2026-09-10 10:46
خاص 4dPAL
لم تعد أزمة المياه في الضفة الغربية مرتبطة فقط بنقص التزويد أو تراجع الموارد، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالوصول إلى مصادر المياه وحماية البنية التحتية التي تعتمد عليها القرى والتجمعات الفلسطينية، في ظل اعتداءات متكررة تستهدف الآبار والخزانات وشبكات المياه ومصادرها الطبيعية.
وتكشف معطيات الأمم المتحدة خلال عام 2026 عن اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بمنشآت المياه والصرف الصحي في الضفة الغربية، بفعل اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والإجراءات التي تعيق وصول الفلسطينيين إلى مصادر المياه، ما دفع مجتمعات متضررة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على نقل المياه بالصهاريج.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تسببت أكثر من 100 حادثة مرتبطة بهدم المنشآت أو عنف المستوطنين منذ بداية عام 2026 في تضرر أو تدمير أكثر من 190 منشأة مرتبطة بالمياه والصرف الصحي في الضفة الغربية، بينها خطوط مياه وأنظمة ري وخزانات.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن هجمات المستوطنين باتت تستهدف بشكل متزايد البنية التحتية المائية التي تخدم مجتمعات بأكملها، وليس فقط المنشآت الخاصة، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل إمدادات المياه عن أعداد كبيرة من السكان ورفع اعتمادهم على صهاريج الطوارئ.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك قرية المغير شمال شرق رام الله، حيث وثقت الأمم المتحدة خلال أغسطس الماضي استهداف نقطة إمداد المياه الرئيسية في القرية للمرة الثانية، ما أدى إلى انقطاع المياه عن نحو 3300 نسمة لمدة ثلاثة أيام على الأقل.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة، دمر المستوطنون خلال الاعتداءات ذاتها أربعة خزانات للمياه، إلى جانب الاستيلاء على خيام زراعية وسرقة عشرات رؤوس الماشية، فيما ترافقت الاعتداءات مع قيود مشددة على حركة سكان القرية وإغلاق مدخلها.
وفي محافظة رام الله والبيرة، تعرضت منشآت المياه في منطقة عين سامية لاعتداءات متكررة خلال العام الجاري، وهي المنطقة التي تضم مصدرًا مائيًا رئيسيًا يخدم عشرات التجمعات الفلسطينية.
ووثقت الأمم المتحدة في يناير الماضي اقتحام مستوطنين لموقع آبار عين سامية وتدمير أجزاء أساسية من شبكة المياه، بينها لوحة التحكم وكابلات التوصيل، كما تعرض عمال صيانة لهجوم وتهديد أثناء محاولتهم إصلاح الأضرار.
وأدى ذلك إلى انقطاع متكرر للمياه لعدة أيام، وأثر على مصدر المياه الرئيسي لنحو 20 قرية في شرق رام الله، إضافة إلى تجمعات أخرى تعتمد على المصدر جزئيًا، بما يقدر بنحو 100 ألف فلسطيني.
وتأخذ أزمة المياه بعدًا أكثر حدة في الأغوار، حيث تعتمد التجمعات الفلسطينية الزراعية والرعوية على الينابيع والآبار ومصادر المياه الطبيعية لتأمين احتياجاتها المنزلية والحفاظ على الزراعة وتربية المواشي.
وفي منطقة الفصايل، وثقت وكالة رويترز في أغسطس الماضي قيام مستوطنين بتحويل مياه نبع كانت تستخدم في الزراعة الفلسطينية نحو بركة في موقع أثري، ما حرم مزارعين فلسطينيين من مصدر أساسي لري أراضيهم.
ووفق التقرير، أدى تحويل مسار المياه إلى خسائر للمزارعين الذين يعتمدون على النبع في زراعة محاصيلهم، في وقت تتزايد فيه السيطرة على الينابيع ومصادر المياه في مناطق الأغوار.
ولا تقتصر الاعتداءات على تخريب المنشآت، إذ وثقت الأمم المتحدة حالات استولى فيها مستوطنون على نقاط مياه ومنعوا السكان من الوصول إليها.
وفي مايو الماضي، أفادت الأمم المتحدة بأن مستوطنين سيطروا على نقاط المياه الوحيدة التي تخدم تجمعي دير فضعة والطيبة الشرقية في الأغوار، ما أدى إلى قطع المياه بشكل كامل عن أكثر من 200 شخص، واضطر العاملون في المجال الإنساني إلى توفير المياه بالصهاريج للتخفيف من آثار الانقطاع.
