقة الأولى)

الكاتب والإعلامي حسن عبد الله يتحدث عن محطات مهمة في تجربته الأدبية والإعلامية.

أجرينا لقاء مطولا لصالح وكالة البعد الرابع "4D Pal"، سلطنا من خلاله الضوء على تجربته الأدبية والثقافية والإعلامية، وقد قمنا بتقسيم الحوار على ثلاث حلقات ننشرها تباعا.

رام الله - خاص 4D PAl

حسن عبد الله، أديب وإعلامي وباحث فلسطيني، يتقن العمل في المجالات المذكورة، ويتنقل بينها منذ أربعة عقود، وكأن الإعلامي يغذي الكاتب، والكاتب يدعم ويصقل الإعلامي، فيما الباحث يستثمر الجانبين ويرتوي منهما، في ثلاثية الأديب والإعلامي والباحث تبرز شخصية عبد الله الكليّة، ويتعدد ويتكامل العطاء والإبداع، لنجد أنفسنا بين عدد من الكتب والدراسات القيمة التي هي الآن بمثابة مراجع في الأدب والثقافة والإعلام والفكر.

عبد الله الذي كان له بصمات في الإعلام الثقافي من خلال برنامجي "الحصاد" و"عاشق من فلسطين" التلفزيين، هو الآن رئيس منتدى العصرية الإبداعي في الكلية العصرية الجامعية، ومتسمر في نتاجه الأدبي والبحث.

س: ما هي أبرز المحطات في مسيرتك الثقافية والإبداعية؟

-        مجموعة من المحطات قد عملت على تشكيل شخصيتي الثقافية والإبداعية، أولها أن معلم اللغة العربية في المرحلة الإبتداية تنبّه لي من خلال موضوع الإنشاء. وصار يشجعني على قراءة القصص ويطلب مني قراءة موضوع الإنشاء أمام طلاب الصف.

اعتبرت بالرغم من صغر سنّي أن اهتمام المعلم المرحوم "صدقي" بيّ لم يأت من فراغ وإنما لأنه اكتشف في ما أكتب أن لديّ مهارة معينة في الكتابة. هذا الإهتمام أعطاني حافزا منذ الصغر وأشعرني بأن مواضيعي الإنشائية جيدة استناداً إلى اطراءاته المستمرة.

المحطة الثانية المهمة مرحلة الدراسة الجامعية وتحديدا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. وفي الجامعة انتخبت في العام 1979 رئيسا للنادي الثقافي التابع لمجلس اتحاد الطلبة، وقد نشطنا من خلال هذا النادي ابراهيم جوهر ومعين جبر وعبد الكريم قرمان وأنا وكنا جميعا في السنة الجامعية الثانية، إضافة إلى زملاء آخرين. وبحكم موقعي الثقافي الطلابي أصبحت رئيسا لتحرير مجلة "غصن الزيتون" والمنبر الحر، وقد تم تخصيص المنبرين المذكورين لتحفيز الطلبة على الكتابة والنشر. وكان لزاما عليّ أن أقرأ المقالات وأجيزها، وهذا بالطبع مرّن قدراتي وصقل إمكانياتي. في تلك الفترة بدأت بنشر بعض القصص والخواطر والمقالات في جريدة "الفجر" وفي مجلة "الكاتب".

في هذه المحطة قرأت مجموعات قصصية للأديب محمود شقير وقد تأثرت في البداية بأسلوبه، وقرأت عددا من روايات نجيب محفوظ، وقرأت نتاجات غسان كنفاني، وبعض كتب غادة السمان. لكن الذي ترك أثرا عميقا في تجربتي الثقافية والأدبية في تلك المرحلة هو الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، حيث قرأت له كل ما توافر من دواوين، وألقيت أشعاره في المهرجانات والمناسبات وحفظت بعض دواوينه من الجلدة إلى الجلدة.

برزت قدراتي في نهاية السبعينيات في مجال الإلقاء الإذاعي، وأصبحت أعد وأقدم نشرة دورية إخبارية فكاهية أستعرض خلالها أسماء أساتذة وزملاء وأناقش قضايا الجامعة بأسلوب اخباري ضاحك، وهذا جعل زملائي يتنبهون لمقدماتي الإعلامية التي عبرت عن ذاتها إعلاميا ومهنيا في مرحلة لاحقة.

