
2026-08-15 09:49
4D pal
غيب الموت الشاعر والناقد المغربي محمد السرغيني عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين الشعر والنقد والبحث الأكاديمي، وترك خلالها بصمة بارزة في تطور الأدب المغربي والقصيدة العربية الحديثة.
ولم يكن السرغيني مجرد شاعر ينتمي إلى جيل معين، بل ظل طوال تجربته منشغلًا بتجديد أدوات الكتابة والقراءة، مستفيدًا من التراث العربي والتصوف والفلسفة والأسطورة، إلى جانب انفتاحه على التيارات الحديثة في الشعر والنقد.
وُلد محمد السرغيني في مدينة فاس العام 1930، وبدأ تحصيله العلمي في جامعة القرويين، قبل أن ينتقل إلى العراق لدراسة الأدب في بغداد.
وشكلت التجربة العراقية مرحلة مؤثرة في تكوينه الثقافي، إذ عايش هناك التحولات التي كانت تشهدها القصيدة العربية خلال منتصف القرن العشرين، مع صعود تيارات شعرية جديدة وظهور محاولات متزايدة للخروج من الأطر التقليدية.
وبعد عودته إلى المغرب، واصل مساره الأكاديمي، قبل أن يتوجه إلى فرنسا للدراسة في جامعة السوربون، حيث حصل على الدكتوراه العام 1970، ثم دكتوراه الدولة العام 1985.
وعقب عودته إلى المغرب، التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في فاس أستاذًا جامعيًا، ليصبح لاحقًا أحد الأسماء الأكاديمية المؤثرة في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين في الأدب والنقد.
لم يقتصر اهتمام السرغيني على كتابة الشعر، إذ انشغل كذلك بالنقد الأدبي ودراسة الشعر العربي الحديث، وقدم قراءات لعدد من التجارب الشعرية العربية والأجنبية.
كما اهتم بالمناهج النقدية الحديثة، ومن بينها السيميولوجيا، في وقت كان النقد العربي يشهد انتقالًا تدريجيًا من الأدوات التقليدية إلى مقاربات أكثر اهتمامًا باللغة وبنية النص والدلالات التي ينتجها.
ويعد كتابه "محاضرات في السيميولوجيا" من أبرز أعماله النقدية، ويعكس جانبًا من انخراطه في النقاشات التي رافقت تطور الدراسات الأدبية الحديثة.
أما في الشعر، فاختار السرغيني منذ وقت مبكر أن يجعل التجريب جزءًا أساسيًا من مشروعه، رافضًا الاستقرار داخل قالب شعري واحد.
واستندت تجربته إلى مصادر متعددة، من الشعر العربي القديم إلى الأسطورة والتصوف والفلسفة، مع الاستفادة من تحولات الشعر الحديث وتقنياته.
واتسمت قصائده بكثافة الصور وتعدد مستويات الدلالة، كما بدا الغموض في كثير من نصوصه خيارًا فنيًا يترك للقارئ مساحة لإعادة اكتشاف النص وتأويله.
ومن أبرز دواوينه "ويكون إحراق أسمائه الآتية" الصادر العام 1987، و"بحار جبل قاف" العام 1991، و"الكائن السبئي" العام 1992، و"من فعل هذا بجماجمكم" العام 1994.
واصل السرغيني حضوره في المشهد الثقافي المغربي حتى سنواته الأخيرة، وبقيت أعماله موضع اهتمام الباحثين والنقاد، فيما ساهم نشر أجزاء من أعماله الشعرية الكاملة في إتاحة تجربته أمام أجيال جديدة من القراء.
وفي العام 2013، توج بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر عن ديوانه "تحت الأنقاض فوق الأنقاض"، في اعتراف رسمي بمسيرة طويلة داخل الشعر المغربي والعربي.
وظل التجريب عنوانًا ثابتًا في تجربته، سواء عبر المزج بين الشعر والنثر والسرد، أو من خلال استدعاء مفاهيم ومرجعيات من حقول معرفية مختلفة داخل النص الشعري.