أخبار

الفلسطيني الذي لا يخطط ليومه.. يخطط للطريق

Case

2026-09-08 08:53

Copy Link

خاص 4dpal

لم تعد المسافة وحدها تحدد الوقت الذي يحتاجه الفلسطيني في الضفة الغربية للوصول إلى عمله أو جامعته أو المستشفى. ففي ظل انتشار الحواجز والبوابات والسواتر وإغلاقات الطرق، أصبحت الرحلة اليومية مرتبطة بسؤال آخر: هل الطريق مفتوح أصلا؟

وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن القيود على الحركة في الضفة الغربية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقدين الماضيين. وحتى نهاية عام 2025، وثقت الأمم المتحدة 925 عائقا للحركة تقيد أو تعيق تنقل نحو 3.4 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. ويزيد هذا العدد بنسبة 43% عن المتوسط السنوي البالغ 647 عائقا خلال العقدين السابقين.

925 عائقا على الطرق

لا تقتصر هذه العوائق على الحواجز العسكرية التقليدية، بل تشمل بوابات الطرق والسواتر الترابية والحواجز الجزئية وإغلاقات الطرق وغيرها من الوسائل التي تحد من حركة الفلسطينيين.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، تشكل الحواجز وبوابات الطرق ما يقارب 60% من إجمالي عوائق الحركة المسجلة، في مؤشر على أن القيود لم تعد مرتبطة فقط بإجراءات مؤقتة، بل أصبحت مرتبطة ببنية ثابتة للتحكم في حركة السكان.

وخلال عام 2025 وحده، وثقت الأمم المتحدة تركيب أكثر من 120 بوابة طريق جديدة، فيما ارتفع عدد البوابات المسجلة من 288 في فبراير 2025 إلى 384 في ديسمبر من العام نفسه.

الطريق الأقصر لم يعد دائما هو الطريق المتاح

تظهر آثار هذه القيود بشكل مباشر في المسافات التي يضطر الفلسطينيون إلى قطعها للوصول بين البلدات والمدن.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن ما لا يقل عن 459 عائقا تمنع أو تعيق الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية في الضفة الغربية.

وتدفع هذه العوائق السكان إلى استخدام طرق ثانوية وأطول، وهو ما ينعكس على الوصول إلى أماكن العمل والمدارس والخدمات الصحية والأسواق. كما أن نحو 20% من هذه العوائق لها تأثير يتجاوز المنطقة المحلية، وتمتد تداعياتها إلى أكثر من محافظة أو تؤثر على حركة السكان على نطاق أوسع.

وبذلك، لا يصبح السؤال بالنسبة إلى المواطن: "كم تبعد وجهتي؟"، بل "أي طريق يمكنني استخدامه للوصول إليها؟".

بوابة واحدة قادرة على تغيير يوم كامل

في القرى والتجمعات التي تعتمد على مدخل رئيسي واحد، يمكن لإغلاق هذا المدخل أن يغير تفاصيل الحياة اليومية بأكملها.

وتوثق الأمم المتحدة حالات أدت فيها إغلاقات الطرق إلى تعطيل وصول السكان إلى المدارس والمنازل ومصادر الرزق والخدمات الأساسية.

وفي قرية اللبن الشرقية بمحافظة نابلس، على سبيل المثال، أغلقت القوات الإسرائيلية طريقا باستخدام كتل إسمنتية، ما أثر على وصول الطلاب بالمركبات إلى مدارسهم. وفي دير بلوط بمحافظة سلفيت، أدى إغلاق طريق إلى تقييد حركة أربع عائلات للوصول إلى منازلها.

هذه الحالات توضح كيف يمكن لإجراء على طريق واحد أن يتحول إلى مشكلة تتعلق بالتعليم والسكن والعمل، وليس مجرد تأخير في حركة السيارات.

الهاتف أصبح جزءا من الطريق

مع تغير أوضاع الطرق والبوابات، يصبح الحصول على المعلومات قبل الخروج جزءا من عملية التنقل نفسها.