أما المحطة الثالثة، فهي محطة الاعتقال في العام 1981، حيث أمضيت عامين في الاعتقال على خلفية أنشطة طلابية، وقد كانت هذه الفترة بمثابة محطة تثقيف حقيقية، قرأت كثيرا في الأدب والفكر. استطعت في تلك المرحلة قراءة وتحليل كل ما وقعت عليه يداي من كتب للروائي السوري حنا مينة، وقد أعجبت بأسلوبه كثيرا، وتأثرت بروحه الروائية السلسة، التلقائية، الشاعرية، المكثفة، وقدرته على تشكيل الصورة المبهرة، أما البحر في أعماله الروائية فقد كان مشوقا ومدهشا وغنيا.

ومن فرط إعجابي بـ "مينة" فقد تابعت بعد تحرري كل ما كتب وما كُتِبَ حول تجربته، وقررت أن أخصص له كتابا تحليليا، وها هو الكتاب قد أُنجز بعد هذه السنوات، وسيرى النور قريبا، لأنه جاهز للطباعة.

في الاعتقال تفتحت بواكيري الكتابية، صحيح أن المقدمات كانت وأنا على مقاعد الدراسة الجامعية، لكن في هذه التجربة صُقل قلمي وتغذى من قراءاتي الواسعة، حيث استثمرت الوقت تماما في تنمية قدراتي الأدبية، ومرنت قلمي على كتابة المقال الثقافي والمقال السياسي والفكري أيضا.

في المحطة الرابعة لا سيما بعد التحاقي بالعمل في الصحف المحلية، حيث أسندت إليّ مهمة تحرير الصفحات الأدبية والثقافية، تعلمت في هذه المحطة كيف أوفق بين العمل الصحفي والعمل الثقافي، وكيف أجعل كل جانب منهما يدعم الآخر ويغذيه ليتكامل الجانبان لدي، كل جانب بمفاتيحه وأدواته ومفرداته. ثم بدأت في إصدار مجموعاتي القصصية، المجموعة الأولى "حمامة عسقلان" والمجموعة الثانية "عاشق الزيتون" ثم المجموعة الثالثة "صحفي الصحراء"، والرابعة "عروسان في الثلج" وهكذا.

وتمثلت المحطة الخامسة في الاعتقال مرة أخرى في الانتفاضة الأولى في العام 1991 واستمراري في العمل على مشروعي الثقافي والإبداعي، فقد قرأت كثيرا وكتبت كثيرا وخرجت بكتب أهمها "النتاجات الأدبية الاعتقالية"، وكتاب "صحافة تحدت القيد"، ثم كتاب عبارة عن نص مسرحي بعنوان "طرقات على أبواب الأمل".

ويمكن الحديث عن محطة سادسة وسابعة بعد تحرري والتحاقي مرة أخرى بالعمل في التلفزة المحلية التي عملت فيها رئيسا للتحرير على مدى عشرين عاما، وقدمت إلى جانب ذلك عددا من البرامج أهمها البرامج الثقافية ومنها على سبيل المثال لا الحصر، "البيدر" و"عاشق من فلسطين" وكذلك "المجلة الثقافية".

وخلال عملي في التلفزة المحلية دربت عشرات الصحفيين الشبان، وتبوأ بعضهم بعد أن اشتد عوده مراكز إعلامية في محطات تلفزة مهمة.

ومنذ العام 1993 وحتى هذه اللحظة، أي منذ ثلاثة وثلاثين عاما، قررت التفرغ تماما للعمل الثقافي والنتاجات الإبداعية والبحثية، ويتم التعامل معي كطاقة ثقافية فلسطينية مستقلة، غير خاضعة لتجاذبات سياسية أو مهاترات، حيث أركز جهدي في الإنتاج، وأصدر سنويا كتابين كمتوسط، ولي الآن في المكتبات ما يقارب ثلاثين كتابا بين عمل إبداعي وعمل بحثي منهجي خصوصا في مجالي الثقافة والإعلام، فيما أمارس دوري الإعلامي والثقافي الآن ممن خلال منتدى العصرية الإبداعي في الكلية العصرية الجامعية.

هذا ملخص عام وسريع لأهم المحطات في مسيرتي، ولو أردت أن أتحدث عن كل محطة بنوع من التفصيل لاحتجت لمساحات واسعة، لكنني كنت قد عبرت عن بعض محطاتي بتوسع نسبي في كتابي "شذرات من مذكرات/البستان يكتب بالندى"، حيث قدمت بغض الشروحات عن تجربتي الثقافية والإعلامية، وأهم ما يميزها، ورؤيتي الثقافية، ومتى أكتب وكيف أكتب، وإلى أين اسير بمشروعي الثقافي والأدبي.