كما شهدت منطقة خلة الحمّص في مسافر يطا استيلاء مستوطنين على خزان مياه فلسطيني عبر تركيب مضخة كهربائية، ما حرم نحو 90 شخصًا من الوصول إلى ثلاثة خزانات كانت تستخدم لأغراض الشرب وتربية المواشي.
وتتزامن هذه الاعتداءات مع توسع استيطاني متواصل في مناطق واسعة من الضفة الغربية، خصوصًا في المناطق المصنفة "ج"، حيث تعتمد تجمعات فلسطينية كثيرة على مصادر مياه محدودة ولا تمتلك شبكات بديلة قادرة على تعويض أي مصدر يتم قطعه أو تدميره.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن تضرر منشآت المياه يزيد اعتماد السكان على الصهاريج، وهي وسيلة أكثر كلفة وأقل استقرارًا، خصوصًا بالنسبة للتجمعات الرعوية والزراعية التي تعاني أصلًا من القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي ومصادر المياه.
بالنسبة للمزارعين والرعاة الفلسطينيين، لا يعني فقدان المياه انقطاع خدمة أساسية فحسب، بل يعني تهديد مصدر الرزق نفسه.
فالمياه ضرورية لري المحاصيل وسقي المواشي، وأي انقطاع طويل لها يمكن أن يؤدي إلى خسارة الموسم الزراعي أو اضطرار المزارعين إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة، بينما قد تضطر بعض العائلات إلى تقليص نشاطها الزراعي أو ترك أراضٍ لم تعد قادرة على استثمارها.
وفي المجتمعات الرعوية، يؤدي فقدان مصادر المياه إلى زيادة صعوبة تربية المواشي، وقد يضطر السكان إلى نقل الحيوانات لمسافات أطول بحثًا عن الماء أو شراء كميات إضافية بأسعار تفوق قدرتهم الاقتصادية.
وتعد تجمعات مسافر يطا من أكثر المناطق تأثرًا بأزمة المياه، إذ تواجه عدد من التجمعات صعوبات في الوصول إلى شبكات المياه، بينما تؤدي الاعتداءات على الخزانات وخطوط المياه إلى زيادة الاعتماد على الصهاريج.
وتقول الأمم المتحدة إن شركاء العمل الإنساني اضطروا خلال العام الجاري إلى توفير المياه بالصهاريج لعشرات التجمعات الفلسطينية، خصوصًا التجمعات البدوية والرعوية في مسافر يطا والأغوار الشمالية، حيث تتداخل أزمة المياه مع الاعتداءات والقيود على الحركة ومخاطر التهجير.
ومع تكرار استهداف الخزانات والأنابيب والينابيع، تتحول المياه من أزمة خدمية إلى عامل يمس قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء في أراضيها.
وتشير التجارب الموثقة خلال العام الجاري إلى أن تدمير مصدر المياه أو منعه عن السكان لا ينعكس على الشرب فقط، وإنما يمتد إلى الزراعة والرعي والصحة والدخل والاستقرار اليومي، خصوصًا في المناطق التي لا تتوفر فيها مصادر بديلة.
وفي هذا السياق، قالت الأمم المتحدة إن الضرر المتكرر الذي يلحق بالبنية التحتية للمياه، إلى جانب القيود على الوصول إلى المصادر، يزيد من هشاشة التجمعات الفلسطينية ويعمق اعتمادها على المساعدات الطارئة.
ومع انتهاء أشهر الصيف، لا تنتهي مشكلة المياه في الضفة الغربية، لأن جوهر الأزمة يرتبط بالسيطرة على المصادر والبنية التحتية والقدرة على الوصول إليها.
فمن عين سامية إلى المغير، ومن الأغوار إلى مسافر يطا، تتكرر صورة واحدة: مصدر مياه يتعرض للتخريب أو الاستيلاء، قرية تفقد جزءًا من إمداداتها، ومزارع يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن بديل أكثر كلفة.
وبذلك، تتحول المياه في الضفة الغربية إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالأرض والزراعة والاستيطان، بعدما أصبح الوصول إلى هذا المورد الأساسي بالنسبة لعدد من التجمعات الفلسطينية مرتبطًا ليس فقط بقدرتها على الحصول عليه، وإنما بقدرتها على حمايته والاستمرار في استخدامه.
وفي الضفة الغربية، لم يعد السؤال فقط عن كمية المياه المتوفرة، بل عن مصير مصادرها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما الذي يحدث عندما يتحول الاعتداء على خزان أو نبع أو خط مياه إلى أزمة تطال قرية بأكملها.
