أخبار

سرقة الأغنام في الضفة الغربية: كيف تحوّل الاستيطان الرعوي إلى أداة لاقتلاع الفلسطينيين؟

Case

2026-05-18 09:46

Copy Link

رام الله – 4D PAl - رنيم علوي

لم تعد الاعتداءات التي تستهدف الفلسطينيين في المناطق الرعوية بالضفة الغربية تقتصر على مهاجمة المنازل أو منع الوصول إلى الأراضي الزراعية، بل باتت سرقة الأغنام والاستيلاء عليها بالقوة واحدة من أكثر الأدوات استخداماً لإضعاف التجمعات البدوية ودفعها نحو الرحيل القسري. ومع تصاعد نفوذ ما يعرف بـ"الاستيطان الرعوي"، أصبحت هذه الهجمات نمطاً متكرراً يستهدف مصادر الرزق الأساسية للعائلات الفلسطينية، ويهدد بشكل مباشر بقاءها فوق أرضها.

خلال السنوات الأخيرة، شهدت الضفة الغربية ارتفاعاً ملحوظاً في اعتداءات المستوطنين ضد الرعاة الفلسطينيين، خصوصاً في مناطق الأغوار، ومسافر يطا، وشرق رام الله، حيث تشير تقديرات حقوقية إلى تسجيل مئات الاعتداءات سنوياً، شملت سرقة مواشٍ، وتخريب حظائر، ومنع الرعي، والاعتداء الجسدي على السكان.

وتفيد بيانات ميدانية بأن أكثر من 60% من هذه الاعتداءات تستهدف التجمعات الرعوية بشكل مباشر، فيما يعتمد نحو 70% من سكان هذه التجمعات على تربية الأغنام كمصدر دخل أساسي، ما يجعل أي استهداف للثروة الحيوانية ضربة مباشرة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذه الأسر.

الاستيطان الرعوي: توسّع سريع وسيطرة على الأرض

يرتبط تصاعد هذه الاعتداءات بتوسع ظاهرة "الاستيطان الرعوي"، وهي بؤر استيطانية تُقام غالباً على شكل مزارع أو نقاط رعي صغيرة، لكنها تتحول تدريجياً إلى أدوات للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.

وفق تقديرات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية، ارتفع عدد هذه البؤر بشكل لافت خلال الأعوام الأخيرة، ليصل إلى أكثر من 80 بؤرة رعوية استيطانية منتشرة في الضفة الغربية، تسيطر فعلياً على عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والمراعي الفلسطينية، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

ويرى مراقبون أن هذه البؤر لا تعتمد فقط على التوسع العمراني، بل تستخدم قطعان المواشي الخاصة بالمستوطنين، إلى جانب العنف المنظم، لطرد الرعاة الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم.

570 رأساً من الأغنام سُرقت في ساعات

في إحدى أبرز الحوادث التي تعكس هذا الواقع، يروي المواطن الفلسطيني محمد نايف تفاصيل الهجوم الذي تعرض له في 22 شباط/فبراير 2025، حين اقتحم عشرات المستوطنين المسلحين مزرعته في وضح النهار.

بحسب شهادته، وصل ما بين 30 إلى 40 مستوطناً، بعضهم ملثمون ويحملون السلاح، وهاجموا المنزل الذي كان يضم أفراد عائلته، بينهم نساء وأطفال، أثناء وجودهم في المزرعة لرعاية الأغنام.

يقول نايف: "  إن المستوطنين حاصروا المنزل، وبدأوا بإلقاء الحجارة والصراخ، قبل أن يجبروا العائلة على الخروج تحت التهديد المباشر، وفي الوقت ذاته، كانت مجموعات أخرى تسحب الأغنام من الحظائر وتدفعها نحو الخارج"

وخلال وقت قصير، تمكن المستوطنون من الاستيلاء على نحو 570 رأساً من الأغنام، بينها 350 رأساً من الخراف المخصصة للحوم، إضافة إلى عشرات الخراف الصغيرة التي لم يتجاوز عمر بعضها أياماً معدودة.

ويقدّر نايف خسائره المالية بنحو 1.5 مليون شيقل، وهي خسارة تعني فعلياً انهيار مصدر رزق العائلة بالكامل، بعد أكثر من 30 عاماً من تربية المواشي والعمل في الأرض.


من سرقة الأغنام إلى تفكيك المجتمع الرعوي

لا تتوقف آثار هذه الهجمات عند الخسارة الاقتصادية المباشرة، بل تمتد إلى تفكيك البنية الاجتماعية والنفسية للتجمعات الفلسطيني، فسرقة مئات الأغنام تعني فقدان مصدر الحليب واللحم والدخل المستقبلي، كما تعني فقدان الشعور بالأمان، خاصة عندما تحدث الاعتداءات أمام أعين الأطفال والنساء.