س: ركزت في عدد من إصداراتك على التجربة الثقافية والإبداعية للمعتقلين الفلسطينيين، ما الذي ميّز هذه التجربة؟

-         منذ البداية تناولت التجربة بشكل مختلف عن الآخرين، أي أنني لم أرفع التجربة إلى درجة النضج والكمال إنطلاقا من اندفاع عاطفي، بل وضعت التجربة في سياقها الموضوعي، بمعنى قرأت النص الأدبي في مرحلته التاريخية مع ربط ذلك بمواصفات هذه المرحلة ومدى اختلافها عن غيرها:

1.    في بداية التجربة كل ما كتب كان مباشرا خشنا، ضعيف المستوى الفني، وكان هدفه تأكيد الإنتماء والاستمرار.

2.    المرحلة الثانية بعد منتصف السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات، غزارة في الإنتاج، صدور مجلات بخط اليد، دخول كتب ثقافية من خلال الزيارات إلى المعتقلات، بروز اهتمام باللغات، ونشاط حركة الترجمة من اللغة العبرية إلى العربية، وتبلور لجان ترجمة مهنية.

تطورت النتاجات الأدبية فنيا مقارنة بالبدايات، لكنها لم تتخلص من المباشرة تماما. وأصبح بالإمكان الإشارة إلى أسماء معينة في الشعر والقصة القصيرة وبشكل أقل النصوص الأدبية الطويلة وصولا إلى الرواية.

3.    مرحلة ما بعد منتصف الثمانينيات، انتاج نصوص أدبية على مستوى عال من التطور شكلا ومضمونا وصدور عديد الكتب لكتاب أصبح لهم تجاربهم الأدبية في الاعتقال.

كما صدر في هذه الفترة بعض الأعمال الروائية التي لفتت الإنتباه في الخارج لروائيين مهمين يعوّل عليهم في التجربة الروائية الفلسطينية عامة.

س: كيف في رأيك يمكن التعامل مع هذه النصوص الأدبية؟

لا بد من استخدام الأدوات النقدية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النصوص كتبت في ظروف مجافية، مع لجم الاندفاع العاطفي وتطبيق الاشتراطات الفنية، وإلا فإن الاحتفال بأي نص لكاتب معتقل ودون معايير، فإن ذلك لا يفيد النص ولا يدعم التجربة ويطورها. إذا لم تخضع النصوص الى المعايير الأدبية والنقدية، فإننا نحول عملية الإصدار إلى مهرجان مديح لا يقدم شيئا للتجربة. بدل ذلك علينا أن نتأكد أولا:

1.    من المرحلة التي كتب فيها النص هل في البدايات أم في مرحلة متقدمة، آخذين بعين الاعتبار ظروف كل مرحلة، فمعرفة السياق الزمني ضرورية هنا.

2.    المضمون، ما الجديد؟ هل هذه القصة تكرار لمواضيع أُشبعت نقدا ومعالجة أم أن الكاتب اختار موضوعا جديدا جاذبا؟ وكيف تم التعبير عن الموضوع فنيا؟

3.    لا بد من وقفة مع الأسلوب، الصورة، الرمز، الدلالات، الفضاء الاستشرافي، وفي النهاية ماذا قدمت هذه القصة للتجربة القصصية الفلسطينية بشكل عام. وهذا ينطبق على الشعر والرواية والنصوص المسرحية.

 س: وماذا عن كتابك "أم كلثوم في تجربة المعتقلين الفلسطينيين"؟

-        عاشت معي فكرة الكتاب منذ الثمانينيات، حينما وجدت كيف كان المعتقلون ينتظرون أغنية أم كلثوم بفارغ الصبر، ويبرمجون يومهم في الاعتقال مع هذه الأغنية التي كانت تشكل لهم مصدر الترفيه الوحيد، بها يطربون، ومعها يسافرون في الخيال، وكأنهم يتحررون ساعة من الزمن-زمن الأغنية، يتحررون ذهنيا من الحجز ويحلقون مع الذكريات وربما يحلمون بالآتي.

كان المعتقلون يستمعون إلى الأغنية من "راديو المعتقل" يتفاعلون معها، وكانت الأغنية جسرهم إلى الذكريات، وجسرهم إلى الغد.