المواطن الذي يريد الانتقال من قرية إلى مدينة لا يعتمد فقط على المسافة أو تطبيقات الخرائط، بل يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الطريق التي اعتاد استخدامها مفتوحة، وما إذا كان عليه سلوك طريق بديل.

وهكذا تنشأ لدى السكان معرفة يومية غير مكتوبة بالطرق: أي مدخل يستخدم، وأي طريق يتجنب، وأين يمكن أن يواجه تأخيرا، وأي طريق يمكن أن يكون البديل في حال الإغلاق.

هذه المعرفة لا تظهر على الخرائط، لكنها أصبحت جزءا من طريقة التنقل في الضفة.

المريض يدفع ثمن الطريق

تزداد خطورة القيود عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى الخدمات الصحية.

وتقول الأمم المتحدة إن القيود المفروضة على الحركة تؤثر في وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية، فيما سجلت تقارير إنسانية سابقة حالات تأخير مرتبطة بالحواجز والتفتيش وإغلاق الطرق أثرت على حركة المرضى وسيارات الإسعاف.

وتعني إطالة الطريق أو الانتظار عند أحد العوائق أن رحلة العلاج نفسها قد تصبح أطول وأكثر تعقيدا، خصوصا بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى مواعيد منتظمة أو رعاية طبية في مدن أخرى.

الفلاح والطريق إلى أرضه

لا تنتهي مشكلة الحركة عند الطرق التي تربط المدن والقرى.

فالوصول إلى الأراضي الزراعية يخضع أيضا لقيود مرتبطة بالبوابات الزراعية وشبكة الطرق.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى وجود بوابات تستخدم لتنظيم وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الواقعة خلف الجدار، فيما تبقى غالبية هذه البوابات مغلقة طوال العام أو تفتح لفترات محدودة.

وبالنسبة إلى المزارع، فإن الوصول إلى الأرض في الوقت المناسب قد يكون مرتبطا بموسم زراعي أو موعد حصاد أو حاجة إلى رعاية المحاصيل، ما يجعل القيود على الحركة مرتبطة مباشرة بمصدر الدخل والمعيشة.

عندما يصبح التأخير عادة

الأثر الأوسع لهذه القيود لا يظهر فقط في عدد الحواجز أو طول الطرق، بل في الطريقة التي يعيد بها الفلسطينيون تنظيم يومهم.

الخروج قبل الموعد بوقت طويل، اختيار طريق بديل، تأجيل زيارة، تغيير موعد، أو حساب وقت إضافي للرحلة، كلها إجراءات تصبح جزءا من الحياة اليومية عندما لا يكون الوصول إلى الوجهة مضمونا.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن العدد الحالي لعوائق الحركة هو الأعلى الذي تم تسجيله خلال السنوات العشرين الماضية، ما يعكس اتساع القيود مقارنة بما كان سائدا في السابق.

الطريق كجزء من الحياة اليومية

الضفة الغربية ليست مساحة متصلة بالنسبة إلى كثير من سكانها بالمعنى العملي للحركة.

قد تكون المسافة بين قريتين قصيرة على الخريطة، لكن الطريق بينهما قد يمر عبر بوابة أو حاجز أو طريق مغلق، وقد يضطر السكان إلى استخدام طرق أطول للوصول إلى الوجهة نفسها.

وبذلك تتحول عوائق الحركة من مجرد نقاط على الطريق إلى عامل يؤثر في العمل والتعليم والصحة والزراعة والتجارة والحياة الاجتماعية.

المشكلة في النهاية ليست فقط أن الفلسطيني قد يستغرق وقتا أطول للوصول إلى وجهته.

بل أن الطريق نفسه أصبح عاملا يحدد كيف يبدأ يومه، ومتى يصل، وأحيانا ما إذا كان يستطيع الوصول أصلا.

ولهذا، في الضفة الغربية، لم يعد الفلسطيني يخطط ليومه فقط.

إنه يخطط للطريق أولا.

أقرأ ايضا