2026-10-07 07:32
رام الله - البعد الرابع (4dpal)
لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية عشية الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر على الاقتحامات والاعتقالات وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، بل امتدت إلى استهداف النصب التذكارية واللافتات التي تحمل صور الشهداء، في حملة بدأت بإخطارات في محافظة جنين، قبل أن تتحول إلى عمليات هدم وإزالة ميدانية في نابلس، بالتزامن مع هدم صرح شهداء جامعة بيرزيت.
وأعلنت قوات الاحتلال، وفق ما أوردته تقارير إعلامية، بدء عملية تستهدف عشرات النصب واللافتات التذكارية للشهداء في الضفة الغربية. وتزامن الإعلان مع تنفيذ عمليات إزالة وهدم في جنين ونابلس، فيما لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من العدد الإجمالي البالغ 50 نصبًا، لذلك يُنسب الرقم إلى الجهة التي أعلنته.
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، أخطرت قوات الاحتلال بإزالة عدد من اللافتات والنصب التذكارية التي تحمل صور شهداء في مدينة جنين وبلدة يعبد جنوب غرب المحافظة.
وشملت الإخطارات لافتة في مدينة جنين تحمل صور ثلاثة شهداء، ونصبًا تذكاريًا يحمل صورة الشهيد محمود خالد عرعراوي، إضافة إلى لافتة تحمل صورة الشهيد تامر عزمي نشرتي.
كما شملت أوامر الإزالة نصبًا يضم صور الشهيدين نضال أمين زيدان حازم ويوسف صلاح بركة في جنين، ونصبًا تذكاريًا مخصصًا للشهيد الأسير ياسر ذياب حمدوني في بلدة يعبد.
وبذلك بدت الحملة في جنين في بدايتها مرتبطة بإخطارات مسبقة لإزالة رموز وصور الشهداء، قبل أن تتزامن مع عمليات هدم فعلية في مناطق أخرى من شمال الضفة.
فجر الأربعاء، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة نابلس من عدة محاور، برفقة آليات عسكرية وجرافة، وأعلنت حظر التجول في المدينة.
وخلال الاقتحام، هدمت جرافة الاحتلال عددًا من النصب التذكارية للشهداء في منطقتي الدوار ورأس العين، بالتزامن مع مداهمة منازل في أحياء ومناطق عدة، بينها الجبل الشمالي ورفيديا وخلة العامود وشوارع رأس العين والتعاون وكشيكة.
وأفادت مصادر محلية باعتقال عدد من الفلسطينيين خلال العملية، بينهم الصحفي عمير استيتية وعدد من المواطنين، فيما حولت قوات الاحتلال مدرسة كرمان في شارع كشيكة إلى مركز للتحقيق الميداني، وتزامن الهدم مع إجراءات عسكرية واسعة داخل المدينة، بينها إغلاق طرق وانتشار للآليات، فيما أعلنت مدارس خاصة ورياض أطفال تعطيل الدوام حفاظًا على سلامة الطلبة.
وقبل عمليات نابلس، امتدت الحملة إلى جامعة بيرزيت شمال رام الله، حيث اقتحمت قوات الاحتلال حرم الجامعة برفقة جرافة عسكرية وهدمت صرح الشهداء، وهو نصب تذكاري يحمل أسماء طلبة الجامعة الذين استشهدوا برصاص قوات الاحتلال خلال السنوات الماضية.
وأفادت مصادر محلية بأن القوات استولت على الصرح واحتجزت أحد أفراد أمن الجامعة، كما انتشرت داخل الحرم واقتحمت عددًا من مرافقه.
ويضم النصب أسماء عشرات الطلبة الذين قتلوا خلال سنوات مختلفة، فيما وصفت تقارير صحفية عملية الهدم بأنها استهداف لرمز مرتبط بذاكرة الجامعة وطلابها، كان النصب يضم أسماء 38 طالبًا من جامعة بيرزيت اسشتهدوا برصاص القوات الإسرائيلية، ومن بينهم فادي وشاح، الذي استشهد عام 2021.
النصب واللافتات التي تحمل صور الشهداء تنتشر في مداخل المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، وتحولت على مدى السنوات إلى جزء من المشهد العام والذاكرة المحلية، إذ تحمل أسماء وصور فلسطينيين قتلوا خلال مواجهات أو عمليات عسكرية إسرائيلية.
ولهذا فإن إزالة هذه الرموز لا تتعلق بكتلة إسمنتية أو لافتة فقط، بل تطال علامات مرتبطة بذاكرة المكان وأسماء أبنائه الذين تحولوا إلى رموز محلية في مدنهم وبلداتهم.
وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال الإجراءات من استهداف أفراد وممتلكات خلال الاقتحامات إلى التعامل كذلك مع الرموز التي توثق أسماء الشهداء في الأماكن العامة.
اختيار شمال الضفة لتنفيذ جزء أساسي من هذه الإجراءات يأتي في ظل تركيز عسكري إسرائيلي متواصل على جنين ونابلس ومخيماتهما ومحيطهما.
ففي جنين، سبقت عمليات الإزالة إخطارات واضحة استهدفت عددًا من النصب واللافتات بأسماء وصور شهداء محددين. وفي نابلس، انتقلت الإجراءات إلى التنفيذ الميداني، حيث هدمت الجرافات نصبًا تذكارية خلال اقتحام المدينة فجر الأربعاء.
وتزامن ذلك مع عمليات اعتقال وتفتيش وحظر للتجول، ما جعل إزالة النصب جزءًا من عملية عسكرية أوسع شهدتها المدينة في الساعات الأولى من 7 أكتوبر.
ولا تبدو عمليات نابلس وجنين منفصلة عن سلسلة إجراءات طالت رموزًا فلسطينية خلال الأيام الأخيرة.
ففي جامعة بيرزيت، هُدم صرح الشهداء الذي يحمل أسماء الطلبة القتلى، فيما شهدت محافظة جنين إصدار إخطارات لإزالة نصب ولافتات تحمل صور شهداء، قبل أن تسجل نابلس عمليات هدم مباشرة.
كما شهدت بلدة مادما جنوب نابلس، في وقت سابق، هدم صرح للشهداء بمشاركة عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت وتحت حماية قوات الاحتلال، وفق تقارير إعلامية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا عسكريًا واستيطانيًا متزامنًا، شمل الاقتحامات والاعتقالات وهدم المنازل والمنشآت وتشديد القيود على الحركة.
تكتسب عمليات إزالة النصب التذكارية أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تأتي بالتزامن مع الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر، وفي ظل إجراءات إسرائيلية مشددة في الضفة الغربية تشمل إغلاقًا واسعًا وتشديدًا على الحواجز والطرق والبلدات.
وبينما تبرر إسرائيل عملياتها العسكرية في الضفة باعتبارات أمنية، فإن استهداف النصب التي تحمل أسماء وصور الشهداء يفتح جانبًا آخر من المشهد، يتعلق بالسيطرة على الرموز الموجودة في المجال العام ومحاولة إزالة مظاهر مرتبطة بالذاكرة الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن إزالة النصب لا تعني بالضرورة اختفاء الأسماء التي تحملها؛ فهذه الأسماء مرتبطة بعائلات وبلدات وجامعات ومخيمات، فيما تعود صور أصحابها إلى الظهور في أماكن مختلفة كلما أزيلت من موقع.
وهكذا تحولت الجرافات خلال الأيام الأخيرة من أدوات لهدم منشآت ومنازل إلى وسيلة لإزالة صروح تحمل أسماء وصور الشهداء، في مشهد يتجاوز الهدم المادي إلى صراع على الذاكرة والرموز في الضفة الغربية.