يقول نايف إن المستوطنين اعتدوا حتى على طفله الصغير أثناء إجبار العائلة على مغادرة المكان، كما منعوه من استخدام هاتفه أو تصوير ما يحدث، وبعد أيام، وصلت إليه مقاطع مصورة تظهر توزيع أغنامه بين عدة بؤر استيطانية مجاورة.

ورغم لجوئه، مع عدد من جيرانه، إلى محامٍ ومتابعة القضية قانونياً، ودفعهم ما يزيد عن 40 ألف شيقل ، إلا أنهم لم يحصلوا حتى اليوم على أي إنصاف أو استعادة للمواشي.

إفلات من العقاب وغياب للحماية

تشير تقارير حقوقية إلى أن أكثر من 90% من ملفات عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين تُغلق دون محاسبة، ما يعزز شعور المستوطنين بإمكانية تنفيذ هذه الاعتداءات دون أي تبعات قانونية.

وفي كثير من الحالات، يؤكد السكان أن قوات الاحتلال تكون موجودة أثناء الاعتداء أو تصل لاحقاً دون أن تتدخل لوقفه، بل قد تمنع الفلسطينيين من الاقتراب أو توثيق ما جرى.

هذا الواقع يجعل سرقة الأغنام أكثر من مجرد جريمة؛ إنها جزء من سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

"الغنم يحمي الأرض"

يلخّص محمد نايف جوهر ما يحدث بقوله: " هم يريدون الأرض، ولا يريدون أن يبقى الفلسطيني أو غنمه عليها، بالنسبة لهم الغنم هو الذي يحمي الأرض، لذلك يستهدفونه".

هذه العبارة تختصر العلاقة بين الرعي والوجود الفلسطيني، فوجود الأغنام في المراعي يعني حضوراً يومياً للرعاة، وحماية فعلية للأرض من المصادرة؛ لذلك، فإن ضرب الثروة الحيوانية بات وسيلة مباشرة لاقتلاع الإنسان من المكان.

الأرض… ذاكرة الفلسطيني الأخيرة

لا يقتصر استهداف الأغنام والأراضي الرعوية على كونه اعتداءً على مصدر رزق الفلسطينيين، بل يتجاوز ذلك ليطال علاقتهم الأعمق بالمكان؛ فالأرض بالنسبة للفلسطيني ليست مجرد مساحة جغرافية أو ملكية خاصة، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وسجلّ الحكايات العائلية، وامتداد الهوية الوطنية عبر الأجيال.

في التجمعات البدوية والرعوية، ترتبط الأرض بالحياة اليومية بكل تفاصيلها؛ من مسارات الرعي، إلى أسماء التلال والوديان، إلى الأشجار التي زرعها الأجداد، وحتى الحظائر التي بُنيت مع أولى خطوات الاستقرار. كل زاوية تحمل قصة، وكل موسم يحمل ذاكرة، ما يجعل فقدان الأرض أو الانقطاع عنها شكلاً من أشكال الاقتلاع المعنوي، لا يقل قسوة عن التهجير الجسدي.

بالنسبة للرعاة الفلسطينيين، تمثل الأغنام جزءاً من هذه الذاكرة أيضاً، فهي ليست فقط مصدراً اقتصادياً، بل رمز للاستمرارية والبقاء، وعلاقة يومية تربط الإنسان بأرضه وتحفظ حضوره فيها؛ ولذلك، فإن استهداف الأغنام وسرقتها يحمل رسالة تتجاوز الخسارة المادية؛ إنها محاولة لكسر الرابط بين الفلسطيني ومكانه، وتجريده من أحد أهم عناصر صموده.

وفي ظل تصاعد الاستيطان الرعوي، يبدو أن المعركة لم تعد فقط على السيطرة على الأرض، بل على محو الذاكرة المرتبطة بها؛ إذ يسعى المستوطنون، من خلال التضييق على الرعاة ومنعهم من الوصول إلى مراعيهم، إلى إعادة تشكيل المكان وفرض رواية جديدة تُقصي أصحابه الأصليين.

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى تمسّك الفلسطيني بأرضه شكلاً من أشكال المقاومة اليومية؛ مقاومة تحفظ الذاكرة، وتحمي الحكاية، وتؤكد أن الأرض ليست مجرد تراب بل جزء من الذات الفلسطينية التي لا تُسرق بسهولة.

 

أقرأ ايضا