أم كلثوم بمنأى عن عنوان الكتاب، هي ظاهرة فنية إبداعية استثنائية شكلت قاسما مشتركا فنيا وتثقيفيا لكل العرب من المحيط إلى الخليج. أم كلثوم قيمة فنية عليا أعطت وطنها كثيرا، لا سيما حين كان الوطن بحاجة لجهودها بعد العام 1967، حيث وظفت إيرادات حفلاتها دعما للمجهود الحربي المصري.

لم تكن أم كلثوم كصوت فقط، وإن كان صوتها لا يتكرر، بل كانت إلى جانب ذلك شخصية ثقافية اجتماعية سياسية في مصر والعالم العربي، أكدت بحضورها أن الفنان يستطيع أن يضطلع بدور مهم في مجتمعه، من خلال العمل على الارتقاء بذائقة هذا المجتمع، إضافة الى دوره كنموذج في وطنه. لقد غنت الرومانسي والوطني والديني والقومي والاجتماعي، أطربت، وأنعشت الروح الجمالية لدى العرب، فأحبوها، وتعلقوا بها، وخلدوا فنها حتى بعد مرور هذه السنوات على رحيلها.

لقد حظي كتابي باهتمام المثقفين والإعلاميين في مصر على وجه الخصوص، وأُدرج ضمن الكتب المهمة التي تناولت أم كلثوم تجربة وإبداعا، وتناولته بعض وسائل الإعلام المصرية حينما أبرزت في ذكرى رحيلها الخمسين أهم ما كتبت عن أم كلثوم.

س: عندما بحثت في الثنائية الإبداعية الخاصة بالشراكة الفنية بين فيروز وابنها زياد ما الذي خلصت إليه؟

-        زياد فنان عبقري تربى في المدرسة الرحبانية ثم خرج عن هذه المدرسة، عندما كفت المدرسة الرحبانية عن تلبية طموحه الموسيقي، حيث أصبحت له مدرسته الخاصة الواسعة الثقافية الموسيقية المفتوحة على التجربة العالمية.

كانت تجربة الأخوين رحباني مع فيروز هي التحليق في عالم الرومانسية/ عالم الجمال والحب الخالص الذي لا شائبة فيه، فجاء زياد وكسر الإطار الذي وضع فيه الأخوان رحباني فيروز، وأخرجها منه وأنزلها إلى الناس، لتتعامل مع الحياة الطبيعية بكل ما فيها من مفارقات، ومن خشونة، فغنت عن هدير البوسطة، وكيفك إنت. وغنت للمرأة غير الجميلة، لكنها المرأة المنسجمة مع زوجها العاشق لجمال روحها وليس لشكلها.

زياد هو ابن للمدرسة الواقعية، عاش مع الشعب، وتحسس نبضه، وعبر عنه، وبالتالي أقنع الناس بتغيير أسلوب فيروز، وأصبحوا يرددون أغانيها ذات الأسلوب الزيادي.

المدرسة الرحبانية التي تعلم فيها زياد ثم خرج منها، مدرسة أغنت المكتبة العربية غناء ولحنا وموسيقى، وأغنتها بالمسرح الغنائي أيضا.

الرحابنة بخصوص الأغنية العربية السائدة في تلك الفترة "ثوريين" في أسلوب الموسيقى، وفي الكلمة أيضا، لكن الأسلوب الرحباني لم يتسع لطموح زياد في الغناء والموسقى فأسس تجربة مختلفة.

كانت فيروز في التجربتين صوتا استثنائيا أطرب العرب وجعل فيروز حاضرة في يومهم، يبدأ يومهم مع هذا الصوت. اختلفت التجربتان الرحبانية والزيادية، فلكل مدرسة أسلوبها، لكن الثابت جمال صوت فيروز إلا أن زياد نقلها بطريقته،  وجعلها تستخدم كلمات الناس البسطاء في أغانيها.

فيروز غنت بأسلوب الأخوين رحباني لكل العواصم العربية، وغنت للقدس أجمل الأغاني، لكن مع زياد غنت للبسطاء والفقراء عامة، الشعب، والحب الذي عبرت عنه مع زياد لم يكن حبا خياليا منمقا مترفعا، صار حب الناس العاديين المعفر بالتراب، أي أنه الحب الذي هو ابن الحياة.

يتبع في الحلقة الثانية

أقرأ ايضا